انتهت رحلة شهر العسل والإجازة القصيرة على نحوٍ يبعث على الأسى، وحان يوم العودة إلى أشوكا.
وأثناء جلوس فانيسا على مهلٍ تتناول إفطارها بعد أن استيقظت متأخرًا، وصلتها رسالةٌ واحدة.
“يا إلهي.”
تمتمت فانيسا، فرفع فيلياس، الذي كان ينزع حبات العنب، عينيه بدهشة.
ثم رفعت فانيسا الرسالة وأرتها له.
“يبدو أن هناك طفلًا في الطريق.”
“….ماذا؟”
“إيريك كارلسون، تتذكره، أليس كذلك؟ المحارب الوحيد الذي شارك في الحرب من لوكت.”
“آه، إذًا الرسالة من السيدة بيورن.”
“بالضبط. تخيّل أن إيريك ذاك كان على علاقةٍ ما مع أستريد، فتاة بيت البستان!”
ساد الصمت لحظة، ثم ضحك فيلياس بخفة.
“السيدة بيورن ما زالت على حالها. تكتب كل تلك الصفحات وتحشر بينها هذا الكم من الأخبار الفضولية….”
“أي أخبارٍ فضولية؟ أنا سيدة لوكت، أليس من الطبيعي أن أُبلَّغَ بكل صغيرةٍ وكبيرة تخص سكان إقطاعيتي؟”
كان نصف كلامها مزاحًا، لكنه في الحقيقة لم يكن بعيدًا عن الواقع. فلوكت كانت قد استعادت عافيتها تمامًا، بل إن عدد سكانها تضاعف تقريبًا، وكلوديا ما زالت تديرها بمهارةٍ لا يُستهان بها.
وكانت فانيسا تعلم أن من متَع كلوديا أن تكتب لها مثل هذه الرسائل الطويلة، متذرعة بأنها تقارير، وهي في الحقيقة مجرد حكاياتٍ يومية عن الناس.
“على كل حال، طفل….لو كان يشبه أستريد، فلا بد أنه سيكون صغيرًا لطيفًا ومكتنز الملامح.”
“إذا فكرتَ بالأمر، فقد حان الوقت لنتحدث نحن أيضًا.”
“عن ماذا تتحدثين؟”
“عن طفل.”
“طفل؟”
“أنتَ فهمتني، فلماذا تسأل؟”
ساد صمتٌ قصير.
“أعني.…، أمم….طفلٌ بيننا، أنتِ وأنا؟”
“نعم، أليس كذلك؟ لماذا تعود وتسأل عن أمرٍ بديهيٍ هكذا؟”
أنزل فيلياس شوكته. وتردد طويلًا قبل أن يتكلم.
“لم أكن أظن أنني….ينبغي أن أتخيل أمرًا كهذا….”
“ولِمَ لا؟”
“ذلك….أمم….على أي حال، أشعر أنه أمر ٌغير لائق بعض الشيء….”
غير لائق؟
فعقدت فانيسا حاجبيها قليلًا.
“لا تقل أنكَ تظنني فعلًا جنيةً أو ما شابه؟”
“لا أظن، أنا أعلم.”
“….حقًا؟ وتلك الجنية، ماذا كنتَ تفعل معها طوال الأيام الماضية؟”
“آه، ذلك….”
“ثم إنني لا أريد إلقاء اللوم على أحد، لكن منذ وصولنا إلى فيشو، لم تكن دقيقًا جدًا في هذا الشأن، أليس كذلك؟”
“لكننا لم….ولو مرة واحدة….”
“وهل تعتقد أن ذلك كان وسيلة منع حملٍ سليمة فعلًا؟”
“….هل يصح أن تتكلمي بهذه الصراحة؟”
“وإلا فكيف تريدني أن أقولها؟”
“أعني، هي كلمةٌ مهمة وعقلانية جدًا، لكن سماعها من فمكِ يجعلني أشعر….ببعض الحرج.”
“أتعلم أن خجلكَ هذا أحيانًا يكون مستفزًا جدًا؟”
“كلامكِ قاسٍ….”
“ولا تتمتم بتلك الطريقة المريبة.”
“أم.…، فهمتُ ما تقصدين. لكن….”
تنحنح فيلياس بلا داعٍ.
“لدينا متسعٌ من الوقت لنناقش هذه الأمور مستقبلًا….”
“صحيح. لا داعي للعجلة. ثم إنني أعتبر السيد سوريل بمثابة ابني أصلًا.”
“….أكرر للمرة الألف أن سوريل أكبر منكِ سنًا.”
ورغم هذا المزاح السخيف، ابتسمت فانيسا.
لأنها أدركت أنها اشتاقت إلى أشوكا بقدر ما استمتعت بوقتها في فيشو.
