كان جهاز الاتصال على هيئة سوار الكاحل الذي تلقته من فيلياس. لكن ثمة ما كان مختلفًا.
أخذته وتفحّصته عن قرب. و الجوهرة التي كانت تشع بياضًا فقدت بريقها تمامًا.
“يبدو أن الأمر نفسه يحدث حتى عند محاولة الاتصال بالآنسة. لقد تعطّل كليًا. وليس هذا فقط….”
“لا تقُل أن الحمام الزاجل أيضًا؟”
أومأ شان برأسه.
“أصبح مجرد طيرٍ غبي. يبدو أن السحر الذي توارثناه منذ العصور القديمة يختفي تدريجيًا.”
“ريمون ماتت.”
“نعم؟”
سأل شان بدهشة، لكن فانيسا لم تستطع الإجابة.
كما قالت ريمون، لا بد أنها استبدلت خلودها بزمن هذا العالم. بعبارةٍ أخرى، تثبّتت هذه اللحظة بوصفها الواقع، ومستقبل فيلياس أيضًا….
“إن كان بإمكان موتي أن يُستَخدم من أجلكِ….فسأكون سعيداً للغاية.”
“….هل توجّه فيلياس إلى العاصمة؟”
“هذا آخر ما وصلنا من أخبار. اختفاء الآنسة واحتراق لوكت كانا على الأرجح آخر ما سمعه الدوق.”
“ذلك….يبدو نذير شؤمٍ فعلًا.”
لم تتخيل فانيسا يومًا فيلياس بعد موتها.
لكن لسببٍ ما، شعرت الآن أنها قادرةٌ على تخمين هدفه.
“أرسلنا مبعوثاً….لكن بصراحة، هذه أول مرةٍ نواجه وضعًا كهذا، ولا نعرف كيف نتصرف….”
“وماذا عن خيول الحرب؟”
“خيول الحرب.…؟”
“هل فقدت خيول الحرب قوتها أيضًا؟”
“آه….لم نجرّب بعد أن نُسيّرها لمسافاتٍ طويلة، لذا لا أعلم تحديدًا….لكن ربما نعم؟”
الحمام الزاجل لم يكن في الأصل سوى طيورٍ عادية غير مدرَّبة، فإن فقدت قوة ريمون فلن تعود قادرةً على نقل الرسائل.
لكن خيول الحرب، حتى لو فقدت تلك القوة، فهي لا تزال خيولًا أصيلة بطبيعتها.
“اطلبوا تجهيز الإسطبل. عليّ التوجّه إلى العاصمة فورًا.”
نظرَا نيكولا وشان إلى فانيسا بعيون متسعة.
لكن لم يعد هناك وقتٌ يمكن إضاعته. فالدوق فالندورف لا بد أنه كان متجهًا إلى العاصمة أيضًا.
إقحامه الأمير الخامس من سايروس لم يكن إلا ليجعل فيلياس يعتقد أنه قتل فانيسا. ليملأه بالحقد ويقوده لمهاجمة سايروس.
“يجب أن تستمر الحرب. فنحن جميعًا وُلدنا من أجلها. لكن….على عكسي، يحتاج ليون إلى دافع. دافعٍ يجعله يكره العالم أكثر مما هو عليه الآن.”
إن كان الأمر كذلك، فالخطوة التالية ستكون على الأرجح عزل فيلياس. ثم دفعه إلى حافة الهاوية، ليحرق العالم في النهاية.
فيلياس الذي تعرفه فانيسا لم يكن أحمق إلى حد اتخاذ قراراتٍ عاطفية دون تفكير. غير أن المتغير الخطير كان حقيقة أن قوة ريمون بدأت تتلاشى تدريجيًا.
فإن فقد الحمام الزاجل، وخيول الحرب، وحتى أدوات الاتصال المتوارثة في القصر الإمبراطوري قوتها، فماذا عن السلطات التي يحملها نسله؟
وإن اختفت هي الأخرى، فإن الفوضى المقبلة….لا يمكن حتى تخيّلها.
