نفض الأمير يده وهو يرسم على وجهه تعبيرًا متكلفًا من الحرج.
“إنه مؤقتٌ فقط. لكن على الأقل، أنا الآن….أملكُ من القدرة ما يضاهي الدوق الأكبر.”
كليّ القدرة؟
أمام هذا التصريح المتغطرس إلى حد السخف، فرغ رأس سوريل تمامًا.
لكنه سرعان ما أدرك. هذا الأمير لم يطأ ساحة معركة ولو مرة واحدة. و قد كان يجهل الآن. يجهل من الذي جاء ليستفزه.
فمن لم يختبر الرعب، لا يعرف الخوف.
“هل ملك سايروس على علمٍ بهذا الأمر؟”
سأل فيلياس.
“لم يتأكد بعد من النتائج الملموسة. لكنه سيعلم قريبًا. ولا شك أنه سيفتخر بي.”
“هل لهذا….علاقةٌ بحق الوراثة.…؟”
عند سؤال سوريل، أطلق الأمير زفرةً مبالغًا فيها.
“أليس هذا ظلمًا؟ كل ما ينقصني مقارنةً بإخوتي هو أنني لم أولد بموهبة السلطة….خصوصًا الأمير الأول، ذاك الأحمق الذي لا يميز بين اليمين واليسار. والأمير الثاني والثالث ليسا أفضل حالًا.”
تابع الأمير حديثه وهو ينظر مباشرةً إلى فيلياس.
“ومن منظور الإمبراطورية أيضًا، سيكون من الأنفع أن أتولى العرش. يمكنكم الحفاظ على مجريات الحرب الحالية….مع تعاونٍ أوثق.”
فمال رأس فيلياس ببطء، بانحناءةٍ تنذر بالخطر.
“لم تشرح بعد. ماذا تستطيع أن تفعل بتلك الشعلة.”
“تلك القرية….كان اسمها لوكت، أليس كذلك؟”
فنهض سوريل فجأةً من مكانه، وقد امتلأ صدره بالقلق.
“ماذا قلتَ الآن؟”
“آه، لا تسيئوا الفهم.”
ناول الأمير سوريل ظرف الرسالة نفسه.
“وردنا بلاغٌ بأن سيد تلك القرية كان يؤوي فارّين من جيش سايروس طوال الشتاء. يمكنكم اعتبار الأمر أننا وفرنا عليكم عناء معاقبة الخونة.”
فخطف سوريل الظرف ومزقه وفتحه.
لا شك أنها رسالة فرقة الاستطلاع. كان مكتوبًا فيها أن لوكت احترقت بالكامل بنارٍ لا تنطفئ، وأنه تم إنقاذ معظم السكان، لكن لم يُعثر على سيدة القرية.
وأن فانيسا اختفت بعد آخر بلاغٍ يفيد بأنها توجهت إلى الغابة في الصباح الباكر.
فارتجفت يد سوريل وهو يمسك الرسالة.
“ما الذي….فعلته؟”
ثم اندفع غاضبًا نحو الأمير وأسقطه أرضًا.
“هل تدرك حتى ما الذي ارتكبته؟!”
بدا الارتباك واضحًا على وجه الأمير. لقد كان حقًا لا يعلم شيئًا.
وحين رفع سوريل رأسه عند سماعه وقع أقدامٍ تقترب، دُفع بقوةٍ وسقط متدحرجًا على السجادة.
“أغخ.…”
بالنسبة للأمير، كان فيلياس يدوس صدره بحذائه العسكري، فلم يستطع لا المقاومة ولا حتى التنفس جيدًا.
“تكلّم.”
قال فيلياس ذلك بصوتٍ منخفضٍ مخيف. و كانت رسالة المبعوث في يده.
“أين هي.”
و بدا الأمير وكأنه يبحث بيأسٍ عن عذر. رغم أنه لم يفهم ما يحدث، إلا أنه أدرك بغريزته أن حياته معلّقةٌ بكلمةٍ واحدة.
فردّ بنبرةٍ شبه باكية.
“أنا….أنا فقط أردتُ إثبات قدرتي. ثم إن ذلك المكان لم يكن سوى أرضٍ قاحلة في أطراف-”
لكن كلماته توقفت عند هذا الحد. فقد اتسعت عينا الأمير، ومن فمه المفتوح لم يخرج صراخ، بل دخانٌ أسود كثيف.
“ما….ما هذا.…؟!”
تراجع سوريل إلى الخلف وهو جالسٌ على الأرض.
راح الأمير يمزق صدره ويتلوى من الألم، وسرعان ما تحولت حركاته إلى تشنجاتٍ عنيفة.
وعند الرائحة الخانقة التي انتشرت، أمسك سوريل بأنفه دون وعي.
كانت رائحة لحم محترق. فقد كان الأمير الخامس يحترق حرفيًا من الداخل.
“يا….يا سيدي الدوق.…”
حين رفع سوريل رأسه، وقد تجمد من هول المشهد الذي يراه لأول مرة في حياته، لم يكن فيلياس هناك.
“هيرمان.…؟”
هزّ هيرمان رأسه. و كان على وجهه توترٌ نادر.
