الآن فقط، بعد أن انتهى كل شيء، صار بالإمكان الحديث عنه بابتسامة، لكن ما ارتكبه فيلياس كان في الحقيقة محاولة أخذٍ للعرش بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وكذلك كان استفزازه لسايروس.
لو لم تختفِ السلطة في الوقت المناسب، ولو لم يكن الناجي هو الأمير الرابع لسايروس، لتضخمت الأمور إلى حد لا يمكن السيطرة عليه.
ولما انتهى الأمر عند مقتل ملك أو أمير أو اثنين فحسب.
كان هناك بالفعل من يراقب بقلق: هل ستشتد لعبة شدّ الحبال بين الشرق والوسط؟ هل يمكن أن تندلع حربٌ أهلية الآن، في وقت بدأت فيه الأوضاع خارج البلاد تستقر؟
ولطمأنة شعب الإمبراطورية، كان لا بد من إظهار أن علاقة التعاون بين الشرق والعائلة الإمبراطورية ما تزال راسخة.
ولو حضر الإمبراطور بنفسه وأشرف على مراسم الزواج، لكان ذلك أفضل ما يمكن.
“لكن إن لم يتيسر ذلك….فسنحتاج على الأقل إلى إقامة حفلٍ فخم، نُظهر فيه أننا لا نراعي أحدًا ولا نخشى نظرات أحد.”
وأبسط وسيلةٍ لذلك أن ترتدي دوقة المستقبل فستانًا باهظ الثمن يفتح الأفواه دهشة.
قد يكون من المحزن أن يُستغل حتى فستان الزفاف سياسيًا، لكن زواج النبلاء في العادة يسير على هذا النحو.
طَقّ طَقّ-
“هل يمكنني الدخول لحظة؟ أنا هيرمان.”
“تفضل.”
دخل هيرمان الغرفة، ألقى نظرةً جانبية على أنيت، ثم سأل فانيسا،
“هل تصرّفت هذه الفتاة بوقاحةٍ معكِ يا آنستي؟”
“آه، هيرمان! أهذا ما يُقال للأخت الصغرى التي تراها بعد طول غياب؟!”
احتجّت أنيت وهي تدقّ بقدمها غاضبة، فضحكت نيكولا بخفة.
“لا داعي لهذا القلق يا هيرمان. لكن ما الأمر؟”
سألت فانيسا، فأومأ هيرمان برأسه.
“لدي رسالةٌ من الدوق الأكبر. جلالة الإمبراطور قال أنه سيحضر حفل الزفاف بكل سرور. وإن لزم الأمر، فسيشرف على المراسم بنفسه، وسيقدّم ما يستطيع من دعم، وأضاف….”
تردد هيرمان قليلًا قبل أن يكمل،
“وأضاف أنه لم يلجأ إطلاقًا إلى التهديد أو الإكراه، وأنه لم يعد هناك أي ضغينةٍ بين الإخوة….هكذا طلب أن أنقل كلامه.”
“همم.”
“حقًا.”
قال فيلياس ذلك وهو يطلّ برأسه من بين شق الباب. و كان تعبيره جادًا على غير عادته.
“حسنًا، سأغضّ الطرف عنكَ لأنكَ لطيف.”
وانفجرت فانيسا ضاحكة.
***
وهكذا مرّ الوقت سريعًا، وفي صباح يوم الزفاف، جاء فيلياس ليختطف العروس.
“قلتُ لكَ منذ البداية أن تخبرني إن كنتَ لا تريد فعل ذلك.”
“لكن لو فعلتُ، لما تمكنتُ من رؤية مظهركِ بفستان الزفاف.”
ومدّ فيلياس باقة الزهور التي كان يحملها. كانت من زهرة القنطريون الزرقاء الزاهية.
فالتقطتها فانيسا وكأنها تخطفها، وابتسمت.
“على كل حال….الفستان يليق بكِ كثيرًا.”
“حقًا؟”
“نعم، تبدين تمامًا كجنيّةٍ من الغابة.”
