“وهل تعرف كم تزن تلك الأشياء؟ نحن بالكاد ننتهي من مشكلة استبدال البنادق النظامية، فبأيّ عقل تستخدم سيوفًا في خط المواجهة.…؟”
“انظر إلى الغابة يا سيد سوريل! لا إلى الأشجار! صحيحٌ أن القتال الفردي مهم، لكن لكسب الحرب علينا رفع معنويات الجنود. نحن نعيد إحياء فنون السيف الإمبراطورية القديمة ونوقظ روح الوطنية!”
“وطنية؟”
قال فيلياس ذلك، الذي كان يمشي أمامهم دون أن يبدي اهتمامًا،
“إن كان لا يزال لديكم شيءٌ من الوطنية، فلتفعلوا شيئًا بشأن حصص طعام أولئك الأوغاد الغربيين. حتى الأسرى الذين لم يذوقوا طعامًا طوال اليوم كادوا يتقيؤون من رائحته.”
وكان أول من رأى فانيسا، التي كانت تكتم ضحكتها، هو اللورد فاليندروف.
“آه، آنسة لانغ! لم أركِ منذ زمن! ولكن….ما هذا المظهر؟ هل تعملين في الحصن الآن؟”
“هاها….ربما.”
ثم أدار فيلياس رأسه نحوها، وسرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ لطيفة.
“هل جئتِ لرؤيتي؟”
“بالطبع. لم آتِ في وقتٍ مزعج، صحيح؟”
“أرجوكِ يا فانيسا….لا تسألي عن مثل هذه الأسئلة. وقتي كلّه لكِ.”
“لا، ليس صحيحًا. ليس كذلك.”
فزمجر سوريل من خلفه وهو يضغط أسنانه.
“جئتُ لأخبركَ أنني لن أستطيع شرب الشاي هذا المساء. لدي لقاءٌ مع مالك السفينة في الميناء.”
“آه، إذاّ سأذهب معكِ-”
“لا. لا أريد. وجودكَ معي يلفت الأنظار.”
“لا.…؟”
تركت فانيسا عينيه المرتبكتين خلفها واستدارت مبتعدة. وعندما عبرت المبنى متجهةً نحو البوابة الرئيسية—
“آنسة.”
تنحنحت نيكولا. وعندما التفتت فانيسا إلى صوت الخطوات، كان فيلياس يقترب بسرعةٍ ويطوّقها بذراعيه.
فرفعت رأسها قليلاً من بين ذراعيه، و وجدته ينظر إليها بعينين تبتسمان.
“لا تقولي كلامًا كهذا….حسناّ؟”
“كلام.…؟”
“لا تقولي لا لي.”
ثم انحنى نحوها وطبَع قبلةً مسموعة على جبينها.
“حسناً، فانيسا؟”
“….حسنًا، فهمت.”
“جيد. عودي سالمة.”
ولوّح لها بيده حتى اجتازت البوابة، بينما كانت نيكولا تحمر خجلاً.
“يا آنسة، عمّ تَقلقين؟ الدوق واقعٌ في حبكِ حتى النخاع. ثم إنكما….تبدوان رائعين معًا! تلك الهالة الداكنة، وذلك الشعور بالخطر….مجرد رؤيتكما هكذا تنعشني!”
“أ-أوه….حقًا؟”
“أشعر أننا سنستعد لحفل خطوبةٍ قريبًا. فستانٌ أبيض سيكون جميلًا عليكِ، لكنه قد يكون تقليديًا جدًا…..آه، وبالمناسبة، حتى لو قررتِ البقاء في أشوكا إلى الأبد، فعليكِ إبقائي معكِ. لقد جئت بنيّة أن أظلّ بجانبكِ دائمًا.”
“إلى الأبد.…؟”
‘إلى الأبد….هنا؟ لم أُعطِ أحدًا هذا الوعد….’
فشعرت فانيسا بأن رأسها يدور.
***
كان إرفين، القبطان ومالك سفينة الاستكشاف التي تعاقدت معها فانيسا، بحارًا من المستوطنات الشرقية.
قبل أن يخضع أرخبيل إلى القراصنة، كان قد عبر ذلك الطريق الخطِر مئات المرات على متن سفن تجارية.
وبفضل حنكته، جمع ثروةً كبيرة في وقتٍ قصير، وأصبح يمتلك عدة شركاتٍ تجارية صغيرة. لكن قلّة فقط يعرفون أنه في شبابه عمل ملاحًا على سفينة قراصنة.
في حياتها السابقة، التقت فانيسا بإرفين بعد أن اعتزل واستقر في العاصمة. ورغم طبعه الجاف، كان ينسجم معها على نحو غريب.
بل في أحد حفلات ميلادها أطلق اسمها على سفينة ركاب جديدة شيّدها: كلوديا روز.
وجاءت اليوم للقائه بعد أن فُقدت شحنتا معدات استكشاف قادمةٌ من العاصمة.
إرفين قال لها أن الأمر ليس غريبًا في هذا الطريق العنيف، لكن فانيسا لم تستطع طرد الشك بأن أحدًا يتعمّد عرقلة وصول أغراضها.
فلا يعقل أن تختفي شحناتها وحدها بين هذا الكم من البضائع.
وكما قال ولي العهد يومًا: أهل الشرق الذين عاشوا بين المجرمين والخطر لا ترمش أعينهم أمام أي مأساة.
كانوا من النوع الذي يمسك بالنشال ويبرحه ضربًا بدلًا من استدعاء الحرس.
ولهذا السبب—ومع اعتذارها لسيد الإقطاعية—كانت سلامة أشوكا ما تزال بعيدةً عن أن تُسمّى جيدة.