“لا بد أن الجميع بخير، أليس كذلك؟ لقد كانت أيامًا ممتعة حقًا، لكنني أريد العودة سريعًا الآن….إلى القلعة.”
فنظر إليها فيلياس بعينين مفعمتين بالمودة، ثم صفّى حلقه مرةً أخرى.
“أنا، يا فانيسا. أعلم أن ردّة فعلي لم تكن….ناضجةً جدًا. لكنني لا أريدكِ أن تشعري بأن عليكِ فعل شيءٍ ما، أو أن تصبحي شيئًا معينًا.”
“همم؟”
“أعني….أن سعادتكِ إلى جانبي هي الأهم بالنسبة لي. التفكير في المستقبل أمرٌ طبيعي، بالطبع….لكنني لا أرغب الآن في التطلع بعيدًا جدًا.”
تفاجأت فانيسا قليلًا، إذ كانت في الحقيقة تشعر بالأمر ذاته.
كانت ترغب فقط في تذوق هذه السعادة الحالية لأطول وقتٍ ممكن. شعورٌ بأن الحاضر يلمع ويغدو حلوًا إلى حد لا يترك مجالًا للقلق بشأن الغد.
“لكن سماعكَ تقول هذا يجعلني أشعر بشيءٍ من الغرابة.”
“ولماذا؟”
“لأنكَ تبدو….ناضجًا جدًا.”
عند كلامها، أسند فيلياس ذقنه وابتسم بعينيه.
“أنا بالغٌ فعلًا. حتى لو لم تصدقي.”
***
ومضت اللحظات الحلوة سريعًا.
بعد ست سنوات من وضع أول معول، اكتمل أخيرًا خط السكة الحديدية الذي يربط العاصمة بأشوكا.
و في يوم حفل الافتتاح الأول، كانت محطة القطار تعج بالجماهير التي جاءت للمشاهدة.
“أوه، يا صاحب الجلالة!”
صرخ صبيٌ أحمر الشعر كان يمسك بيد فانيسا، مشيرًا بإصبعه الصغير الممتلئ إلى مكانٍ ما.
فابتسم فريدريش، الذي كان في مهمةٍ سرية كعادته اليوم أيضًا، ابتسامةً لطيفة وهو ينظر إليه.
“أما زلتَ لا تستطيع مناداتي بفريتز كما في السابق؟”
“آه، هذا لا يجوز يا جلالتك. لقد بلغت الرابعة من عمري الآن، ولا يصح أن أنطق بالاسم الجليل لجلالة الإمبراطور بلا توقير!”
“لوكا.”
“نعم، أمي؟”
“ردد ورائي، الاسم الجليل.”
“الاسم؟”
“جليل.”
“جليل.”
“اسم.”
“اسم.”
“الآن معًا؟”
فزمّ لوكا شفتيه بتركيزٍ شديد، ثم تحدّث أخيرًا،
“الاسم….الجليل؟”
تصفيق- تصفيق-
كانت نيكولا تصفق بيديها بينما تحمل مظلتها تحت ذراعها.
“ما هذا الأدب الجم؟ من الواضح أنكَ لم ترث هذا عن أبيكَ.”
“يا إلهي، جلالتك؟ هل تسيء إلى زوجي أمامي الآن؟”
“إساءة؟ يا سيدة فانيسا، أنا فقط أقدّم تقييمًا قائمًا على الحقائق.”
“صحيحٌ أنه مشهورٌ بعدم احترام التسلسل، لكن لا يجوز أن تقول ذلك أمامنا!”
“وما شأنكَ أنتَ حتى تنادي زوجتي باسمها هكذا يا فريتز؟”
قال فيلياس ذلك وهو يظهر فجأةً ويتدخل في الحديث.
وحين حمل لوكا بيدٍ واحدة ورفعه عاليًا، أخذ الطفل يلوّح بذراعيه وساقيه بسعادة.
فضحك فريدريش وهز رأسه.
“آه، لكن سيدة فانيسا أصبحت الآن من العائلة نفسها، أليس كذلك؟ لم يعد من اللائق مناداتها بلقبها، ومن الغريب أيضًا أن ننادي بعضنا بالألقاب داخل العائلة.…”
“نادها عمتي إذًا، أيها الوقح.”
“فلتبدأ أنتَ أولًا بمناداتي جلالة الإمبراطور بشكلٍ صحيح، أيها الذي لا يعرف فوقًا ولا تحتًا.…”
“آه، كفاكما أنتما الاثنان! ما هذا الذي تفعلانه أمام الطفل؟”
حين حدّقت فانيسا بهما متظاهرةً بالغضب، ساد الصمت فورًا.
لكن المشاجرة عادت من جديدٍ في طريق العودة إلى القلعة بعد انتهاء قص الشريط.
