داخل العربة المتخبطة، كانت فانيسا تغفو غفواتٍ خفيفة ثم تستيقظ مرارًا.
وفي غمرة النعاس، رأت الشمس تغرب من خلف النافذة. ومن اتجاه الضوء، خمّنت أن العربة كانت تتجه شمالًا.
لكن سرعان ما بلغت فانيسا حدًا لم تعد قادرةً فيه على التفكير بوضوح.
ولم تتوقف العربة إلا بعد أن خيّم الظلام تمامًا.
و كانت فانيسا قد غرقت في نومٍ أشبه بالإغماء، فانتفض جسدها مذعورةً حين شعرت بيدٍ تلامسها.
“….إن تُركتِ على هذا الحال، ستتأذى رقبتكِ.”
عند سماع الصوت الغريب، رفعت رأسها بحذر، فلم يكن الدوق موجودًا، بل كان جنديٌ يرتدي زيًا أزرق ينظر إليها من الأعلا.
مدّت فانيسا ذراعها، ففكّ الجندي الحبال التي كانت تقيدها. و كانت أطرافها المؤلمة قد فقدت الإحساس تمامًا.
و رغم أن الحبال بدت وكأنها لم تكن مشدودةً كثيرًا، إلا أن مواضع الربط كانت متورمةً بوضوح.
وبسبب بقائها مستلقيةً في الوضعية نفسها فترةً طويلة، احتاجت إلى المساندة حتى لتجلس.
ترنّحت وهي تنزل من العربة، فضرب وجهها هواء البحر البارد الرطب.
“هل هذا….الساحل الشرقي؟”
ألقت فانيسا نظرةً خاطفة على الخيول المربوطة بالعربة.
بدت عادية، لكنها بلا شك خيول حربٍ قديمة، ولهذا استطاعت الركض بأقصى سرعةٍ دون توقف.
لو حسبت مسافة الانتقال من لوكت، ربما استطاعت استنتاج الموقع التقريبي. لكن ما أدركته الآن هو أن الفرار لن يجدي نفعًا على الإطلاق.
“أين نحن؟”
سألت الجندي، لكن كالعادة لم يأتِها رد.
اقتيدت فانيسا إلى قصرٍ عتيقٍ قائمٍ على تل.
كان القصر، المضاء بضوء القمر، يبعث جوًا كئيبًا، غير أن طرازه المعماري وزينة حدائقه دلّا على أنه ملكٌ لأحد كبار النبلاء.
‘لا بد أن هناك سببًا لجلبه لي حيّةً إلى هنا.’
لا أحد يعلم ما الذي قد يحدث لاحقًا، لذا كان من الأفضل الحفاظ على ما تبقى من قوتها، إذ لم يكن ذلك سوى كل ما تملكه الآن.
ولهذا، ذهبت ببساطةٍ إلى الحمّام الذي أُرشدت إليه واستحمت. وما إن غمرت جسدها في الماء الساخن حتى شعرت بعضلاتها المتصلبة تسترخي قليلًا.
وعندما خرجت من الحمّام، كانت خادمةٌ تنتظر وقد أعدّت فستانًا.
“سأساعدكِ على تبديل الملابس، آنسة.”
“….ولماذا؟”
“الدوق دعاكِ إلى العشاء.”
“هاها.”
يختطف إنسانًا عنوةً ثم يسمّي ذلك “دعوة”.
لم يتبقَّ لدى فانيسا ما يكفي من الطاقة للاعتراض، فغيّرت ملابسها كما طُلب منها.
كان الفستان المُعدّ أحمر اللون، مشقوقًا حتى أعلى الركبة، ومكشوف الظهر حتى لوحي الكتفين، مع وشاحٍ حريري من القماش نفسه يتدلّى طويلًا خلفها.
تفحّصت فانيسا كعب الحذاء الرفيع.
‘من الواضح أن الركض بهذا مستحيل.’
وحين نزلت إلى الطابق السفلي، كان الدوق ينتظرها في قاعة الطعام. مستندًا بذقنه إلى يده،
“كنتُ أعلم منذ رأيتكِ أول مرة. الأحمر يليق بكِ.”