“بمعنى آخر، أنتِ تشتبهين في أن ما حدث كان سرقة، أليس كذلك يا آنسة؟”
قال إيرفين ذلك وهو جالسٌ معها على طاولةٍ خارجية في مقهى قرب الميناء.
“لا يمكنني الجزم، لكن لديّ إحساسٌ بأننا سنعثر عليه في الجوار.”
قالت فانيسا ذلك وهي ترتشف قليلًا من القهوة الساخنة.
‘أوف….مُرّة.’
تقلّصت ملامحها تلقائيًا. و لم تستطع فهم كيف يستمتع أهل الشرق بهذه النكهة.
“لكن حتى لو حالفنا الحظ واستعدناه، هل سنستطيع استخدامه مجددًا؟ لا بد أنها أجهزةٌ حسّاسة جدًّا.”
سأل إيرفين وهو يمرّر يده على لحيته الكثّة بعد لحظة تفكير.
“على الأقل أريد التحقق. فالأمر الذي يحدث مرّتين قد يحدث ثلاثًا. آه، لكن هذا مجرد حدس لا أكثر، لذا استمر في جعل تجنيد البحّارة أولويةً كما تفعل الآن.”
وبينما كانت فانيسا تهمّ بالنهوض بعد إنهاء الحديث مع إيرفين، اقتربت منها نيكولا التي كانت تمسك المظلّة فوقها وهمست،
“آنسة….تلك السيدة هناك تنظر إليكِ منذ قليل. هل تعرفينها؟”
فرفعت فانيسا رأسها. و على الطاولة المجاورة كانت ثلاث شابّاتٍ يتبادلن الحديث، لكن واحدةٌ منهنّ—سيدة ترتدي الأحمر ومتزيّنةٌ بشكل مبالغ فيه—كانت تحدّق في فانيسا بلا انقطاع.
فستانها كان رغم قدم موضته فخمًا وواضح الثمن، وأصابعها مثقلةٌ بالخواتم المرصّعة وكأنها تتعمّد استعراضها.
“همم….ملامحها مألوفة بعض الشيء.…”
ابتسمت المرأة في تلك اللحظة، واقتربت فورًا من فانيسا ومدّت يدها.
“فانيسا! فانيسا لانغ، أليس كذلك؟ لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا! ألا تتذكرينني؟ كنتِ قريبةً من أختي كاترينا عندما كنا صغيرات.”
“….سيدة فرانسيسكا براير.”
‘سمعتُ شائعة عن هروبها ليلًا مع معلمها….لكن لم أتخيّل أن أراها هنا!’
كان لقبًا أُطلق عليها فقط لمجاراة لقب “سيّدة الفضة” بولينا فاليندوف التي ظهرت في الفترة نفسها.
بالطبع، لم تكن فرانسيسكا تقارن ببولينا على أي صعيد، كما أن شعرها الكستنائي الفاتح لم يكن يمكن اعتباره ذهبيًّا مهما حاولوا.
‘المجتمع المخملي دائمًا مهووسٌ بصناعة منافساتٍ بين الفتيات….’
ومع ذلك، كانت مكانة الدوق براير قويةً ومهيبة.
حتى قبل خمس سنوات.
في ذلك العام، فشل الدوق براير في صدّ هجوم سايروس المباغت. وحتى في الهجوم المضاد خسروا جزءًا من الجبال الحدودية لصالح العدو.
وبفضل مساعدة الماركيز موروزوف المجاور، توقفت الخسائر عند هذا الحد، لكنه خسر ثقة الإمبراطور بعد انكشاف إهماله في التدريب العسكري واستبداله الجنود بمرتزقةٍ رخيصة.
وزاد الطين بلّةً أن دوق فاليندروف الشاب الذي ورث لقب عائلته حديثًا أعلن الحرب على براير في العام نفسه.
استنجد الدوق براير بالإمبراطور ليتوسط، لكنه تجاهله. فاستسلم براير بلا حيلة، ولم يتمكن إلا من الحفاظ على حياته وحياة أسرته ومعقل عائلته.
وحدث كل هذا بعد فترةٍ وجيزة من اختفاء فرانسيسكا.
“أنا من يجب أن يُفاجأ، سيدة فرانسيسكا. لم أتوقع رؤيتكِ هنا. هل استقريتِ مع زوجكِ في أشوكا؟”
و بدت فرانسيسكا غير قادرة على الإجابة فورًا.
“أمم….هل يمكنني الجلوس أولًا؟ لا يبدو أن هذا حديثٌ يُقال ونحن واقفتان.”
ابتسمت فانيسا بخفة. ففي مثل هذه المواقف، عدم عرض الكرسي يعني: “اغربي عن وجهي.” ويبدو أن فرانسيسكا إما نسيت آدابها أو أصبحت جريئةً أكثر من اللازم.
“حسنًا يا آنسة، إن وجدتُ شيئًا فسأخبركِ فورًا.”
قال إيرفين ذلك وهو يضع قبعته ويغادر. فجلست فرانسيسكا بسرعة في مكانه، ثم راحت تمسح فانيسا بنظرات تقييمٍ من أعلى إلى أسفل.
و عندما رأت نظّارتها الطبية وثيابها البسيطة، كتمت ضحكةً صغيرة.
‘هذه الفتاة لم تتغيّر قيد أنملة منذ أيام الطفولة.’
________________________
تضحكين؟ الوووو فيلياس تعال دقايق
فيني نوم الصدق مدري وش اقول بس مره ضمة فيلياس لها والبوسه على الجبهة تجنننننناااااااااااااااااااااان
التعليقات لهذا الفصل " 53"