“ألا تنوي الزواج قريبًا؟”
“ليس الزواج ضمانًا للسعادة دائمًا، أليس كذلك؟”
“لا يهمني سعادتكَ، تزوج بسرعةٍ وتوقف عن التردد على الشرق كل حين.”
“فيلياس.”
“نعم، فانيسا؟”
“لوكا نام.”
همم، كان لوكا نائمًا بين ذراعي فيلياس، يفرك خديه المتوردين بكتفه.
“إنه ملاكٌ، حقًا.”
همست فانيسا بذلك.
“بالفعل.”
و حين رفعت رأسها، كان فيلياس ينظر إليها، كما كان دائمًا.
فتنهد فريدريش.
“سأعود الآن. بلغي لوكا سلامي.”
لوّحت فانيسا بيدها لفريدريش وهو يدير ظهره.
من كان ليتخيل أن إمبراطور هذه الإمبراطورية العظيمة يسير بين الجموع هكذا؟
ومهما يكن، فقد كان إمبراطورًا لا يُؤخذ عليه شيء، بل استثنائيًا على نحوٍ غير مسبوق، لكن ربما آن الأوان لأن تطلب منه أن يخفف من تنكره هذا.
“فانيسا.”
و حين التفتت، كان فيلياس ينظر إليها، حاملاً لوكا بين ذراعيه، ومدّ يده الأخرى نحوها.
“هل حان وقت العودة إلى البيت؟”
فابتسمت فانيسا وأمسكت بيده.
***
“في الحقيقة، كنتُ قلقةً قليلًا. حين وُلد لوكا.”
قالت فانيسا ذلك وهي تصعد التل المؤدي إلى القلعة مع فيلياس، بينما كان لوكا لا يزال نائمًا بسعادةٍ بين ذراعيه.
“قلقة؟”
سأل فيلياس.
“أعني….لم يكن لأيٍ منا والدان حقيقيان، أليس كذلك؟ ولم نحظَ بطفولةٍ عادية. لذلك….أظنني كنتُ خائفةً بلا وعي. هل سنتمكن فعلًا من تربية هذا الطفل….كما ينبغي؟”
ظل فيلياس صامتًا لحظةً قبل أن يتكلم.
“بالفعل، في تلك الفترة….بدا عليكِ القلق كثيرًا.”
“مم، لكن الآن لا بأس. بل إنني مندهشة. لم أتخيل أبدًا أننا سنجيد الأمر إلى هذا الحد.”
مدّت فانيسا يدها وربتت على شعر الطفل الناعم.
فابتسم، وهو أسعد وأصح طفلٍ في الدنيا، ابتسامةً خفيفة وهو نائم.
“وهل ما زلتِ تقلقين الآن؟”
هزت فانيسا رأسها بخفة.
“قليلًا. أتعرف، هناك من يقول إن السعادة المفرطة تجعل الإنسان يختلق أسبابًا للقلق.…”
“…….”
“لكن لا بأس.”
رفعت فانيسا رأسها. و كان الغروب يحلّ على المدينة التي تحبها، وخلف السماء المصبوغة بالأحمر، كان الأشخاص الذين تحبهم يقفون إلى جانبها.
“أعرف أننا سننجح.”
فابتسم فيلياس. و من دون أن يقول شيئًا، شعرت أنها تعرف ما يريد قوله.
نجمتي، ولهيبي، وحياتي.
والنور الذي لا ينطفئ.
الآن عرفت فانيسا. حتى في اللحظات التي ينهار فيها القلب وتفيض الدموع، سيكون هناك في مكانٍ ما من هذا العالم نورٌ لا ينطفئ أبدًا.
ومادام هناك نور، فلن يكون على أحد أن ييأس بعد الآن.
“نعم. إلى الأبد.”
〈 نهاية القصة الجانبية – شخصية الدوق الاجتماعية ماتت تماماً 〉
______________________
انتهت😔💔💔💔
مابي ابي زياده ليه هم بعد ماكان فيه دراما الولاده ومشاعرهم اول ماشافوا لوكا ليييييييه
وليه الفصول بس خمس وقصيره بعد! ببكي مابي رجعوهم
الروايه ذي تصف مع ريكا كأكثر روايه ترجمتها حبيتها وماشعرها مخلوطه فيه وناسه رخص بؤس بس ذولا زياده عليهم مجانين ثنينهم😭
كان ودي اعرف وش صار على ام فانيسا وينها فيه و وين راحت له والحماره ليه مافكرت حتى تزور بنتها
وكان ابي كوبل شان و نيكولا خساره بس واضح نيكولا شوي و تنادي فانيسا مولاتي😭 يتخطى شان
اما فيلياس يجنن ماصار زي كل الابطال لاصاروا اباء يحب البنت و يعنّف الولد لا عنه مع ورعه شاله بحنان بعد😔
التعليقات لهذا الفصل " 136"