“مهلًا، آنسة لانغ. هلّا تستمعين إليّ أولًا؟ لا أريد أن أضع عليكِ عبئًا كهذا……لكن لا بدّ أن أقول هذا مرةً واحدة على الأقل.”
نهض وليّ العهد من مكانه واقترب من فانيسا. و جلس إلى جوارها وحدّق في عينيها.
اجتاحها إحساسٌ مباغت بالشؤم. كانت تتوقع هذا، لكنه كان مفاجئًا أكثر مما ظنّت. وبدا أنّ وليّ العهد قد قرأ تعابير وجهها أيضًا، غير أنّه لم يُظهر نيّة في التوقّف.
“في تلك الليلة، كنتُ أراقبكِ طوال الحفل. ولعلّ هذا ما جعلني أقع في ذلك الوهم السخيف.”
في يوم لقائهما الأول، كان قد قال لها ذلك. أليس قد تلاقت نظراتهما خمس مرات؟ ثم بدا عليه الارتباك حين أدرك أنها مجرّد أوهام، وكان مظهره حين احمرّ وجهه بريئًا بحق.
سواءً كان ذلك وجهه الحقيقي……أم لا.
“لكن، رغم ذلك……لا أريدكِ أن تظني أن مشاعري……سطحية.”
“لا أجرؤ……على الظنّ بذلك، سموك.”
لمعت على وجه وليّ العهد ابتسامةٌ مريرة إثر جواب فانيسا.
“أنا وأنتِ وُلدنا كاذبَين بارعَين، أليس كذلك؟ بل ويمكن القول أننا نزّاعون للسيطرة أيضًا.”
“……لستُ متأكدةً إن كان ذلك مدحًا أم إهانة.”
ابتسم ابتسامةً خفيفة بالكاد تُرى.
“نحن من النوع نفسه. وأعرف أن الاقتراب بهذه الطريقة ليس صائبًا. ثم……لستُ عديم الفطنة إلى هذا الحد. أعلم أيضًا أنه ليس لي موطئ قدمٍ بينكما.”
فشعرت فانيسا بحرارة تصعد إلى وجهها على نحو غريب.
“هـ….ل كان ذلك واضحًا؟”
“آه، يؤلمني أنني لن أرى مثل هذا الوجه منكِ بعد الآن.”
قال وليّ العهد ذلك بنبرة مداعبة، لكن ابتسامته اختفت بلا أثر.
“إذاً سموك، لِمَ لا نتوقف عن هذا الحديث……؟ أنتَ تعرف الجواب، حتى دون أن أنطق به.”
“لا يا آنسة لانغ. لا ينبغي ذلك. لقد وضعتُ قلبي بين يديكِ.”
“…….”
“الدوق، فيلياس……هو بالنسبة إليّ كالأخ. مهما كان رأيه بي. لكنه……ليس رجلًا كاملًا.”
“لا أحد كامل في هذا العالم، سموك.”
قالت فانيسا ذلك بهدوء. و بدا أن وليّ العهد تفاجأ قليلًا، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة.
“صحيح. لكن عاجلًا أم آجلًا، سيجرحكِ. وعندما يأتي ذلك اليوم……أريد أن أخبركِ بأنني سأكون دومًا في صفّكِ.”
ابتسمت فانيسا بصعوبة. فعلى نحوٍ ما، كانت تشعر بالأمر ذاته؛ بأن قلبها، عمّا قريب، لن ينكسر فحسب……بل سيتحطّم تمامًا.
“سموك……هل لي أن أسأل سؤالًا واحدًا؟”
“أي شيءٍ متاحٌ بالنسبة إليكِ.”
“في اليوم الذي تلقيتُ فيه أول دعوةٍ منكَ……حين كدتُ أسقط من الخوف بعد أن رأيتُ قوتكَ، وأمسكتَ بيدي. ألم يكن بوسعكَ حينها……استخدام سلطتكَ عليّ؟”
تأملها وليّ العهد طويلًا.
“هذا يؤذيني. أتظنينني رجلًا يفعل شيئًا كهذا؟”
“مجرد احتمالٍ فكرتُ فيه. كما قلتَ، أنا مهووسة بالسيطرة.”