“قد نتمكن من تقليص الوقت إن استعنا بقوة التجار وفرق البحث. ففي المرة السابقة، حين توجّهتِ إلى العاصمة، شُقّ طريقٌ يمر عبر منطقة الفيضانات. لكن هل هذا حقًا….خيارٌ حكيم؟”
عند كلام شان، أطلقت فانيسا زفيرًا طويلًا.
“لندع التفكير لاحقًا.”
***
بعد يومين، في القصر الإمبراطوري مجددًا.
“لديكَ دائمًا….أسئلةٌ كثيرة.”
ثم نظر فيلياس مباشرةً إلى الإمبراطور و تحدّث بنبرةٍ بلا تعبير.
“القصر محاصرٌ بالفعل، أرتور. إن استسلمتَ لي وتنازلتَ عن العرش، سأضمن حياة زوجتكَ وأبنائكَ.”
ساد الصمت في القاعة. لم يبدُ أن أحدًا فهم على الفور هذا التصريح الصادم.
وبالطبع، لم يكن ذلك يهم فيلياس من الأساس.
“هذا إنذارٌ أخير. سأنتظر جوابكَ بعد ثلاثة أيام.”
غادر فيلياس القصر الرئيسي، وكان سوريل بانتظاره.
“نفّذنا الإجراءات كما أمرتَ، سيدي. تم التأكد من مواقع المتفجرات، وبمجرد صدور الأمر يمكننا الاقتحام في أي وقت. لكن….”
ألقى سوريل نظرةً خاطفة نحو بوابة القصر، ثم سأل بصوتٍ منخفض،
“في حال الاشتباك مع الحرس الإمبراطوري، هل نُبادر بالقتال؟”
أومأ فيلياس برأسه بوجه خالٍ من أي تعبير.
“لقد رأوا زيّ الدوق الأكبر، فلا بد أنهم استعدّوا لمثل هذا.”
وبعد رحيل فيلياس، تقدّم أحد مرؤوسي سوريل المباشرين بتردد.
“سيد سوريل، هل لي أن أسأل سؤالًا واحدًا؟”
“إن كان لديكَ اعتراض، فارجع إلى مسقط رأسكَ. ألم تتوقع هذا الوضع عندما زحفنا نحو القصر الإمبراطوري؟”
“لـ-ليس كذلك. أعلم أن مثل هذه القرارات ليست لي. ما لا أفهمه هو….أن سموّه الآن متجهٌ إلى الشرق….إلى لوكت، أليس كذلك؟”
“وماذا في ذلك؟”
“لوكت تم تمشيطها بالفعل بالكامل من قبل فرق البحث. وحتى لو توجّه الدوق الأكبر إلى هناك، فلن يكون هناك ما يمكن فعله بعد الآن….”
“قلتُ عشرات المرات، هذا القرار ليس قرارنا.”
ومع ذلك، كان عقل سوريل مضطربًا هو الآخر.
فتنهد سوريل بعمق، متسائلًا إن كان سيشهد في النهاية احتراق القصر الإمبراطوري.
***
في عصر اليوم نفسه، كان الإمبراطور الذي غادر مكتبه متجهًا إلى قاعة الاجتماعات الكبرى في الطابق الأول.
وكان الدوق الأكبر باستيان، ووليّ العهد، ومساعدوهم يتبعونه.
ثم انفجر باستيان غاضبًا.
“في النهاية، وقع ما كنا نخشاه. لكن أن يقدم على هذا الفعل الوقح إلى هذا الحد….أن يقتحم القصر الإمبراطوري ويطالب بالعرش فورًا. الآن أفهم، لم يكن يتظاهر بالجنون، بل يبدو أنه فقد عقله حقًا.”
عندما التزم الإمبراطور الصمت، أضاف مستشار باستيان قوله.
“مهما يكن الدوق الأكبر، فلا يمكنه ببساطةٍ أن يقود جيشًا ويستولي على القصر الإمبراطوري. ولن يوافق كبار النبلاء على أمرٍ عبثيٍ كهذا أيضًا.”