بلش-
عند صوتٍ مقزز التفتا ليرَيا قيحًا يسيل من محجري عيني مرافق الأمير الفارغتين.
ثم دوّى انفجارٌ من خارج النافذة، فاستعاد الاثنان وعيهما واندفعا إلى الخارج.
و في الشارع، كان المارة يقفون جامدين يحدقون في اتجاه واحد. اتجاه القصر الملكي.
وعند رؤية اللهب المتصاعد فوق الأبراج البعيدة، لم يعرف سوريل ماذا عليه أن يفعل.
***
رفع فيلياس بصره فجأة.
لم يكن يرى السماء، إذ كانت مغطاةً بدخانٍ أسود كثيف. و كان طنينٌ حاد يتلاشى ثم يعود في أذنيه.
وبين ذلك، خُيّل إليه أنه سمع صراخ أحدهم.
وكأن أحدهم حاول إيقافه. أو ربما لم يحدث شيءٌ أصلًا.
لا، ربما….
“فيلياس.”
حين رفع رأسه، كانت هي تقف بين أشجار الحديقة المشتعلة.
لحسن الحظ، كان لا يزال يحتفظ بقدر كافٍ من العقل ليعرف أن هذا وهم. ومع ذلك، لا يدري لماذا كان يبتسم كلما رآها.
“مرحبًا، فانيسا.”
نظرت فانيسا إلى فيلياس وهو يتمتم، فأمالت رأسها باستغراب.
“ماذا تفعل هنا الآن؟ لا تقل أنكَ أحرقت قصر سايروس الملكي بالكامل؟”
“آه.”
فتلفّت فيلياس حوله.
كان الصمت مخيفًا من كل الجهات.
لم يبقَ في موضع الأبراج سوى بقايا تشبه شموعًا نصف مذابة. وحتى تلك كانت تحترق وتذوب بسرعةٍ مرعبة.
“يبدو أنني….فعلتُ ذلك. أظنني للتو….قتلتُ أمير سايروس أيضاً.”
قال فيلياس ذلك وكأنه يحدّث نفسه.
وربما قائد الحرس الملكي أيضًا. والوزير. والملك كذلك.
لكن….
لماذا فعلتُ ذلك أصلًا؟
“هذا تصرّفٌ أحمق.”
ضحكت فانيسا ضحكةً طفولية وهي ترى ارتباكه.
“إذًا، ماذا سنفعل الآن؟”
“أنا أيضًا….لا أعلم.”
همم، بعد أن غرقت فانيسا قليلًا في التفكير، وكأنها تذكّرت شيئًا، صفّقت بأصابعها.
“عرفت. علينا الذهاب إلى العاصمة.”
“….العاصمة؟”
“ألا تتذكر؟”
مدّت فانيسا يدها بلطف.
“قلت أنكَ ستقدّم لي الإمبراطورية.”
صحيح، كان قد قال ذلك.
ثم عبر فيلياس الحديقة التي تحولت إلى رماد وأمسك بيد فانيسا الباردة.
‘الآن صار ذهني أكثر صفاءً.’
حقًا، من دونكِ لا أستطيع التفكير كما يجب.
***
في هذه الأثناء، فشلت محاولة هروب فانيسا الثانية.
لكن كان هناك ما يُكسب. فكما توقّعت منذ البداية، كانت العربة التي استقلّتها فانيسا تتجه شمالًا.
في الخريف الماضي، استغرق عبور الأراضي القاحلة عرضًا على ظهر حصانٍ عسكري نحو ثلاثة أيام.
إذًا، لو انطلقت العربة من لوكت وواصلت الركض شمالًا من دون توقف، أفلا يُحتمل أنها بلغت مشارف أشوكا؟
بالطبع، حتى لو استنتجت ذلك الآن، فلن يفيدها بشيء.
و لم تتوقف العربة التي عادت للانطلاق إلا بعد غروب الشمس. وبسبب الرحلة القاسية وتأثير السلطة، كانت فانيسا منهكةً تمامًا.
حتى عندما حملها الدوق بين ذراعيه، لم تكن قادرةً على إبداء أي مقاومةٍ تُذكر.
“مهما قلتِ، ذلك الهجين وأنا من الفصيلة نفسها.”
قال الدوق ذلك وكأنه يحدّث نفسه وهو يسير في الطريق المتعرج بين الأشجار القصيرة.
“يجب أن تستمر الحرب. فنحن جميعًا وُلدنا من أجل ذلك. لكن….على عكسِي، ليون يحتاج إلى دافع. دافعٍ ليكره العالم أكثر مما يكرهه الآن.”
وأثناء هذيان الدوق، تمكّنت فانيسا بصعوبةٍ من رفع رأسها والنظر إلى ما حولها.
وفي نهاية رؤيتها الضبابية، ظهر برج مراقبةٍ مألوف.
والرائحة التي حملها النسيم إلى أنفها كانت بلا شك….
‘رائحة غاز.’
نعم. كانت فانيسا الآن في المستنقع الذي شاهدت فيه الألعاب النارية مع فيلياس.
التعليقات لهذا الفصل " 126"