كان فيلياس جالسًا على نافذة الطابق الثاني، يبتسم ابتسامةً مشرقة.
“أقوم بخطف العروس.”
….نعم، في حفل زفافكَ أنتَ؟ و عروسكَ أنتَ؟
***
مرّ عامٌ كامل منذ حريق القصر الإمبراطوري. وقد عاد الاثنان إلى القلعة وشرعا على عجل في التحضير للزفاف.
بصراحة، لم تكن فانيسا ترغب في احتفالٍ صاخب. لذلك قررا إقامة مراسم بسيطة، لكن حتى ذلك لم يخلُ من الصعوبات.
وأولها كان المكان.
“عادةً ما يقيم أفراد العائلة الإمبراطورية حفلات الزفاف في القصر، أليس كذلك؟”
سألت فانيسا وهي ترتشف القهوة على طاولةٍ خارجية في مقهى مطلٍ على البحر.
و أومأ فيلياس برأسه.
“يبدو أن العائلة الإمبراطورية تسمي ذلك امتيازًا. لكن كما تعلمين، بسبب حادثةٍ صغيرة….غير لائقة وقعت العام الماضي، سُحِب مني ذلك الحق.”
“حادثةٌ صغيرة” “غير لائقة”.
“تقصد الحادثة التي اقتحمتَ فيها القصر الإمبراطوري وهددتَ جلالة الإمبراطور بالتخلي عن العرش؟”
“نعم، هذا صحيح.”
تنحنح فيلياس بخفة.
“لكن بما أننا لا نحب العاصمة كثيرًا….”
“من قال ذلك؟”
سألته فانيسا بنبرةٍ ماكرة.
“في الحقيقة أنا أشعر ببعض الأسف. كانت فرصةً لإقامة حفل زفافٍ في القصر الإمبراطوري.”
“…….”
نظر إليها فيلياس بوجهٍ مصدوم للحظة، ثم نهض من مكانه وأمسك بمعطفه.
“سأذهب قليلًا.”
“إلى أين؟”
“إلى العاصمة….ظهر أمرٌ طارئ. سأعود….بسرعة.”
“اجلس.”
“لن يستغرق الأمر سوى لحظة.”
“تنوي تهديد شخصٍ آخر مجددًا، أليس كذلك؟!”
“بل محادثة….مجرد محادثة.”
“ومن يصدق ذلك! كنتُ أمزح، مجرد مزحة!”
“آه.”
فجلس فيلياس مجددًا. ومع تنفّس فانيسا الصعداء، ابتسم لها ابتسامةً مشرقة.
“أنا هكذا كما ترين.”
وعندها لم تستطع فانيسا إلا أن تضحك معه.
هل لأن الحرب انتهت؟ خلال عامٍ واحد فقط أصبح فيلياس أكثر ليونةً بشكلٍ ملحوظ.
صحيحٌ أن الصدمة التي لاحقته طيلة حياته لا يمكن أن تختفي بين ليلةٍ وضحاها، لكنه بدا في الآونة الأخيرة أكثر استقرارًا.
وفي هذه الأيام، حتى مع غير فانيسا، بدا أقل حدّةً بقليل.
“آه، سيدي الدوق، آنسة، مرحبًا! الطقس جميلٌ حقًا اليوم!”
حتى عندما يخاطبه صاحب المقهى فجأة،
“…….”
كان يكتفي بتجاهله تمامًا، دون إطلاق كلماتٍ لاذعة أو تهديده بالكفّ عن الحديث.
“إنه لأمر مؤثرٌ حقًا.”
قالت فانيسا ذلك وهي تلوّح بيدها لصاحب المقهى.
“بِمَ تقصدين؟”
“لم أتخيل يومًا أن دوقي الكئيب سيصبح شخصًا اجتماعيًا إلى هذا الحد.”
“….هاها.”
وعندما تذكرت فيلياس في حياته السابقة، بدا الأمر أكثر غرابة.
طوال تلك السنوات الطويلة لم يستطع نسيان فانيسا، ومع ذلك لم يجرؤ حتى على توجيه كلمةٍ واحدة لها.
صحيحٌ أن فانيسا آنذاك كانت أشد حدّةً وسخريةً مما هي عليه الآن، ولعل ذلك ما جعلها تعجز عن توقّع تلك النهاية البديهية، فتتزوج كونراد.
بعد عودتهما مباشرةً إلى أشوكا، أخبرت فيلياس بكل شيء: حياتها السابقة، موتها، ولقاءها مع ريمون.
لم يُبدِ فيلياس دهشةً كبيرة كما توقعت. كل ما فعله هو أن حزن لأجل الألم الذي عانته.
“على أي حال، لم تكن لديّ أوهامٌ عن الزواج من الأساس. لقد جرّبته مرةً من قبل.”
قالت فانيسا ذلك، فمدّ فيلياس ذراعه فوق طاولة المقهى وأمسك بيدها.
“أعلم أن لديكِ….ذكرياتٍ غير جيدة. لكنها مجرد ذكريات، وليست واقعًا، أليس كذلك؟”
“هذا….صحيح؟”
“لقد متِّ، وأُعيد نسج الزمن من جديد. بما أن ذلك لم يحدث في هذا الواقع، فحتى لو بقيت الذكريات، فهي ليست ذكرياتكِ الحقيقية.”
“عندما تضع الأمر بهذه الطريقة….يبدو كذلك….”
“وفوق كل شيء….الأهم هو ما سيأتي لاحقًا. ودهذا الواقع الذي تمسكين فيه بيدي الآن أمام عيني.”
همس بذلك وقبّل أطراف أصابع فانيسا. فاحمرّ وجهها من جديد.
