رغم أنّها هي من طلبت هذه المواد، إلا أنّ الكمية كانت ضعف ما توقّعته. و بدا أن شان جمع حتى المراجع الثانوية المرتبطة بها وساقها كلّها دفعةً واحدة.
خلال أسبوعٍ واحد فقط، أدركت فانيسا أن طريقة عمل شان……مرعبةً بحق. كأنّه يعيش ليعمل، لا يعمل ليعيش.
ثم أسند شان مرفقه إلى الكومة و تحدّث مبتسمًا،
“إن احتجتِ لسكرتيرٍ آخر، فقولي لي يا آنسة. يمكنني أن أعيركِ واحدًا أو اثنين إضافيًا.”
“هل تترك الحديث عن الناس وكأنهم أشياء؟”
فضحك السكرتير الصغير البنية، الذي استعارته من شان، ضحكةً مستسلمة.
“لا بأس يا آنسة. فالمستشار شان يقدّر الأشياء أكثر من الناس أصلًا.”
“سواءً كانوا أشخاصًا أو أشياء، المهم أنّهم ينتهون بمجرد أن تنتهي فائدتهم. آه، صحيح، كيف يسير تقدم البحث في حطام السفينة؟ لا بد أن الجمع بينه وبين التحضير لوليمة الشرف ليس سهلًا.”
فهزت فانيسا رأسها ردًا على سؤال شان.
“الوضع ليس جيدًا. مالك السفينة المتعاقد معنا ماهرٌ جدًّا، فيرتب الأمور بنفسه بسلاسة……لكن العثور على بحّارةٍ ذوي هوياتٍ واضحة أصعب مما توقعت.”
“هذا طبيعي……فنحن في أشوكا.”
“كل شخصٍ هنا يحمل سجلًا جنائيًا أو اثنين على الأقل…….أرجو فقط ألا يكونوا أصحاب جرائم كبرى. ناهيك عن أننا نحتاج غواصين محترفين أيضًا. أما المعدات التي يفترض وصولها من العاصمة……فلم تصل أي أخبارٍ عنها.”
والأمر المدهش، أنّ التحضير لأول فعاليةٍ اجتماعية في حياة فانيسا الحالية كان يجري بسلاسة تامة.
أُرسلت الدعوات إلى رؤساء الأسر الكبرى في أشوكا، وكبار مسؤولي السفارات، وإلى أقارب يونو من جهة الأم……وكل واحدٍ منهم أعلن حضوره دون استثناء.
طبعًا، من قد يجرؤ على رفض دعوة “الدوق المجنون” إلى وليمةٍ رسمية؟
وبرغم تذمّره الأول، تعاون فيلياس معها بخضوعٍ غير متوقع.
وبما أنّ معرفة فانيسا بقواعد البلاط الإمبراطوري أمرٌ غريب، فقد كان عليها أن تتظاهر بطلب مساعدة فيلياس. وبما أنّه رجلٌ لا يعرف تقديرًا لمراتب ولا مقامات، لم تتوقع الكثير……لكن تبين أنه ملمّ بقواعد البروتوكول بدقة مخيفة.
‘يعرف كل ذلك……لكنه كان يخالفه عمدًا طوال الوقت؟ هذا……نوعٌ آخر من الاحترام.’
لكن الكومة أمامها الآن لا علاقة لها لا بحطام السفينة ولا بوليمة الشرف.
التقطت فانيسا الدفتر الموضوع على القمة. وكان خريطةً بحرية. خُطّ عليها بخطٍ أحمر طريق التجارة الوحيد الذي يربط يونو بالعاصمة الإمبراطورية.
معظم اللآلئ المتداولة في العاصمة تُستورد من أقصى الشرق. وكانت السفن تمر جنوب القارة الوسطى عبر مضيقٍ حار رطب يتلف البضائع على مدار السنة.
ثم، في الربيع الماضي، انفجر بركانٌ في قاع البحر فدمّر ميناء توقّفهم الوحيد هناك. وبذلك فقدت يونو الطريق التجاري الوحيد نحو العاصمة.