تنهدت فانيسا، وقادها الخادم إلى المقعد المقابل له.
و لم تكن الطاولة كبيرة، ما جعلها تتلقى نظرته الحادة كاملةً دون مهرب.
“الأراضي الرطبة المحيطة هنا تعجّ بالطيور المهاجرة. و قبل أن تصبح الجهة الشرقية على هذا الحال، كان أفراد العائلة الإمبراطورية يمكثون هنا لصيد الطيور.”
من حديث الدوق، استطاعت فانيسا أن تخمّن وظيفة هذا القصر.
كان مكانًا أشبه باستراحةٍ أو قصرٍ صيفي، يقيم فيه الإمبراطور والنبلاء الكبار لأجل صيد الطيور المهاجرة.
“حين كنتُ صغيرًا، كنتُ أرافق الإمبراطور الراحل في رحلات الصيد. وليّ العهد كان يكره الصيد، أما الأمير فكان يخشى الإمبراطور الراحل، لذا غالبًا ما كنا أنا وليون فقط نرافقه.”
لم ترد فانيسا بشيء، لكنها تفاجأت في سرها من استخدام الدوق لقبًا رسميًا محترمًا عند ذكر الإمبراطور الراحل.
وسرعان ما وُضعت المقبلات أمامهما.
لحم، وسلطة رمان و تينٌ شوكي. أطباقٌ متقنة بوضوح، لكن نظرًا للظروف، لم تتحرك شهيتها.
ومع ذلك، كان من الأفضل أن تأكل جيدًا. فلا أحد يعلم إلى متى ستستمر هذه الحالة. ولهذا السبب نفسه، قررت ألا تلمس النبيذ الأبيض المرافق للطعام.
أما الدوق، فكان يراقب فانيسا وهي تأكل دون أن يتحرك.
“….ألن تتناول طعامكَ؟”
عند سؤالها، ارتسمت ابتسامةٌ باهتة على شفتيه.
“أنا لا آكل مع الآخرين. وعلى أي حال، شكرًا لكِ.”
“كنت أعني أن تكفّ عن التحديق بي….لكن، وما شأني.”
واصلت فانيسا تناول طعامها. وحتى في تلك الأثناء، بقيت عينه الاصطناعية مثبتةً على نقطةٍ واحدة دون أن ترمش.
وبفضل ضوء الشموع على الطاولة، بدا ذلك السواد في عينيه أشد رعبًا من المعتاد.
وفي تلك اللحظة، خطر لها سؤال. لماذا لم يجعل الدوق لون عينه الاصطناعية مطابقًا للونها الحقيقي؟
قبل حادثة أرض الماركيز بلاكوود، لم تكن قد لاحظت أصلًا أنها عينٌ مزيفة.
ربما لقلة المواجهات بينهما، لكن رغم ذلك، كانت العين الاصطناعية متقنةً إلى حد يكاد يطابق العين الحقيقية.
ولا بد أنها كانت قطعةً باهظة الثمن، وكان بإمكانه تغيير لون القزحية متى شاء. لكنه لم يفعل.
وكأنه يتعمّد استعراض فقدانه لإحدى عينيه….
“فضولكِ لا بد أنه اشتعل، أليس كذلك؟ عن عيني اليمنى.”
سأل الدوق بنبرةٍ خفيفة أقرب إلى الدندنة.
“لا.”
“لا داعي للخجل. معكِ، يمكنني أن أشرح كل شيء.”
‘ليس مضحكًا على الإطلاق.’
أطلقت فانيسا ضحكةً ساخرة وهي تمضغ السلطة.
و كان الدوق يربّت بطرف أصابعه على ذقنه، كأنه يحاول استرجاع ذكرى قديمة.
“من أين أبدأ….في الحقيقة، هذا حدثٌ قديمٌ جدًا.”
حمل الخادم طبق الدوق الذي لم يُمسّ، ووُضع هذه المرة طبقاً من المحار أمام الاثنين.
ومع ذلك، لم يمدّ الدوق يده إلى الطعام. بل فتح فمه بالكلام وهو يراقب فانيسا ترفع أدوات المائدة.