“أ-على أي حال، إذاً تم اختيار القلعة كمكانٍ للزفاف، صحيح؟”
ابتسم فيلياس لها كما لو كان يجدها محبوبةً إلى حد لا يُحتمل.
“أي مكانٍ يريح قلبكِ، فهو مناسب.”
“همم، همم، إذاً التالي….علينا أن نجد من يشهد على المراسم.”
في الظروف العادية، كانوا سيطلبون من حاكم الإقليم أن يتولى الإشهاد، لكن بما أن الحاكم نفسه كان أحد طرفي الزواج، لم يكن ذلك ممكنًا.
كما أن عدم وجود سابقةٍ تاريخية لزواج أحد أفراد العائلة الإمبراطورية في الشرق كانت مشكلةً أخرى.
لم يكن للإمبراطورية دينٌ رسمي معترفٌ به، لكنها كانت تضم كهنةً يخدمون المعابد القديمة.
تقليديًا، كانت زيجات النبلاء التي تُقام في العاصمة تُعقد بحضور كهنة رفيعي المستوى. غير أن استدعاء الكهنة إلى الشرق لم يخلُ من الاحتكاكات منذ البداية.
قيل أن موقفهم تغيّر بشكل مريب بعد زوال سلطة العائلة الإمبراطورية. فبعد أن عوملوا طويلًا كمهمّشين، لا بد أنهم رأوا في هذا الاضطراب السياسي فرصةً لتوسيع نفوذهم.
حاول فيلياس، ما أمكنه، تلبية جميع مطالبهم، لكن من افتعل المشكلة على نحوٍ غير متوقع كان شان.
“تبرعات؟ أي تبرعاتٍ هذه! هل تظنون أننا نحفر الأرض ونبيعها؟ أيها الطفيليون الذين لا يعرفون سوى الضرائب!!”
هكذا، قيل أنه قال ذلك حرفيًا. وبناءً على ذلك، رفض الكهنة القدوم إلى الشرق. ولم يتبقَّ في النهاية سوى الوالدان أو كبار العائلة.
وبالصدفة، كان كلٌ من العريس والعروس بلا والدين، وهكذا أصبح آخر ملاذ يمكن أن يدعواه هو….الإمبراطور.
كانا قد أرسلا رسالةً رسميةً بكل لباقة، لكن الرد لم يصل بعد.
“منذ حادثة ’سلّم العرش‘، لم تتح لكما فرصة لإجراء محادثةٍ حقيقية، أليس كذلك؟ مع جلالة الإمبراطور.”
“في الحقيقة، قبل مغادرتي العاصمة تبادلنا….تحيةً قصيرة. قال لي: لا تُظهر وجهكَ لفترة، أيها الوغد عديم الأدب.”
“….لقد قطعتَ شوطًا طويلًا.”
ثم اتجها معًا نحو الحي التجاري. وقد كان الأمن في أشوكا أفضل من أي وقت مضى.
بدأ العمل في إنشاء سكة حديدية تعبر منطقة الفيضانات، وكان لا بد من حشد عددٍ كبير من العمال لردم المستنقعات وتسوية الأرض.
وبما أن فيلياس لم يعد قادرًا على استخدام سلطة ريمون، فقد امتدّت مدة الأشغال أكثر مما كان متوقعًا في البداية.
لكن كان لذلك جانبٌ إيجابي أيضًا. فقد أدت كثرة فرص العمل إلى انتعاش اقتصاد الشرق بشكلٍ كبير.
ومع تدفق الناس، اتسعت أشوكا أكثر، وظهرت مستوطناتٌ جديدة في محيطها.
كما أُعيد إعمار لوكت بسرعة. ووفقًا للتقارير الدورية التي كانت كلٌ من كلوديا وماريا ترسلانها، كانت القرية الجديدة المخصصة لاستيعاب جميع المهاجرين من جزر القراصنة توشك على الاكتمال.
لم يعد الشرق أرضًا قاحلة يعيث فيها اللصوص فسادًا، بل أصبح أرضًا للفرص الجديدة.
“الطقس مناسبٌ للإبحار.”
قالت فانيسا ذلك وهي ترفع يدها لتشعر بالنسيم المنعش.
و كان فيلياس ينظر إليها طوال الوقت بعينين كأنهما تحدقان في أسمى ما في هذا العالم.
في وقتٍ ما، كانت تلك النظرة الأسيرة تبعث في نفسها الخوف. لكن الأمر الآن كان مختلفًا.
لا يزال مهووسًا بها، لكنه كان صادقًا معها تمام الصدق. و لم يعد أيٌّ منهما يخفي أسرارًا مظلمةً عن الآخر.
وهي واقفةٌ تحت أشعة الشمس، تمسك بيده وتواجهه، شعرت فانيسا بسلامٍ لم تشعر به من قبل.
“لكن….هل هذا حقًا مناسب؟ مهما اقتصر الحضور على المقربين، فالزفاف يظل زفافًا. سيكون هناك عددٌ كبيرٌ من الناس.”
عند سؤال فانيسا، ضحك فيلياس بخفة.
“الآخرون لا يهمونني. الأهم أنني….أريد أن أشارككِ كل شيء.”
ثم قبّل جبينها. فاحمرّ وجهها فجأة، و تظاهرت بالسعال دون داعٍ.
“يا له من شباب، حقًا.”
“….تقولين هذا في كل مرة تشعرين فيها بالحرج.”
“أ-أهم! هيا، لنسرع.”
***
ما إن عادا إلى القلعة حتى اندفعت نيكولا وخطفت فانيسا من بين ذراعي فيلياس.
التعليقات لهذا الفصل " 132"