لوّح فيلياس بيديه بسرعةٍ وهو ينظر نحو الفرقة الموسيقية، فاستعاد قائد الفرقة وعيه أخيرًا وبدأ العزف.
لم يكن بين المدعوين وجهٌ واحدٌ لا تعرفه فانيسا. كانوا جميعًا أشخاصًا تحبهم ويبادلونها المحبة. ومع ذلك، لم يكن التوتر أمرًا يمكن تجنبه.
رفعت نظرها قليلًا نحو فيلياس، فابتسم لها وهو يحدّق فيها.
“هل أنتَ بخير؟”
همست فانيسا بالسؤال، فهَمَس فيلياس بدوره مجيبًا.
“كل شيءٍ على ما يرام.”
شدّ على يد فانيسا بقوة. وعندها، شعرت وكأن كل شيءٍ صار بخير فعلًا.
بل ربما….لم يعد لأي شيءٍ آخر أهميةٌ سوى هذا الشخص الواقف أمام عينيها الآن….
داهمها شعورٌ أحمق كهذا.
أليس هذا هو الحب في نهاية المطاف؟
فكرت فانيسا. فأمسكت يد فيلياس بكلتا يديها.
وهكذا، في النهاية، كان كل شيءٍ بخير.
***
كانت كلوديا، التي التقوها في قاعة الوليمة، محمرة الوجه من فرط الحماسة.
“ستبقين في القلعة فترةً من الزمن، أليس كذلك يا كلوديا؟”
“بالطبع. سأنتظر هنا حتى تعودا من رحلتكما.”
تنهدت كلوديا بسعادةٍ وهي تستند إلى كتف كيل.
“لا تتصورين كم يسعدني أن أراكِ هكذا.”
“كل هذا بفضلكِ يا كلوديا. آه، ماريا، هل سمعتِ أي أخبارٍ عن بيدرو؟”
ابتسمت ماريا، التي بدت مترددةً وكأنها غير معتادةٍ على ارتداء الفستان، بابتسامةٍ ماكرة ردًا على سؤال فانيسا.
“يبدو أنه نال أمنيته بالسباحة في مياه أوسع. لقد نُقل إلى سجن أكبر.”
“يا للمسكين.”
“بل هذا أفضل له. سيقضي أعمال ما بعد الظهر مع فرانسيسكا. رغم أن المعنيّين بالأمر لم يبدوا سعداء كثيرًا.”
حضرت عائلة ميدو بأكملها أيضًا. وكانت ليرا متلهفةً للحديث عن حياتها الجديدة في الأكاديمية.
“كنتُ غير لبقة، أليس كذلك؟ في يومٍ كهذا، لا بد أنكِ لا ترغبين في سماع حديثٍ عن العمل….”
احمرّ وجه ليرا خجلًا.
“أبدًا. سماعي للأمر منكِ مباشرةً يبعث على الاطمئنان. قريبًا ستفتح مؤسساتٌ تعليم عليا أخرى أبوابها في أشوكا أيضًا. أرجو أن تمدّينا بنصائحكِ حينها.”
“اتركي الأمر لي!”
و تلألأت عينا ليرا حماسة.
أما بقية الضيوف كانوا جميعًا يهنئونهم بفرح.
وفي قاعة الوليمة حضر أيضًا بعض الوجوه غير المتوقعة، ومن بينهم بولينا وابنها داميان موروزوف.
“قد لا تعرفين كيف يبدو هذا الكلام، لكنني أشعر براحةٍ كبيرة.”
قالت بولينا ذلك مبتسمة ابتسامةً بالغة الأناقة.
“راحة؟”
“لأن الدوقية الكبرى وماركيزية موروزوف تربطهما علاقةٌ تعاون قديمة. صحيحٌ أن صاحب السمو الدوق كان شخصًا صعب المعشر، لكن الدوقة….أعتقد أننا قد نصبح صديقتين جيدتين.”
صديقتين جيدتين.
‘رغم أنني حطّمت رأس شقيقها بالفأس.’
لكن بولينا لا بد أنها تعرف أيضًا. أن أليكسي فاليندوف كان وحشًا صنعته الحرب.
وفي زمن السلام هذا، لم يكن شخصًا ينسجم مع العصر.
“حسنًا، بما أن سيدة الماركيز تتحدث بهذه الصراحة….”
