“كنتُ كذلك دائمًا. فقط….لم أكن أعرف الطريقة المناسبة. لكنني لطالما-.”
“أعرف.”
أحاطت فانيسا وجنتي فيلياس بكلتا يديها.
الآن باتت فانيسا تفهم قلبه. لم يكن يجهل سوى طريقة التعبير، لكنه كان دائمًا لا يريد سوى سعادة فانيسا.
فأمال فيلياس رأسه برفقٍ على يديها وخفض نظره.
“أنتِ تعرفين الآن، أليس كذلك يا فانيسا.”
“هم؟”
“كم أنا شخصٌ صادق….وغير مؤذٍ.”
على نحوٍ غريب، بدا وجهه وهو يقول ذلك متغطرسًا للغاية. وصوته المنخفض الرنان أرسل قشعريرةً سرت على طول عمودها الفقري.
“كل شيءٍ فيكَ رائع، لكنكَ لستَ غير مؤذٍ أبدًا.”
“…….”
“أنتَ مؤذٍ جدًا لقلبي.”
قالت فانيسا ذلك بمزاح، ثم رفعت كعبيها وطبعَت قبلةً خفيفة على شفتيه.
“….هل قلتُ لكِ أنني أحبكِ؟”
“مهما سمعتها، لا يكون ذلك كافيًا.”
ثم انحنى هو نحوها.
بدا وكأنه ينوي أن يقول لها كل ما ترغب في سماعه، بالقدر الذي تريده. ربما طوال هذه الليلة.
***
نزهات طويلة على الشاطئ، وجولاتٌ بالقارب في البحيرة. و مأكولاتٌ بحرية طازجة من الجنوب الغربي، ونبيذ عطِر. و ركوب الخيل والتسوق، و حمّامات الفقاعات، ومباريات شطرنجٍ ركيكة.
كانت أيامًا هادئةً وعذبة.
في الأيام الأقل ازدحامًا، كانا يكتفيان بالتجول في الشارع التجاري.
تلك الشوارع الجميلة لم تنطفئ أضواؤها حتى وقت متأخرٍ من الليل، وكان المارّة الأنيقون يملؤون طاولات المقاهي والحانات.
ومنذ وصولهما إلى فيشو، لم يختلطا بسائر النبلاء، لذلك لم يكن أحدٌ ليتخيل أن الدوق الأكبر وزوجته يتنزهان ليلًا في مكانٍ كهذا.
“الأمر ممتع، كأننا في جولةٍ سرية.”
همست فانيسا وهي تتشبث بذراع فيلياس، فضحك هو بصوتٍ منخفض.
“آه، الآن وقد ذكرتِ ذلك….”
“ماذا؟”
“هذه أول مرةٍ نخرج في هذا الوقت منذ الزفاف.”
“أمم.…، هذا لأن الأمر كان متفقًا عليه. ضمنيًا؟”
“صحيح، ضمنيًا. لكن على أي حال….”
همس فيلياس وهو يعيد الخدم إلى العربة.
“شفاهكِ حمراء.”
كان نظره دافئً وهو يلامسها. فدفعت فانيسا صدره بخفة.
“لأنني وضعتُ أحمر شفاه. وبما أننا ذكرنا ذلك، ادخل أنتَ أولًا. سأعدّل مكياجي ثم ألحق بكَ.”
“لكن….”
“طاولة البار ستكون مناسبة.”
دفعت فانيسا فيلياس نحو المتجر المزدحم، ثم اتجهت إلى غرفة التجميل.
“لا يريد أن يبتعد لحظة واحدة، حقًا….”
مع أن ذلك لا يزعجها في الحقيقة.
ثم فتحت فانيسا الباب مبتسمة. و كان في غرفة التجميل ثلاث أو أربع سيداتٍ قد سبقنها، يصلحن ملابسهن أو يتفقدن ملامحهن في المرايا.
في الآونة الأخيرة، كانت الشابات النبيلات اللواتي يزرن الجنوب الغربي يخرجن من فيلاتهن دون اصطحاب خدم.
بدا أنهن يفضلن إخفاء أسمائهن وأنسابهن والاستمتاع بتواصلٍ حرّ على هذا النحو.
وبالطبع، لا بد أن الخدم والحراس يراقبونهن عن كثب في مكانٍ قريب، لكنهن أردن على الأقل أن يستمتعن بليلة خروجٍ عابرة.
وبينما همّت فانيسا بالمرور بعد تبادل تحيةٍ خفيفة، تركزت الأنظار عليها دفعةً واحدة.
