كان الإمبراطور يسير ذهابًا وإيابًا أمام العرش الموضوع في قاعة الاستقبال، غارقًا في أفكاره.
قبل قليل، أفاد قائد الحرس الإمبراطوري بأن البوابة الأمامية قد اختُرقت.
لكن القوّة التي فجّرت المتفجرات واقتحمت لم تكن قوات الدوقية الكبرى، بل جنود فالندورف الخاصين.
كما تأكّد هو نفسه من اختفاء السلطة. ومع انهيار نظامٍ دام طويلًا، ربما كان من الطبيعي أن يترصّد الطامحون فرصةً جديدة.
كمن أطلق النار على قائد الحرس الذي فتح له الباب واقتحم المكان، باستيّان مثلًا.
“ومن تلوم يا أرتور؟ ما دام هذا قد حدث في عهدكَ، فلا بد أنك نلتَ سخط السماء.”
قال باستيّان ذلك وهو يبتسم ابتسامةً جانبية. فتنهد الإمبراطور.
لقد حاول طوال الوقت أن يبذل قصارى جهده في التكيّف مع الواقع….لكن ربما لم يكن كل ذلك سوى أعذار. وربما لم يكن سوى مترددٍ عاجز عن الحسم.
“هل تظن أنكَ قادرٌ على صدّ جنود فالندورف، يا باستيّان؟ قتل الإمبراطور وحده لا يجعل منكَ متخذاً للعرش.”
“ما زلتَ تعظ حتى النهاية.”
نقر باستيّان بلسانه.
“سأستغل هذه الفوضى، أقتلكَ، ثم أختفي فورًا. وبعد أن تنتهي هذه المعمعة، أعود لأطالب بحقي الشرعي.”
“حقكَ الشرعي؟”
“نعم، لأنني رأيتُ قبل قليلٍ دوق فالندورف متجهًا إلى قصر وليّ العهد. يبدو أنه قرر التخلص من الإزعاج أولًا. إنه أذكى مما يبدو. حسنًا، بفضله صار الأمر أسهل عليّ.…”
قال باستيّان ذلك بتبجّح، ثم وجّه فوهة مسدسه إلى صدر الإمبراطور.
“والآن إذًا.…”
ارتعش-
وفي تلك اللحظة قبض على صدره.
كحّ، فانفجر الدم مع دخان أسود من فمه.
“أووه….ما….ما هذا.…؟”
اتجه نظر الإمبراطور إلى خلف ظهر باستيّان.
“ليون.”
تبادل فيلياس النظر بين الرجلين لحظة، ثم رفع رأسه ونظر إلى العرش الفارغ.
“كنتُ أنوي أن أقدّم ذاك هدية.”
“ماذا.…؟”
تفّ-
تقيّأ باستيّان الدم مرةً أخرى، ثم خرّ على ركبتيه وسقط أرضًا.
بينما ظلّ فيلياس يحدّق في العرش ويتمتم.
“لكن الآن وقد نظرتُ إليه، أراه مجرد….مجرد كرسيٍ لا أكثر. ما الذي كنتُ سأفعله بإهداء شيءٍ تافهٍ كهذا؟ تلك المرأة….لم تكن لترغب بشيءٍ كهذا أصلًا.”
“….…”
ثم استدار فيلياس وغادر قاعة الاستقبال.
ومن خلف نوافذ الممر، كانت شمس الصباح تشرق.
بدا أن معظم جنود الدوقية قد استسلموا، إذ خيّم الهدوء الآن على الفناء الذي كان يعجّ بالضجيج.
و سار فيلياس في الممر الخالي.
العقل الذي كان قبل قليلٍ يعجّ بالفوضى أصبح صافيًا على نحوٍ غير معقول، وكأنها كانت على مقربةٍ منه.
كان من المؤكد أن فانيسا تنتظره في مكانٍ ما. فمن غير المعقول أن يستمر العالم بالدوران على هذا النحو السليم من دونها.
“فيلياس.”
صدر صوت مغنيةٍ إسطورية ينادي باسمه. فاستدار فيلياس بملامح شاردة.
“….فانيسا.”
كانت تقف هناك. شعرها منكوش، أنفاسها متقطّعة، والدموع متجمّعةٌ في عينيها.
كانت حيّة، بلا شك.
“التقينا….من جديد.”
ابتسمت فانيسا، ولم يعرف فيلياس ماذا يقول.
“فانيسا، أنا….”
لم يكن فيلياس يؤمن بالمعجزات. على الرغم من أنه كان يزلزل الغابات والبحار بسلطته، ويشعل نيرانًا تعلو كالجبال، لم يؤمن يومًا بوجود معجزةٍ طوال حياته.
فالعالم الذي عاش فيه كان قاسيًا وغير عادلٍ إلى حدّ لا يسمح بمثل هذا الإيمان. وربما لهذا السبب حاول أن يخفيها عن العالم بإحكام.
لكن الآن، بينما كانت تركض نحوه تحت ضوء الشمس الصاعدة وتُلقي بنفسها بين ذراعيه، وبينما كان يعانق ذلك الجسد المفعم بالحياة بكل ما أوتي من قوة. آمن فيلياس، بوجود المعجزات.
***
جرت معالجة ما بعد الحادثة بسرّيةٍ وسرعة.
تربّع الأمير الرابع لسايروس على العرش، ووقّع طوعًا على اتفاقية إنهاء الحرب.