نظرت فانيسا إلى نفسها من جديد.
كان فستانًا شفافًا وخفيف الإحساس، يليق بزفافٍ صيفي. وبالطبع، كان ثمن القماش وحده كافيًا لإدرار الدموع، لكن من يعرف قيمته حقًا هم قلة.
شعرت بظلّ ينسدل فوقها، فرفعت رأسها لتجد فيلياس قد اقترب منها، يحدّق فيها بعينين شاردتين قليلًا.
ثم سأل،
“هل سيكون خلعه سهلًا؟”
“….لن تكون أنتَ من يخلعه. سأبدّل الفستان مباشرةً بعد المراسم.”
أجابت فانيسا متظاهرةً بالهدوء، فألقى فيلياس نظرةً خاطفة على ساعة الحائط.
“يبدو أن لدينا بعض الوقت قبل بدء الحفل.”
“لا تحلم.”
“لم تسمعي الكلام حتى النهاية.”
“لا داعي، فهو واضحٌ تمامًا.”
فاتخذ فيلياس تعبيرًا حزينًا مصطنعًا.
“يمكنني أن أكون مطيعًا أيضًا….”
‘….لطيف.’
لكن فانيسا تماسكت وهزّت رأسها بحزم.
“ممنوع. عروسكَ تحتاج إلى الحفاظ على لياقتها.”
بغضّ النظر عن أن المكياج الذي بذلت نيكولا جهدًا كبيرًا فيه سيفسد، لا يمكنها أصلًا أن تدخل قاعة الزفاف مترنحة.
ثم إن عبارة “عروسكَ” كانت فعّالةً على نحوٍ مدهش.
“إذًا….”
ركع فيلياس أمام فانيسا وأمسك كاحلها بخفة.
“هل القبلة مسموحة؟”
“بهذا القدر لا بأس….آه، لكن الشفاه لا. أحمر الشفاه سيسيل.”
“الشفاه ممنوعةٌ إذاً.”
فأمسك فيلياس بوجهها وقبّل وجنتيها.
وبينما تنظر إليه بارتباك، همس بصوتٍ حلو،
“الأوامر يجب أن تكون دائمًا دقيقة، يا حبيبتي.”
***
“آسف.”
“…….”
“فانيسا.”
“….لنتحدث بعد أن ينتهي كل شيء.”
كان الاثنان يصعدان الدرج المؤدي إلى المبنى الرئيسي للقلعة.
وهمست فانيسا، بحيث لا تسمعها الخادمة التي كانت تمسك بالطرحة.
كان يقبّلها في سائر وجهها ماعدا الشفتين لوقتٍ طويلٍ بحق. العزاء الوحيد أن المكياج لم يفسد ولو قليلًا.
ففيلياس لم يلمس شفتيها فعلًا. الشفاه، على وجه التحديد.
“….لا أعلم إن كان هذا يهمكَ، لكن بحسب التقليد، ستنتظر هناك في الداخل أولًا، وأنا أدخل لاحقًا.”
قالت فانيسا ذلك وهي تومئ بعينيها نحو الممر المؤدي إلى قاعة الزفاف، فأومأ فيلياس برأسه.
“إذًا ستحظين أنتِ بالاهتمام الأكبر.”
“لهذا أقول. أنا لا يهمني الأمر، لكن هل أنتَ بخيرٍ مع ذلك؟ ما إن يُفتح الباب ستتجه الأنظار إليكَ. وأنت لا تحب أن يحدّق الناس بكَ.”
“على أي حال، ما إن يُفتح الباب ثانيةً سيحدّق الجميع بكِ وحدكِ. لا أقول أنني أحب ذلك، لكن من غير المنطقي أن أتمنى ألا ينظروا إليكِ وأنتِ تمرّين أمام الحشد بهذا المظهر.”
فرفعت فانيسا رأسها وقد بدت عاجزةً عن الرد.
مرّ عامان كاملان منذ أن التقت به. لا تدري كيف حدث ذلك، لكن ملامحه خلال هذه المدة ازدادت نضجًا.