فتنهد وليّ العهد تنهيدةً خفيفة.
“نعم، كان يمكن ذلك. كان بإمكاني جعلكِ تظنين أنكِ واقعةٌ في حبي، وربما أجعلكِ تبكين راكعةً أمامي أيضًا. لكن……أين المتعة في ذلك؟”
فضحك ضحكةً قصيرة، ثم نهض.
“شكرًا لكِ. سنلتقي قريبًا في العاصمة.”
***
ثم خرجت فانيسا من قاعة الاجتماعات لتبحث عن فيلياس، لكنها لم تجده في أي مكان. لا في وقت الغداء، ولا عند موعد شرب الشاي.
“هكذا هو دائمًا. لا تقلقي.”
قالا ذلك كبيرة الخادمات و رئيس الخدم أيضًا بنفس الألفة. وجعلها ذلك تشعر بالقلق أكثر. ثم تذكرت فجأةً كلام وليّ العهد.
لو كان الأمر كعادته، لترك كل شيء لسوريل، واعتكف في أحد أبراج الحراسة……وكان في الحصن ستة أبراج.
‘ها……هل فقدتُ عقلي……؟’
بعد أن بحثت في برجين دون جدوى، وصعدت الثالث وهي تكتم غضبها، كانت قد خلعت حذاءها وتحملها بيدها بينما تصعد الدرج الحجري حافية.
‘إن لم يكن هنا أيضًا، فليمت جوعًا إن شاء.’
وعندما وصلت إلى أعلى الدرج أخيرًا، وجدت فيلياس جالسًا مستندًا إلى الحائط، ويداه على جبينه.
“فيلياس.”
ثم ارتجف قليلًا وهو يلتفت إليها. وقد كان وجهه شاحبًا.
“آسفة……هل أفزعتكَ؟”
“فانيسا……كيف…….لم أسمع خطواتكِ…….”
“كنتُ حافية.”
اتسعت عيناه حين رأى قدميها. و نهض واقترب بخطواتٍ واسعة، ثم رفعها فجأة بين ذراعيه.
“سمو الدوق؟!”
“أرجوكِ……لا تناديني هكذا.”
ثم وضعها بلطفٍ على كرسيٍ خشبي موضوعٍ قرب النافذة.
“دعيني أرى……قدميكِ.”
“أمم……قدماي متسختان قليلًا الآن.”
انحنى فيلياس أمامها يتفحّص إن كان بهما أي خدش.
“كان ذلك خطرًا…….”
و اهتز صوته وهو يتمتم، وكان جبينه مبتلًّا بعرقٍ بارد.
“ألستَ مريضًا أو متألمًا؟”
“……لا داعي لأن تقلقي بشأن ذلك.”
“إن كنتَ ترغب في البقاء وحدكَ، فسأعود أدراجي. ما دمتَ بخيرٍ فقط-”
“لا تذهبي.”
أجاب فيلياس بسرعة. و اتسعت عيناه وكأن الرعب يتملّكه، وكأنه يخشى حقًّا أن ترحل فانيسا وتتركه.
“هذا لا يحدث كثيرًا. فقط……شعرتُ ببعض القلق……سأكون بخيرٍ قريبًا……فلا تذهبي يا فانيسا. أرجوك.”
مدّت فانيسا يدها بحذر، وأزاحت شعره الأسود المبتل العالق على جبينه. فالتفّ الشعر الحريري حول أصابعها قبل أن يفلت.
“ما الذي يقلقكَ بهذا الشكل؟ هل تظن أنكَ ستشعر بتحسن إن تحدثتَ عنه؟”
ثم وضع فيلياس رأسه بخفة على ركبتيها.
“في الحقيقة……كنتُ أحاول أن آتي إليكِ طوال الوقت. لكن الخارج شديد الإضاءة……وأنا……أنا…….”
فكرت فانيسا أنه ربما كان هذا أمرًا طبيعيًا تمامًا.