“كنا في الرابعة عشرة….لا، ربما في الخامسة عشرة من العمر؟ حينها تولّى ليون قيادة فرقةٍ سرية.”
‘سرية؟’
توقفت فانيسا لوهلة. كانت قد سمعت الدوق يذكر السرية من قبل، في الأرض خلال الربيع الماضي.
‘إذًا الأمر له علاقةٌ بفيلياس، بلا شك.’
لم تنسَ فانيسا بعد كيف قال فيلياس في أرض الماركيز بلاكوود أنه سينتزع عين الدوق اليسرى “هي الأخرى”.
ثم تابع الدوق حديثه.
“حتى ذلك الوقت، لم تكن علاقتي بليون سيئةً إلى هذا الحد. لكنني حينها فعلتُ ذلك….همم، نيسا، هل تعرفين ما هو الكريفاس؟”
“….…”
رفع الدوق يديه أمام عينيه وقرّبهما من بعضهما ليصنع فجوةً ضيقة بين كفيه.
“هكذا تنشق الجدران الجليدية وتتكوّن فجوة. ليست ظاهرةً شائعة حتى في المناطق الجبلية. لكن حين تتراكم الثلوج فوق الجرف، يتكوّن فخٌ طبيعي متقنٌ للغاية. و إن وطأه أحد دون أن يدري.…”
وضرب الدوق الطاولة.
“سيتحطّم. ولن يبقى حتى ما يمكن العثور عليه من الجثة.”
“لا يمكن أن يكون.…”
وعندما رأى تعابير فانيسا المتجمدة، ابتسم الدوق ابتسامةً عريضة.
“صحيح. تسللتُ خفيةً أثناء اجتماعٍ عسكري، ثم دفعتُ فرقة ليون السرية بأكملها إلى الكريفاس.”
كانت قد عقدت العزم على تجاهل كل هرائه، لكنها لم تستطع إلا أن تسأل.
“لماذا….فعلتَ ذلك؟”
و لم يجب الدوق سوى بهزّ كتفيه.
“لأنه بدا ممتعًا.”
عند تلك الإجابة، أدركت فانيسا أمرًا واحدًا بوضوح. لا ينبغي لها أن تحاول فهم هذا الرجل بعد الآن.
وحين رأى تعبيرها، أطلق الدوق زفرةً مبالغًا فيها.
“أعلم، كان فعلًا شنيعًا. لكنني كنتُ صغيرًا آنذاك. بدا الأمر ممتعًا للغاية لدرجة أنني لم أستطع تفويت الفرصة أمامي. ثم إن الموسم كان موسم تساقط كثيفٍ للثلوج. لا دليل، ولا أثرٌ واحد لذلك.”
“إذًا….لا أحد يعلم بما اقترفتَ؟”
“الأدق أنهم يتظاهرون بعدم العلم. أصلًا، بماذا يمكنهم اتهامي؟ أنا فقط.…”
أطلق صوت هواءٍ بفمه.
“حرّكت الريح قليلًا. هل تظنين أنني فعلتُ ذلك بدافع شرٍ حقيقي؟”
“بل فعلتَ.”
فابتسم الدوق ابتسامةً جانبية.
“صحيح، فعلت. لكن حتى لو كان كذلك، فلن يتغير شيء. لأن الجميع بحاجةٍ إليّ. فحتى لو اختفت بضع فِرق، فهي لا تساوي قيمتي وحدي.”
و عجزت فانيسا عن الكلام.
ترى، أيّهما كان سيكون أشد مرارة….ثمن الهزيمة، أم إطلاق وحشٍ كهذا في العالم؟
_____________________
ذاه متعدي جنون فيلياس بمراحل
على الاقل فيلياس انجن بعد الي مر به اما ذاه؟ مجنون خلقه
ودي افهم وش مستفيد الحين يوم خذاها؟ يبي يهدد فيلياس؟
صح وفرقة فيلياس الي ماتوا هم نفسهم الي قال لفانيسا كانوا اصدقائي؟☹️💔 Dana
التعليقات لهذا الفصل " 124"