حلّ الفجر. و استفاق فريدريش، الذي كان قد غلبه النوم منحنِيًا على مكتب العمل، على صوت إنذار حاد.
كان بلا شك إنذار اقتحام.
“سموك!”
اقتحم أحد حرس وليّ العهد الغرفة وهو يصيح بفزع.
“عليكَ أن تختبئ! دوق فالندورف.…!”
من؟
لكن الحارس لم يُكمل.
طانغ-
سقط الحارس، الذي كان راكعًا بوجهٍ مصدوم، وارتطم وجهه بالسجادة. و كانت مؤخرة رأسه قد تحطمت تمامًا.
رفع فريدريش رأسه ببطء، فرأى الدوق يقف عند الباب مبتسمًا، والبندقية في يده.
“هل تعرف ما معنى هذا؟”
“….دوق فالندورف. ما الذي تفعله؟ لا تقل لي أنكَ جئتَ إلى القصر الإمبراطوري تقود جنودكَ الخاصين.”
ضحك الدوق عند كلام فريدريش. وعندما رفع البندقية مجددًا، سارع فريدريش إلى فتح درج المكتب وقبض على مسدسه.
لكن الوقت كان قد فات.
طانغ-
اخترقت الرصاصة التي أطلقها الدوق المكتب واستقرت في ركبة فريدريش اليمنى. وقد كان الألم مروّعًا إلى حد أنه لم يستطع حتى الصراخ.
ثم ضحك الدوق بخفة.
“سألتكَ، أتعرف ما معنى هذا؟”
“ما الذي….الذي….تقصده.…؟”
تجمّع العرق البارد على جبينه وانساب، من شدّة ألمٍ لم يعرفه من قبل في حياته.
اقترب الدوق بخطواتٍ ثقيلة، ثم أمسك فريدريش من ياقة ملابسه ورفعه.
“كل شيء تغيّر، يا فريتز. لم يعد هناك سببٌ لإبقائكم أحياء.”
كان الدوق يبتسم ابتسامةً تكاد تمزّق فمه.
وفي تلك اللحظة، نزع فريدريش قفازه بسرعةٍ وأمسك بمعصم الدوق الظاهر أسفل كمه.
لكن….
“هاه.…؟”
كان ينبغي لقدراته أن تشلّ الدوق. لكن الدوق لم يفعل سوى الضحك باستخفاف، وهو ينظر إلى فريدريش الذي شحب وجهه.
“ألا تفهم، يا فريتز؟ لقد اختفت. اختفت كل القدرات. آه، صدقني، كنتُ قادرًا على قتلكَ متى ما شئتُ. لولا هذه القدرة المزعجة. هاه.”
تنفّس وكأنه راضٍ تمامًا، ثم ألقى نظرةً حوله.
“أين ذاك الوغد الهجين؟”
بينما كان فريدريش يلهث، محاولًا استيعاب ما يحدث.
اختفت القدرات؟ منذ متى؟
‘إذًا اصطدام حمائم الرسائل بالأبراج في الوقت نفسه كان بسبب ذلك؟ ما الذي يحدث بالضبط؟’
في تلك اللحظة، دوّت عدة انفجاراتٍ مدوية من جهة القصر الرئيسي.
لم يبدُ على الدوق أي ذهول. و رفع فريدريش، الذي كان يئن ألمًا، وأخذه يسير وهو يسنده.
“اسمع جيدًا. سأقولها مرةً واحدة فقط. كنتُ أنوي أن أدفع ذاك الوغد الهجين إلى الجنون التام، ثم أجعله يغزو القارة الشمالية. بعدها دول التحالف، ثم الجنوب. لأن الحرب….يجب أن تستمر.”
“….…”
“آه، يا فريتز، كنتَ حقًا مثل ضفدعٍ سام مزعج. لكن الآن أستطيع قتلكَ بيدي. وليون كذلك. لم يعد لأيٍ منكما قيمةٌ ليعيش.”
“أنتَ….ما….خطبكَ.…؟”
فرفع الدوق رأسه وانفجر ضاحكًا.