المسار الحالي الذي يمرّ بأشوكا ومونتِيا ليس سوى حل مؤقت. وبمجرد أن يُعاد بناء الميناء، ستقل سفن يونو إلى النصف.
من حيث مسافة الإبحار، المرور بأشوكا أفضل على المدى البعيد……لكن المشكلة في حجم البضائع.
صحيحٌ أن موانئ أشوكا تنمو بسرعة، لكنها ما تزال بعيدةً عن القدرة على استيعاب حجم العاصمة.
فطرقت فانيسا ذقنها بظهر قلمها.
“لو أمكن إقناعهم بالحفاظ على هذا الخط……سيكون ذلك رائعًا. الجمارك في أشوكا أرخص بكثير، أليس كذلك؟”
و أومأ شان.
“المشكلة أن سفن يونو تعود فارغةً غالبًا. فيونو والمستوطنات الشرقية تتشابه في مواردها، وبالتالي لا شيء يخرج من أشوكا يهمّهم. لو تمكّنا فقط من جذب تجار العاصمة……لكن من الصعب إغراء من لا يعاني نقصًا.”
“والمشكلة الأكبر……أن يونو قد تفسر هذا الاقتراح سياسيًا.”
فمع أن يونو تحافظ على علاقةٍ ودّية مع الإمبراطورية، إلا أنها تتحاشى أي ارتباط يتجاوز التجارة. ربما بسبب ذكريات كونها سابقًا مقاطعةً خاضعة لإمبراطورية سانت القديمة.
ما تقترحه فانيسا من صفقة يعود بالنفع على الطرفين، لكن……كيف سيفسر الطرف الآخر الأمر، هذا شيءٌ آخر تمامًا.
‘لو أمكنني الاجتماع مباشرةً مع وزارة التجارة الملكية…….’
عندها سيكون حل التفاصيل الصغيرة أمرًا يسيرًا.
وبينما كانت غارقةً في التفكير، سُمِع طَرقٌ على باب المكتب. و أطلت ليا برأسها من الباب.
“سيدتي……لديكِ زائر…….”
وفوق رأس ليا ظهرت فجأة ملامح مألوفة. شعرٌ مجعد بني باهت، وعينان كبيرتان مستديرتان.
“نيكولا!”
“سيدتييييييي! اشتقت إليكِ كثييييرًا!”
ألقت نيكولا حقيبتها وركضت تعانق فانيسا بقوة.
“ما هذا؟ جئتِ لرؤيتي قبل أن تضعي أمتعتكِ حتى؟”
عندما سألتها فانيسا ضاحكة، رمقتها نيكولا بنظرةِ وهل هذا سؤال؟
“شكرًا لقدومكِ من هذه المسافة. تبدين بصحةٍ جيدة، هذا جيّد.”
“وأنتِ أيضًا يا سيدتي. لكن……ما هذا الزي؟ لا تقولي أنكِ جئتِ للعمل هنا؟”
“……لا أظن.”
نظرت فانيسا إلى نفسها فجأة.
بلوزة واسعة، وتنورةٌ تظهر الكاحلين. مع سترة بنية باهتة كي لا يظهر عليها الحبر إن تطاير. لذا، قيل لها اليوم أربع مرات أنها تبدو كمعلمة منزلية.
“آه، لكن حتى هذا المظهر يليق بكِ جدًّا يا سيدتي. أنتِ تجعلين أيّ شيء ترتدينه يبدو رائعًا، وهذا نوعٌ من الموهبة حقًّا!”
“آه….وها قد بدأنا.”
“أقولها دائمًا، لكنني لا أطلق المجاملات عبثًا! انظري فقط كم تبدين فاتنةً بالنظارات!”
وبينما كانت نيكولا تثرثر بحماسٍ وتُخرج مرآتها الصغيرة، لم تستطع فانيسا أن تكتم ضحكةً قصيرة.
“هذا يعني أنكِ ترين أنني لا أبدو ذكية، أليس كذلك؟ على كل حال، دعيني أعرّفكِ. هذا هو معاون الدوق.”
“آه، أنا نيكولا نورتون يا سيدي المعاون. تشرفت بمعرفتكَ وأرجو أن نتعاون جيدًا.”