ست سنوات. ست سنوات لم يواجه فيها عيني أحد. ليس منطقيًا أن يخرج إلى العالم فجأة ويتحدث ويتصرف وكأن شيئًا لم يكن.
وإن بدا بخير طوال الوقت……فلا بدّ أنه كان يقسو على نفسه كي يبدو هكذا.
“انهض.”
وقفت فانيسا من على الكرسي وساعدت فيلياس على الوقوف. ثم……
“أمم…….”
وقعت في حيرة. كانت تنوي، كما في السابق، أن تضم كتفيه وتواسيه……لكن ذلك الآن سيبدو غريبًا جدًا.
وهي واقفةٌ أمامه هكذا، بدا فيلياس طويل القامة حقًا. وإن رفعت قدميها ربما استطاعت الوصول، لكن وجهيهما سيقتربان أكثر مما ينبغي.
‘ولا يمكنني أن أجعله يجثو مجددًا…….ووضع يدي على خصره الآن……أمرٌ غريب……’
كان فيلياس صامتًا، يحدّق بها من أعلى. وفي تلك اللحظة وصلت فانيسا لاستنتاجٍ واحد،
‘هل أنا……غبية قليلًا في هذا النوع من الأمور؟’
لم يسبق لها أصلًا أن فكرت بمن يبدأ العناق أو يواسي الآخر.
كان بإمكانها إذلال رجالٍ وقحين، لكن أن تبادر بفعل شيء كهذا لرجل يقف صامتًا أمامها……فذلك كان خارج نطاق تجربتها.
وبدأت تفكر جديًا: هل عليها الوقوف فوق الكرسي؟
كانت الفكرة تمزّقها بين “سيبدو هذا مضحكًا للغاية” و“لم يعد هناك ما هو أكثر حماقة أصلًا”، حينها……
“فانيسا.”
“نعم؟”
“يمكنكِ لمسي إن رغبتِ.”
“هـــ؟!”
“لقد كنتِ تحدقين في خصري منذ قليل.”
“لا، أنا……أنا لست……! بأي حقٍ تظن…….”
شعرت فانيسا بحرارةٍ تسري في وجهها. وعندما رفعت رأسها، كان فيلياس ما زال ينظر إليها بهدوء.
“فقط……فكرتُ أنه……ربما معانقتكَ سيكون فيه بعض المواساة.”
عند كلماتها، مدّ فيلياس ذراعيه ببطء، ثم جذبها إلى حضنه.
جسده الكبير الصلب أحاط بها بإحكام. ومع صوتٍ خافت، لامست وجنته أعلى رأسها.
“لا يهمني مطلقًا ما يراه الناس بي. لكن فكرة……أنكِ قد تمقتينني……أو تخافين مني…….”
“هذا مستحيل.”
“أنت تعلمين….وأنا أعلم….أن هناك شيئًا فيّ….غير سليم. لكن إظهار هذا الجزء أمامكِ……صعبٌ للغاية. فالآن…….الآن تكفيني نظرةٌ واحدة منكِ….لأشعر أنني قد أموت.”
“فيلياس…….”
“لذا….واصلي التعاطف معي. أرجوكِ.”
تعاطف؟
لكن يده الباردة على مؤخر عنقها كانت بائسةً إلى حدّ لا يُحتمل، فلم تستطع فانيسا إلا أن تعانقه هي الأخرى. بينما كان جسده يرتجف بخفة.
‘هل……يبكي؟’
أرادت أن تسأل. لكن ماذا لو كان يبكي حقًا؟ ماذا ستفعل؟ وماذا إن لم يكن؟
خشيت الإجابة، فآثرت الصمت. ولم تستطع رفع رأسها.
_______________________
يس يازين الرجال اليائس✨
نعم ليأس ودموع الرجاجيل
ولي العهد زفت بس رحمته
وفانيسا ليه قال انها تحس قلبها بينكسر؟ من فيلياس؟ شلون؟ ذاه لو سوا لس شي يمكن يدفن نفسه😔
المهم كملوا مواساة وقت اطول و اطالب ببوسة جبهة في الختام
التعليقات لهذا الفصل " 51"