“آه، سمعتُ هذا السؤال نفسه قبل أيامٍ قليلة. يبدو أن هذا العالم….عتيقٌ أكثر مما يحتملني.”
كان المشهد خارج قصر وليّ العهد مختلفًا تمامًا عن المعتاد.
كانت أشجار الحديقة تحترق مُصدِرةً طقطقةً قاسية، ولم يبقَ في الحديقة الواسعة التي كانت مكسوّةً بالعشب سوى سوادٍ متفحّم.
بدا الأمر كما لو أن لهيبًا هائلًا قد اجتاح المكان مرةً واحدة ثم مضى.
نقر الدوق بأصابعه نقرًا جافًا، ثم أصدر أمره إلى الضابط المرافق الذي كان يراقب الوضع عن قرب.
“ابدأ بالإمبراطور.”
وبينما كان يتجه نحو القصر الرئيسي، توقّف فجأة.
رفع فريدريش رأسه بصعوبة. كانت ألسنة لهب جديدة تندلع قرب البوابة وتنتشر على طول الأسوار.
و قذف الدوق فريدريش على العشب المتفحّم، ثم وجّه فوهة بندقيته نحو فيلياس الذي كان يتقدّم بوجهٍ شاحب.
“فيلياس!”
عند صرخة فريدريش، تردّد الدوق لحظة، ثم التفت إليه وابتسم ابتسامةً ماكرة.
“لا تقلق. لا أنوي إنهاء الأمر بهذه البساطة.”
سحب الدوق قدميه وهو يسير، وعيناه لم تفارقا فيلياس لحظةً واحدة.
“آه، لم أكن أتوقع أن يأتي يومٌ كهذا. هل تعرف كم أقلقني أنكَ قد تكون هربتَ إلى مكانٍ ما؟ هم؟”
مرّر فيلياس يده على شعره بصمت. و كان شعره ويداه مغطّيين بالرماد والتراب. و لم يكن في ملامحه أي أثرٍ لروحٍ قتالية أو حياة.
ساخرًا منه، اقترب الدوق حتى صار وجهًا لوجهٍ معه وأمسك بتلابيبه.
“كنتُ أعلم. لقد تحطّمت تمامًا.”
ثم مال برأسه وسأله،
“آه، بالمناسبة، أين نيسا الآن؟”
فرفع فيلياس نظره إليه أخيرًا، فأطلق الدوق شخيرًا ساخرًا.
“لا تقل لي….أنها ماتت؟ ليون، لا تقل أنكَ عجزت عن حماية فتاةٍ صغيرة كهذه؟ هم؟”
“…….”
“آه، لا. ربما كان هذا أفضل. ففي النهاية، أنتَ شخصٌ ميتٌ أصلًا.”
ابتلع فيلياس أنفاسه بصوتٍ خافت. ثم طق- رفع يده وأمسك بعنق الدوق.
حاول الدوق دفعه وهو يتلوّى من الألم الثقيل، لكنه لم يفلح. وعندما استعاد وعيه، كان مطروحًا على التراب، والدم يسيل من بين أسنانه.
ثم انحنى فيلياس وأمسك بذقن الدوق بيد واحدة.
تشــييي-
تصاعد دخانٌ من الموضع الذي لامست فيه أصابعه جلده. فصرخ الدوق محاولًا الانقلاب، لكن ركبة فيلياس كانت تضغط بقوةٍ على صدره.
“أليكسي.”
ناداه فيلياس بصوتٍ أجش وهو يقبض بإحكامٍ على ذقن الدوق المرتجف.
“قلتُ لكَ يومها أيضًا. أن الألم الذي يُمنَح لأمثالنا لا قيمة له على الإطلاق.”
اقترب بوجهه وهمس،
“لكن للموت ثمن. وثمنه أغلى مما تستطيع دفعه.”
كرااك-
ثم تمزّق الخد المتفحّم طويلًا، وانفتح فيه ثقب.
“لماذا….لماذا.…!”
ترك فيلياس الدوق يتدحرج على الأرض وهو يصرخ ممسكًا بوجهه بكلتا يديه، ثم بدأ يتجه نحو البرج.
التعليقات لهذا الفصل " 130"