كان يدرك أن حرب الاستنزاف لا تعود بالنفع على أيٍّ من الدولتين. وقد تعهّد الطرفان بتبادلٍ سلميّ في المستقبل.
فالندورف جُرِّد من اللقب الدوقي. وبدلًا من أليكسي فالندورف المتوفى، أصبح أوسكار فالندورف ربَّ الأسرة الجديد، وشرع فورًا في إصلاح الأضرار التي خلّفها ابن عمه.
السحر والسلطان اللذان خلّفهما ريمون لذريته اختفيا تمامًا من هذا العالم.
وباِستثناء نار ديلما التي يحملها فيلياس، لم تعد في القارة أي قوةٍ باقية.
ومن أجل التكيّف مع النظام الجديد، وإثبات السلطة الشرعية، ستغدو الإمبراطورية أكثر انشغالًا في الأيام القادمة.
بعد حريق القصر الإمبراطوري، عادت فانيسا إلى أرض الكونت لانغ. وفي القصر الذي أُعيد ترميمه بالكامل، استقبلتها أغنيس وحفيدتها.
وبعد نصف شهر، زار وليّ العهد أرض الكونت لانغ. و نزل من العربة وهو ما يزال يتكئ على عكاز.
“تبدين بصحةٍ جيدة، يا آنسة لانغ.”
“وأنتَ أيضًا، يا صاحب السمو. تفضّل إلى الداخل، لقد أعددتُ الشاي.”
قادت فانيسا فريدريش إلى غرفة الاستقبال التي أُعيد تأثيثها حديثًا.
“لقد حلّ الربيع تمامًا. كنتُ منشغلًا إلى حد أنني لم أشعر كيف مرّ الوقت.”
قال فريدريش ذلك وهو يجلس بمساعدة الخادم.
“سمعتُ شائعةً مفادها أن الإمبراطور سيتنازل عن العرش قريبًا.”
“أوصلت الشائعة إلى هنا بالفعل؟”
و ابتسم فريدريش ابتسامةً مريرة.
“في الحقيقة، السبب هو تدهور حالة الإمبراطورة الصحيّة. كانت ضعيفة البنية منذ الأصل، وكل ما مضى لم يكن إلا استمرارًا لحياتها بفضل سلطة والدي. أما الآن فلم يعد ذلك ممكنًا، ولذلك قرر الاثنان الرحيل إلى مكان هادئ للاستشفاء.”
“هذا أمرٌ وارد….”
“حسنًا، أليس ذلك في النهاية هو مجرى الأمور الطبيعي؟ مع اعتذاري لهما، لكن في الحقيقة….أشعر براحةٍ أكبر.”
قال ذلك وهو ينظر إلى يديه.
“لقد كانت قوةً تفوق ما يمكن لشخصٍ ضعيفٍ مثلي تحمّله.”
“أنتَ قويّ بما فيه الكفاية، يا صاحب السمو.”
“….إذا كنتِ تقولين ذلك، فلا بد أن أصدّق.”
ضحك فريدريش بخفة.
“سبب مجيئي اليوم هو إبلاغكِ بقرار العقوبة الصادرة بحق الدوق فيلياس. صحيحٌ أنه أنهى الحرب بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر، وصحيح أيضًا أنه أنقذ حياة جلالة الإمبراطور. ومع ذلك، فإن ما ارتكبه هذه المرة كان….وقحًا.”
“…….”
وضعت فانيسا فنجان الشاي.
صحيحٌ أن فظائع أليكسي فالندورف طمست الأمر وجعلته يمرّ دون ضجة، إلا أن حقيقة محاولته أخذ السلطة لا يمكن إنكارها.
أن يهدد الإمبراطور في حضوره مطالبًا إياه بالتنازل عن العرش. قد يكون ذلك تصرّفًا يليق به، ومع أن القول يأتي متأخرًا الآن، إلا أنه كان أمرًا عبثيًا إلى أقصى حد.
“في النهاية، تقرر الحكم عليه بغرامةٍ مالية. وستُقلَّص الامتيازات التي كان يتمتع بها بوصفه فردًا من العائلة الإمبراطورية إلى حد كبير. والأهم من ذلك….”
توقف فريدريش عن الكلام، وأمهل نفسه لحظة.
“سموك؟”
“آه، عذرًا. تذكّرت فقط ردّة فعله، لهذا.”
أطلق ضحكةً مكتومة ثم تابع كلامه.
“فيلياس سايران مُلزَمٌ من الآن فصاعدًا بحضور جميع المناسبات الإمبراطورية التي تُقام في العاصمة، ومعايير تلك المناسبات يحددها وليّ العهد فريدريش سايران. حسنًا، شروطٌ من هذا القبيل.”
“….يا إلهي، إنكم حقًا قساة.”
هزّت فانيسا رأسها مبتسمة.
وكان فريدريش ينظر إليها لحظة، ثم مدّ ذراعه وأمسك بعكازه.
“إذًا، سأغادر الآن. لقد أوصلتُ كل ما أردتُ قوله، وما تبقى من العمل مكدّسٌ كالجبل.”
فنهضت فانيسا لتوديعه.
وقبل أن يصعد إلى العربة، أضاف.
“غالبًا هو الآن عند القناة الكبرى. يبدو أنه لا يملك الشجاعة ليأتي لمقابلتكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 131"