“منذ زمنٍ بعيد، أنتِ من أخرجني من أوهامي. ومنذ ذلك اليوم….لم أرَ إنسانًا حيًا بوضوحٍ مثلكِ.”
كان يتحدث عن ذلك اليوم عند القناة الكبرى. حتى بعد كل هذه السنوات، ظلّ يتذكّر تلك اللحظة.
وتذكّرت فانيسا كيف صدّته ببرودٍ في غابة الشتاء في الماضي.
“لكن….يا سمو الدوق، ماذا لو أنني، بعد أن عدتُ من جديد….جرحتُ قلبكَ؟”
بدت الدهشة على وجه فيلياس للحظة. ثم نظر إليها بعينين كمن يرى أعزّ ما في هذا العالم.
“هل….هل يعني هذا أنكِ ستلتقين بي مرةً أخرى؟”
“….…”
لم تستطع فانيسا الاحتمال أكثر، فقفزت إلى حضنه. وعندما أحاطت خصره بذراعيها بقوة، شعرت بخفقان قلبه المرتبك.
“فيلياس.”
“….…”
“أنا آسفة.”
ثم لامست يدٌ مرتجفة كتف فانيسا.
“آنسة فانيسا، أتمنى فقط أن تكوني….بخيرٍ وسعيدة. هذا….كل ما أريده.”
“….أعلم.”
رفعت فانيسا رأسها ونظرت إليه مباشرة. و حفرت في ذاكرتها عينيه المرتبكتين وخدّيه المتورّدين.
“لا بدّ….لا بدّ أن نلتقي مجددًا.”
عندما قالت ذلك، ابتسم فيلياس بهدوء.
وعندما فتحت فانيسا عينيها من جديد، كانت تقف وحدها في سهلٍ مفتوح. عند مدخل القرية.
وأمام عينيها، كانت قرية لوكت الصغيرة تحترق.
***
“كلوديا!”
ركضت فانيسا.
“ماريا! كيل!”
رغم المسافة، كانت رائحة الدخان واضحة. فشعرت وكأن الدم يتجمّد في عروقها.
“لا….أرجوكِ، أرجوكِ.…!”
وبينما تعثّرت بحجرٍ واستعادت توازنها، سمعت وقع حوافر يقترب من خلفها.
فاجتاحها إحساسٌ مشؤوم.
“هاها، نيسا!”
كانت ضحكةً مألوفة.
استدارت فانيسا، متمنّيةً أن يكون كل هذا وهمًا. لكن كما توقّعت، كان أليكسي فاليندورف وحصانه الأبيض يقتربان بسرعةٍ مرعبة.
وهي تنظر بفراغٍ إلى الكمّ الأزرق الممدود نحو وجهها، تمتمت في سرّها.
‘ابن الكلب.…’
***
“ما الذي تريده بالضبط؟”
عند سؤال فانيسا، ابتسم الدوق ابتسامةً ماكرة.
“تعرفين يا نيسا، أليس من الأفضل أن تحذري قليلًا عندما تسألين رجلًا في مثل سني عمّا يريده؟ فالجواب عادةً واحد.”
“آاااه!!”
ثم لم تتمالك فانيسا نفسها وصرخت.
“أيها المجنون!! ماذا تريد مني بالضبط؟!”
وحين أخذت تضرب الكرسي بذراعيها المقيّدتين أمام صدرها، بدا عليه شيءٌ من الدهشة.
“اعترف….هذا أثارني قليلًا.”
“أنتَ مريضٌ فعلًا.…!”
كانت العربة تندفع بسرعةٍ جنونية.
لقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تتخلّص فانيسا من آثار استخدام السلطة. وعندما استعادت وعيها أخيرًا، كان الظلام قد خيّم خلف النافذة.
أول ما خطر ببالها كان مصير لوكت. كلوديا وكيل، لوسي وماريا….ماذا حلّ بأهل القرية؟
لقد رأت لوكت تحترق بعينيها، وكانت تتذكّر بوضوحٍ ذلك الهدوء الخانق الذي ساد حتى وسط ألسنة اللهب العاتية.
‘ربما….ربما الجميع قد.…’
بعد أن بلغ تفكيرها ذلك الحد، هزّت فانيسا رأسها بقوة.
لا شيء يمكن الجزم به، ولا فائدة واحدة من الاستسلام للتشاؤم.
لذا، ليس أمامها الآن سوى أن تؤمن بأن الجميع بخير.