ابتسمت نيكولا ابتسامةً مشرقة وهي تلقي التحية، لكن فجأة تناثرت حزمة الأوراق التي كان شان يحملها عند قدميه.
“……؟”
“آه، أ-أ….هذا.…”
تمتم شان بوجهٍ محمّر بلا سبب واضح ثم جثا على ركبتيه يلمّ الأوراق بسرعة. بينما أمالت نيكولا رأسها بحيرة ثم التفتت إلى فانيسا وسألت،
“تقول ليا أن لديكِ موعدًا في الميناء بعد الظهر، صحيح؟ هل أساعدكِ في الاستعداد للخروج؟”
نظرت فانيسا بلا مبالاة إلى ملابسها.
“هذا يكفي.”
وضعت ثقالة الورق فوق الملفات ونهضت. فقد كانت تنوي لقاء فيلياس قبل مغادرة الحصن لتخبره بوجهتها.
‘من المفترض أنه في ساحة التدريب الآن….و قال أن ضيفًا من العاصمة سيصل اليوم.…’
أصرّت نيكولا على مرافقتها. وعلى الرغم من الرحلة الطويلة، بدت أكثر نشاطًا من المعتاد.
“لكن يا آنسة….أنتِ والدوق….هل أنتما الآن….في علاقة رسمية؟”
سألت نيكولا وهما تمشيان في ممرات الحصن.
‘علاقة.…؟’
لم تستطع فانيسا الإجابة فورًا. فالعلاقة الرسمية بين رجل وامرأة من النبلاء تحتاج إلى إذن والد الفتاة. و الكونت لانغ مات، وليس لفانيسا أقارب أو إخوة يحلون محله.
“لا أدري…..لا أعرف حتى ما الذي أفعله بالضبط الآن.”
“يا إلهي، العلاقات بين الرجال والنساء هكذا دائمًا! على كل حال، الدوق سيطلب يدكِ قريبًا، أليس كذلك؟”
“هممم….”
حتى هذا كان من الصعب تخيّله. وحتى لو حدث….لم تكن فانيسا مستعدةً بعد لتقبّل أمرٍ كهذا.
كان زواجها بكونراد بمثابة مخرج. لم تكن ترى خيارًا آخر، وما زالت تظنه صفقةً جيدة في ذلك الوقت.
أما الآن، فقد أصبحت قادرةً على “الاختيار” حقًّا.
وفوق ذلك….خطبة، زواج….هل فيلياس أصلًا من النوع الذي يقوم بأشياء كهذه؟
‘صحيحٌ أنه أرسل لي خطاب زواج في حياتي السابقة……لكن ذلك على الأرجح.…’
في ذلك اليوم في قاعة الاجتماع قال فيلياس: إن مات ولي العهد، فسيفقد كونراد حياته بدوره.
ربما كان يتوقع موت فانيسا أيضًا، وكان خطاب الزواج مجرد محاولته في إنقاذها بطريقته الخاصة.
وبينما كانت هذه الأفكار تدور في ذهنها، وصلتا إلى الحديقة الخلفية للمبنى الرئيسي. و كان فيلياس قد غادر ساحة التدريب بالفعل، ويتبعه شخصان.
الشاب ذو الشعر الرمادي الفاتح الذي كان يتحدث بحماسة إلى جانب سوريل كان وجهه مألوفًا….إنه أحد توأمي فالندورف.
تحدّث الشاب وهو يقبض يده بجدية،
“إن كان توزيع المؤن على الضباط صعبًا، فماذا عن البدء بالجنود أولًا؟ يا سيد سوريةيل! لا ترفض الفكرة دون حتى النظر فيها، فكّر بها بجدية على الأقل!”
و هزّ سوريل رأسه وكأنه يسمع كلامًا لا يستحق التفكير.
“يا لورد….هل تدرك ما الذي تقوله؟ الآن تريد أن نبدأ حتى الجنود….ثم ماذا بعد؟”
______________________
شان يالخفييييف اخيرا لقى شي احسن من الشغل والراتب😂😂😂
التعليقات لهذا الفصل " 52"