“ربما لم يكن تصرفًا طائشًا إلى الحد الذي نتصوره. فالرأي العام في العاصمة ليس على ما يرامٍ كذلك.”
قال فريدريش ذلك بنبرةٍ يملؤها القلق.
لقد مضت ثلاثة أيامٍ منذ أن تسلل فيلياس سرًا إلى العاصمة لتنفيذ عمليةٍ غير رسمية، ثم حوّل القصر الملكي لسايروس إلى رماد.
وبسبب التأخر في استيعاب حجم الموقف، خرجت الشائعات في العاصمة عن السيطرة بالفعل.
ومهما يكن، فإن حقيقة أن فيلياس اخترق عاصمة دولةٍ معادية بمفرده وأسقط قصرها الملكي أمر لا لبس فيه.
وكان ذلك كافيًا ليعطي انطباعًا بأن العائلة الإمبراطورية كانت تتعمد إطالة أمد الحرب حتى الآن.
“بل أصلًا، هل يمكننا أن نسمّي هذه نهايةً للحرب؟ صحيحٌ أن سايروس هادئةٌ الآن لانشغالها باحتواء الفوضى، لكن هل تعتقدون حقًا أن الأمير الرابع سيوقّع على معاهدة السلام طوعًا؟!”
صاح باستيان بنبرةٍ محتدمة.
فالوريث الوحيد المتبقي لعرش سايروس هو الأمير الرابع، الذي كان في ساحة المعركة وقت الحريق.
وكان معروفًا عنه اعتداله، لكن لا أحد يعلم كيف سيكون رد فعله بعد أن أُبيد والداه وإخوته وأخواته عن بكرة أبيهم.
“لكن يُقال أن الرأي العام في سايروس ليس سيئًا إلى هذا الحد. فالسخط على العائلة المالكة كان مرتفعًا بسبب قرارات التجنيد القسري الأخيرة، كما أن هذا الحريق أحرق القصر الإمبراطوري وحده دون أن يلحق أذى بالعاصمة نفسها….”
قال ذلك وزير الخارجية الذي انضم متأخرًا، ثم ترك عبارته معلّقة. فهزّ باستيان رأسه يمينًا ويسارًا.
“المشكلة التي نواجهها الآن هي أن ذلك الوغد أعلن صراحةً عزمه على أخذ العرش. حتى لو عادت قوات الجبهة فورًا، فالعاصمة أصبحت عملياً محاصَرة، ولا ندري إن كانت لدينا فرصةٌ للفوز أم لا….”
وهو ينظر إلى الإمبراطور الذي ظل صامتًا، فتح فريدريش فمه بحذر.
“أنا….لا أعتقد أنه قال ذلك وهو يعنيه حقاً. جلالتك تعرف، أليس كذلك؟ كم من التضحيات قدّمها الدوق فيلياس من أجل الإمبراطورية حتى الآن.”
فضحك باستيان بسخرية.
“أتعني أن كل هذا لم يكن سوى مزحة؟”
“أقصد أنه ربما كان هناك دافعٌ آخر. كأن يكون بحاجة إلى ذريعة لنشر قوات الدوقية داخل القصر الإمبراطوري….فحتى لو انتهت الحرب، فهذا لا يعني أن الأعداء الداخليين قد اختفوا تمامًا.”
“أعداءٌ داخليون؟ عمّ تتحدث الآن.…!”
“ما أود قوله هو أنه لا يملك دافعًا حقيقيًا للاستيلاء على العرش.”
ثم نقر باستيان بلسانه.
“يبدو أن لديكَ جانبًا ساذجًا يا سموّ الأمير. مهما طال الزمن، لا يمكن لضغينةٍ قديمة أن تُنسى بهذه السهولة.”
“ضغينة.…؟”
فتوقف فريدريش فجأةً في مكانه.
___________________
ليه وش انتم مسوين🤨 ها عسا فيكم الحريقه
وفيلياس يجنن يعني ماهجم على طول لا معطيهم فرصه يفكرون بعد ياحنون انت😔
باقي فانيسا تكفين روحي له اااااااااااااااااااااااااااهع
التعليقات لهذا الفصل " 128"