“عفوًا….”
التفتت وهي تمسك بأحمر الشفاه، فرأت ثلاث شاباتٍ نبيلات يرتدين فساتين سهرة، متشابكات الأذرع وينظرن إليها.
“….هل أستطيع مساعدتكن؟”
“لا، الأمر هو….ألستِ الآنسة فانيسا، أعني الدوقة الكبرى….أليس كذلك؟”
ماذا؟
“ماذا؟”
“آه، كنتُ أعلم! إذًا فالإشاعة صحيحة حقًا، أنكِ جئتِ إلى الجنوب الغربي في شهر العسل!”
“أم.…، كيف….”
نظرت فانيسا، المرتبكة، إلى وجوه الشابات المحمرّة واحدًا تلو الآخر.
“هل كان….سرًا؟ لقد رأى كثيرون الزوجين وهما يتنزهان على الشاطئ….”
“ليس الأمر كذلك.…، فقط لم نتعامل مع أحدٍ منذ وصولنا….فظننتُ أن لا أحد سيعرف….”
“يا إلهي.”
فوضعت الشابات أيديهن على أفواههن في آن واحد.
“لم تكوني تعرفين إذًا. على الأرجح أن الجميع كانوا يتظاهرون بعدم المعرفة. ظنوا أنكما في شهر عسل، وأنكما تريدان قضاء الوقت معًا على انفراد….لكنكما الاثنان….لافتان للنظر جدًا….”
شعرت فانيسا وكأن وجهها احترق فجأة.
‘آه، هكذا إذاً. كنا نظن أننا الوحيدين الذين جاؤوا خفية.’
في مكانٍ يجتمع فيه هذا العدد من نبلاء العاصمة، لم يكن ممكنًا ألا يلفت الاثنان الأنظار.
لم يعد فيلياس يخفي وجهه، وفانيسا بدورها كانت حتى مغادرتها العاصمة شخصيةً لا بأس بشهرتها في الأوساط الاجتماعية.
اعتذرت الشابات لأنهن لم ينتبهن، ثم غادرن، ولم ينسين قبل ذلك الإشادة بفستان فانيسا المسائي.
“سيصبح موضة الموسم القادم بلا شك!”
و عندما عادت فانيسا إلى داخل المتجر، رأت فيلياس مسندًا ذقنه بكسلٍ إلى طاولة البار.
وعندها فقط لاحظت فانيسا هي أيضًا كم من النظرات كانت متجهةً نحوه.
‘أي تخفٍّ هذا؟’
لم يكن في المتجر شخصٌ واحد يجهل من يكونان.
‘هل كان فيلياس يدرك ذلك؟ غالبًا لا. أو ربما لم يكن مهتمًا على الإطلاق.’
و حين اقتربت منه، ابتسم لها فيلياس ابتسامةً مشرقة.
“….ماذا كنتَ تفعل؟”
“كنتُ أنتظرُكِ.”
ثم طبع قبلة على ظهر يد فانيسا، وكأنه سعيدٌ على نحوٍ لا يوصف بوجودها أمامه.
“…….”
“بماذا تفكرين؟”
“فقط….كنتُ أفكر أن في هذا العالم أشياء كثيرة لا تتغير.”
“ربما.”
فابتسم فيلياس.
“لكن يا فانيسا، يمكن تغيير أي شيء. إن أمرتِ بذلك فقط.”
جلست فانيسا إلى جواره وأسندت رأسها بخفةٍ إلى كتفه.
“لا حاجة لتغيير أي شيء. أنا أحب الأمور كما هي.”
ثم أشار فيلياس برأسه إلى الساقي وطلب ويسكي بلاكوود.
“فيلياس، هل تعلم؟”
“ماذا؟”
“كل من في هذا المكان يعرف من نكون.”
“……؟ أرى.”
‘كما توقعت، لا يهتم إطلاقًا.’
ألقى فيلياس نظرةً سريعة حوله ثم مال قليلًا نحو فانيسا.
“هل….يزعجكِ ذلك؟ إن أردتِ، أستطيع إخراج الجميع.”
“وما هذا الكلام الغريب.”
ضحكت فانيسا بخفة.
“ما العمل؟ أنتَ الآن الدوق الأكبر الوحيد في الإمبراطورية، وفوق ذلك برفقة امرأةٍ بهذه الجمال.”
كان نصفها مزاحًا، لكن فيلياس أومأ برأسه وكأنه اقتنع.