نظرت فانيسا إلى الطفل الأشقر المحمول بين ذراعي المربية.
هل كان في الثالثة أو الرابعة من عمره؟ كان يملك شعراً أشقر لامع، وعينان بلون الرماد.
حتى تعابير وجهه الحساسة كانت توحي، بلا مجال للشك، بشبه شخصٍ ما.
“هل….أنتِ واثقة؟ أعني….أن الأمير الصغير….”
“تقصدين أنه يشبه تمامًا صاحب السمو الأمير كونراد، أليس كذلك؟”
سألت بولينا بهدوءٍ وهي تبتسم بعينيها.
“داميان موروزوف شرعيٌ من كل النواحي. مظهره هو ما يوقع الناس في سوء الفهم لا أكثر.”
“صاحب السمو كونراد، للأسف، غير قادرٍ جسديًا على إنجاب وريث.”
تدخّل أوسكار فجأة.
‘ماذا؟’
و وضعت فانيسا يدها على فمها دون وعي.
“هذه….أول مرةٍ أسمع بذلك.”
“ليس حديثًا يليق تداوله أمام السيدات، لكن سجله حافلٌ نوعًا ما، أليس كذلك؟ أجرينا تحقيقًا على مستوى العائلة. وكما تعلمين….لم يكن شخصًا دقيقًا إلى هذا الحد.”
“آه….”
كانت معلوماتٍ تريد معرفتها، لكنها تتمنى في الوقت نفسه لو لم تعرفها.
“على أي حال، آمل أن تدركي أن فاليندوف سيواصل فعل أي عملٍ قذر من أجل الإمبراطورية دون تردد.”
ضحك أوسكار.
وفي مكانٍ قريب، انفجر سوريل بالضحك وهو يحتسي الجعة مع جوليان، ووجهه محمرٌ من شدة الثمالة.
كان قد رفض بإصرارٍ الإقطاعية واللقب الكونتي اللذين مُنحا له مؤخرًا، واختار التوجه إلى العاصمة.
قال أنه ربما تأخر، لكنه يرغب أخيرًا في الالتحاق بالجامعة واختبار إمكاناته.
جلست فانيسا باسترخاءٍ وألقت نظرةً على قاعة الوليمة.
كان البارون سيري ومايسون وإليسيا حاضرين، كما كانت أغنيس وإرفين يتبادلان الحديث في مكانٍ قريب.
بدا الجميع وكأنهم يقضون وقتًا ممتعًا. باستثناء شان.
“شان، ما بالكَ؟ لماذا تبدو هكذا؟”
“لأنني رفضتُ طلب المساعد للخروج في موعد.”
أجابت بدلًا منه نيكولا. و قد كان فستانها الأخضر المنعش يليق بها على نحوٍ لافت.
“لماذا؟ ألم تقولي أن المستشار لا يبدو شخصًا سيئًا؟”
على سؤال فانيسا، هزّت نيكولا رأسها برفق.
“كونه ليس شخصًا سيئًا لا يعني أن عليّ الخروج معه في موعد، أليس كذلك؟”
“مباركٌ لكِ، آنسة لانغ. أم هل ينبغي أن أناديكِ الآن بالدوقة الكبرى؟”
قال فريدريش ذلك بنبرةٍ مريرة.
“تقول ذلك الآن؟ نحن أشبه بالعائلة، أليس كذلك؟”
“….عائلة؟”
“نعم. فجلالتك أصبحت عمليًا ابن أخي بالقانون.”
كانت فانيسا تقولها على سبيل المزاح إلى حدٍ ما، لكن فريدريش بدا وكأنه تلقى ضربةً مباشرة على رأسه.
“أنا….أ-أعني….آه، هناك، أنتَ. هل هذا فودكا؟ أعطني إياها.”
انتزع فريدريش زجاجة الفودكا من يد الخادم وجرعها دفعةً واحدة.
“هاه….سأذهب.…، أمم….على أي حال، كوني سعيدة.”
ثم نهض وغادر قاعة الوليمة مترنحًا. فنظرت فانيسا إلى ظهره وهو يبتعد وابتسمت بخفة.
رغم كلماته تلك، كانت تعلم أنه أصبح أصلب بكثيرٍ مما كان عليه في حياته السابقة.