‘تماسكي، وفكّري أولًا في طريقةٍ للخروج من هذا المأزق.’
لكن لم يخطر ببالها أيّ حل.
رغم الغثيان الذي يعصف بأحشائها، حاولت تقدير الاتجاه الذي تسلكه العربة، غير أن السماء الملبّدة لم يظهر فيها لا قمرٌ ولا نجوم.
‘فهو لو استطعتُ على الأقل معرفة وجهتنا….لا يبدو شخصًا تنجح معه الحرب النفسية….’
حتى لو كان دوقًا، فلا يعقل أنه ترك ساحة قتال محتدمةً وغادرها بهذه السهولة.
لا بد أن وراء ارتكابه هذا الفعل في هذا التوقيت دافعًا ما.
‘لو فكّرتُ بالأمر سريعًا….لعلّه استغلّ انشغال فيلياس في الخطوط الأمامية….لكن….’
وهو يراقبها، تحدّث الدوق بنبرةٍ يشوبها شيءٌ من الأسى.
“تعلمين، في المرة السابقة التي ألقيتُكِ فيها في البحر….تألّمتُ حقًا.”
“….…”
“قد لا يبدو الأمر كذلك، لكنني لستُ شخصًا عاطفيًا إلى هذا الحد. ومع ذلك، كلما فكّرتُ بكِ، أشعر وكأن شيئًا ما يغلي هنا. كأنني غاضب، أو ربما أشعر بالشفقة.…”
أطبقت فانيسا شفتيها بإحكام. فلم تعد ترغب في استنزاف طاقتها بالرد على هذا الهراء.
لكن الدوق، غير مكترث، واصل ثرثرته.
“فكّرتُ طويلًا في الأمر، وأظن….لعلّ هذا هو الحب.”
“….هاه.”
“انظري حتى الآن. لا يمكنكِ أن تتخيّلي ما الذي أرغب في فعله بكِ في هذه اللحظة. أنا أضبط نفسي طوال الوقت، أتحمّل، أتحمّل. أتعلمين كم هو نادرٌ هذا النوع من الحب المضحّي؟”
“ما الذي….يعانيه عقلكَ بالضبط.…؟”
وعندما سألتْه بذهول، أجابها بجديةٍ لافتة.
“هذا ليس اختصاصي، لكن ربما أفتقر إلى الحساسية.”
“الحساسية.…”
“وفوق ذلك، وُلدتُ بموهبةٍ نادرة، وفي طبقةٍ ذات امتيازات. طبيعيٌ أن أصبح شخصًا يسهل كرهه.”
وبعد أن أنهى شرحه، غمز بعينه وأضاف.
“ألا يذكّركِ هذا بشخصٍ ما؟”
فشدّت فانيسا على أسنانها.
“….فيلياس لا يشبهكَ إطلاقًا.”
“آه، حقًا؟”
و إلتوت شفتا الدوق.
“حسنًا، لا بأس. ربما لا تستطيعين قول ذلك الآن. لكن….لنؤجّل بقية الحديث. الطريق ما زال طويلًا.”
رفع الدوق عصاه وطرق بها سقف العربة مرتين، فازدادت سرعتها أكثر.
‘أليس هذا….وحشًا حقيقيًا؟’
فكّرت فانيسا وهي تنظر إليه، مستندًا بذقنه إلى يده، يحدّق في الظلام خارج النافذة بلا اكتراث.
كانت تشتمه بلا تردّد، لكن الحقيقة أنها كانت تخافه.
أحيانًا، كان ضحكه الهستيري وكلامه العبثي يبدوان وكأنهما تمثيل. لا، ليس تمثيلًا….بل أقرب إلى تقليد.
تقليدٌ للبشر.
من الصعب أن تتخلّص فانيسا من شيءٍ كهذا بقوتها وحدها. فندمت لأنها تركت السوار الذي منحها إياه فيلياس في أشوكا.
‘….سنلتقي مجددًا، أليس كذلك؟’
كادت الدموع أن تنهمر عند هذه الفكرة، لكن فانيسا تماسكت.
وفي تلك الأثناء، واصلت العربة اندفاعها بلا توقّفٍ عبر الأراضي القاحلة.
_____________________
وجع الحيوان شجابه الله ياخذك يامجنون انقلع😭
يوم فيلياس القديم قال كل الي بيبه دمعت وقلت خلاص ذي بتروح لفيلياس ركض وتضمه وتصير الحياه ورديه بعد الحريق طبعاً😔
التعليقات لهذا الفصل " 123"