أصبحت خطوط وجهه أوضح، وجسده أكثر امتلاءً. وعندما يبتسم لها وهو ينظر إليها بهذه الطريقة، كان يشيع جوًّا ينطوي على شيءٍ من الخطورة الخفية.
وفوق ذلك، وهو مرتدٍ زيّ الاحتفال المفصّل بإتقان، كان فيلياس حقًا….
‘أن تخطر لي مثل هذه الأفكار الآن أيضًا أمرٌ طريف.’
فتنهدت فانيسا بخفة.
“….تعرف، أليس كذلك؟”
“ماذا تقصدين؟”
“أنكَ….لافتٌ للنظر جدًا.”
هزّ فيلياس كتفيه.
“وجهي، من الناحية الجمالية، ليس سيئًا للنظر.”
“همم….طريقة تعبيرٍ مميزة.”
“لكن ذلك في النهاية لأنني وُلدتُ بجيناتٍ جيدة. أصحاب السلطة في الإمبراطورية كانوا يسهل عليهم الظفر بأزواجٍ حسني المظهر، وبالتالي فإن نسلهم بطبيعة الحال….”
“….ما الذي تحاول قوله؟”
“صحيحٌ أن لدي مظهرًا لافتًا، لكنه مجرد قشرة. يكفي أن يتبادل الناس معي كلمتين حتى لا يحاولوا الاقتراب مني أصلًا.”
“أعترفُ بذلك….”
“أما أنتِ، فلا يقتصر أمركِ على المظهر، بل أنتِ شخصٌ يشعّ بذاته. يظهر ذلك في تعابيركِ ونبرة كلامكِ. كم أنتِ شجاعة، وكم أنتِ متروّية.”
“هاها، كلامٌ جميل فعلًا. لكنه يفتقر قليلًا إلى الموضوعية بما أنكَ أنتَ من يقوله.”
“لا أظن أن في الإمبراطورية من هو أكثر موضوعيةً مني.”
“لكنّكَ حبيبي، أليس كذلك؟”
“…….”
“فيلياس؟”
ظلّ ينظر إلى فانيسا شاردًا للحظة، ثم فتح فمه.
“نعم….لا، صحيح….لكن حين قلتِ ذلك تذكّرت….أنه بعد أن….نفعل هذا….”
وبقوله “هذا”، أشار إلى الباب المؤدي وحده إلى الداخل.
“سأصبح زوجكِ….أليس كذلك؟”
“….نعم؟ هذا أصلًا سبب الزواج، أليس كذلك؟”
“وعندها تصبحين أنتِ….لي….أحم….أعني….”
“……؟”
“آه…….”
“زوجة؟”
كان وجه فيلياس كمن تلقّى رصاصة.
“….أشعر بالدوار.”
“هل أنتَ بخير؟!”
“أشعر أنني سيغمى عليّ.”
“إيّاكَ أن تفعل!”
وفي اللحظة التي أمسكت فيها فانيسا بوجهه مذعورة،
ابتسم فيلياس ابتسامةً عريضة ثم طبع قبلةً على شفتيها.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة.
“….يا إلهي.”
رمشت كلوديا، الجالسة في الصف الأمامي، بعينيها حين رأت الاثنين.
“أحم أحم.”
و تنحنح الإمبراطور، وعندها فقط نهض الحضور جميعًا على عجل ليؤدوا التحية.
“فيلياس، ابتعد.”
“لا أريد.”
“….أتريد أن تعاقَب؟”
“ألا يمكنكِ فعل ذلك من فضلكِ؟”
“أنا جادّةٌ الآن.”
عندها فقط أفلت فيلياس فانيسا.
______________________
المصروع للحين يبيها تعاقبه😭😭😭😭
ويوم قال بيغمى علي؟؟ عشانها قالت بصير زوجتك😭😭😭😭
المهم ادري انه محتم الجنون بس حنون يوم قعد يبوسها في وجهها عشان مايخرب المكياج🤏🏻
التعليقات لهذا الفصل " 133"