كان انتهازيًا مزعجًا، لكنه في الوقت نفسه سياسيًا بارعًا.
لن يحاول بعد الآن التخلي عن حياته. وسرعان ما سيصعد إلى العرش، ويبذل جهده لقيادة الإمبراطورية نحو مستقبلٍ أفضل.
“زوجتي.”
استدارت عند إحساسها بيدٍ تطوق كتفيها، فوجدت فيلياس واقفًا وهو يحمل كأس شامبانيا.
“ألستِ متعبة؟”
“لا بأس.”
لا، صححت فانيسا.
“أنا سعيدةٌ جدًا.”
فتلونت أطراف عيني فيلياس بحمرةٍ خفيفة.
“يبدو أنني عشتُ طوال حياتي من أجل هذه اللحظة.”
ثم مدّت فانيسا يدها ولمست وجهه برفق.
“وهذه اللحظة ستكون أبدية.”
***
بعد خمسة عشر يومًا من الزفاف، كان الاثنان قد وصلا إلى مدينة فيشو الساحلية.
تقع فيشو في الجنوب الغربي من العاصمة، وهي إحدى أشهر مصايف الإمبراطورية، وتتميز على مدار العام بطقسٍ معتدل، وبحر صافٍ، وشواطئ رملية بيضاء، وغاباتٍ كثيفة منعشة.
وكانت تضم منطقةً تجارية فاخرة تقوم على صناعة النبيذ، إضافة إلى عددٍ لا يحصى من المعالم المخصصة للسياح.
وليس مبالغةً القول أن أي نبيلٍ أو ثريٍ في الإمبراطورية يملك في هذا المكان فيلا واحدة على الأقل.
وبدلًا من الفيلا الإمبراطورية الواقعة خارج المركز، اختار الاثنان الإقامة في قصرٍ حجري كلاسيكي من طابقين يقع على الساحل.
“باسمكَ؟”
سألت فانيسا وهي تنزل من العربة، فأومأ فيلياس برأسه ممسكًا بيدها.
“ويمكن اعتباره باسمكِ أيضًا. فمن الناحية القانونية، كل ما أملكه أصبح ملككِ الآن.”
“إنه مكانٌ جميلٌ للغاية. لكن، أمم….”
“هل كنتِ تفضلين مكانًا أكبر وأكثر فخامة؟ لا يزال بإمكاننا نقل الأمتعة إلى القصر الصيفي الإمبراطوري.”
“لا، ليس هذا.”
ابتسمت فانيسا وهي تنظر إلى فيلياس بملامحه المتوترة.
“أنا معجبةٌ بهذا المكان حقًا. ما أعنيه هو: متى اشتريتَ هذا؟ لا أظن أنكَ جئتَ في إجازةً إلى الجنوب الغربي بمفردكَ.”
“آه.”
عندها فقط بدا أن فيلياس اطمأن، وارتسمت على شفتيه ابتسامة.
“في الواقع، اشتريته في ربيع العام قبل الماضي. أردتُ أن أقدمه لكِ هدية.”
“….ماذا قلتَ؟”
“أعلم أنني كنتُ متسرعًا. لكنكِ حينها كنتِ بلا مأوى.…، ولحسن الحظ أنكِ قبلتِ عرضي.”
“عرضكَ….تقصد سند القرض ذاك؟”
“بالضبط. ظننتُ أنه إن ازددنا قربًا قليلًا، فقد تقبلين هديةً بهذا الحجم. لم أتخيل أبدًا أننا سنأتي إلى هنا معًا هكذا.”
“إذًا فهذا كان بعد لقائنا مباشرة.”
“نعم.”
“لم تكن قد أريتني وجهكَ بعد، ومع ذلك فكرتَ فجأة في إهدائي فيلا؟”
“نـ-نعم….”
أمال فيلياس رأسه بتردد. بدا غير واثقٍ مما إذا كانت فانيسا قد انزعجت.
فحبست فانيسا ضحكتها وسألته.
“ولماذا لم تخبرني مسبقًا؟”
“أمم….لأن ذلك كان سيبدو….مريبًا بعض الشيء.…؟”
_________________
حلووو صار يفكر اذا الشي مريب ولا لا😭😭😭
فريدريش المسكين جاه اقوى كف يوم قالت فانيسا انت ولد اخوي😂😂😂😂
التعليقات لهذا الفصل " 134"