“مع ذلك….أمم، هل أنتِ حقًا غير منزعجة؟ أعني….نظرات الآخرين….أنا لا ألاحظها كثيرًا، لكنكِ أنتِ….كنتِ تحبين الحياة في لوكت أيضًا….”
فهزّت فانيسا كتفيها.
“إن لم نستطع تجنب الأمر، فلنستمتع به.”
بدا فيلياس وكأنه غارقٌ في التفكير.
“مثلًا….ماذا لو لم أعد دوقًا بعد الآن؟”
“ماذا؟”
“قد نذهب إلى لوكت معًا. وحينها لن يجرؤ أحدٌ على إزعاجنا….”
“يا للعجب.”
حينها، رفعت فانيسا كأسها وصدمته بكأس فيلياس.
“لا تقل كلامًا فارغًا. ألا تعرف كم طعم السلطة لذيذ؟”
“….أحقًا؟”
“بالطبع. أكنتَ تظن أنني كنت سأتزوجكَ لو لم تكن دوقًا؟”
قالت ذلك بمزاحٍ خبيث، ثم رفعت رأسها فجأة.
‘آه، بهذه الصيغة لن يفهم.’
سيظنها جادة. فمهاراته في التواصل ما زالت تعاني بعض الشيء، بغض النظر عن طبعه.
لكن على غير المتوقع، كان فيلياس يضحك.
“ألم أتطور كثيرًا؟”
“….هاه؟”
طَقّ-
اصطدمت الكؤوس.
“أقصد المجاز. التواصل بين الناس كان دائمًا صعبًا بالنسبة لي….لكن كلماتكِ لم تعد تربكني بعد الآن.”
“….أليس لأنكَ تصغي فقط لما أقوله؟”
“ربما.”
ثم رفع يده وأسند ذقن فانيسا بيده، ومسّ شفتها السفلى بإبهامه برفق.
“لذلك يمكنكِ….أن توبخيني أكثر.”
“…….”
“لن أسيء الفهم أبدًا.”
***
وفي العربة العائدة إلى الفيلا بعد قضاء وقتٍ ممتع. عندما فتحت فانيسا عينيها بعد غفوةِ قصيرة، كانت النجوم قد ملأت السماء خارج النافذة.
“يمكنكِ النوم أكثر.”
همس بحذر، خشية أن يبدد نعاسها.
بعد انتهاء الحرب، بدا فيلياس أكثر استقرارًا بكثير.
كان يقول أنه وُلد ونشأ من أجل الحرب، لكن لا أحد يمكنه أن يعتاد هذا النوع من العنف تمامًا.
“هل ما زلتَ ترى كوابيس هذه الأيام؟”
لم يفاجئه السؤال المفاجئ كثيرًا.
“أحيانًا….لكن لا بأس. عندما أفتح عينيّ، أجدكِ إلى جانبي.”
مرت يدٌ خفيفة على جبينها، ثم أبعد خصلات شعرها.
“ألم تكن خائفًا؟ في ساحة المعركة.”
“تظاهرتُ بعكس ذلك….لكن العبء كان ثقيلًا. لو متُّ….لانهار هذا البلد حتمًا. لكن ما جعل الموت مخيفًا حقًا….كان بعد أن التقيتُ بكِ.”
“لأنني كدتُ أقفز في القناة الكبرى؟”
أومأ فيلياس برأسه.
“مجرد التفكير بأن هذا الشخص اللطيف….ربما اختفى إلى الأبد من على هذه الأرض….كان مرعبًا.”
“…….”
“لكن منذ ذلك الحين، صار لحياتي بعض….المعنى. حتى وأنا في ساحة المعركة….كنتُ أشعر أن هناك شيئًا ذا قيمة….أنني أحميكِ.”
فأمسكت فانيسا بيده.
“هل قلتُ أنني أحبكَ؟”
“قوليها أكثر.”
لكن قبل أن تنطق، أطبقت شفاهه على فمها.
ومن بين رموشها المرتجفة، رفعت فانيسا نظرها إلى السماء، كأن النجوم ستنهال منها.
كانت ليلةً حلوة.
____________________
معليكم
المهم كل ماتذكرت تنه حبها وهو يشوفها بغت تفطس اضحك لأنه مجنون بس الحين طلع هايف من العالم بدونها😔😔😔😔😔
المهم اطالب برسمه له بعد ماتغير الغلاف توه المريض النفسي (للحين) يوم في ارض صيد اليكسي ذاك
التعليقات لهذا الفصل " 135"