“….ما هذا الهراء الذي تقوله منذ قليل؟ إن كنتَ تطمع بالعرش، فلم تكن بحاجةٍ إلى ارتكاب هذه الحماقة.”
لكن بدا وكأن كلماتِه لا تصل إلى فيلياس.
وكأن فكرةً خطرت له فجأة، استدار وصعد الرواق، ثم فتح الباب المؤدي إلى الممشى الداخلي. و قد تبعتْه فانيسا أثناء ذلك.
كان ذلك في الممر المعلّق الذي تصطفّ فيه اللوحات.
“آه.”
مشى فيلياس بخطواتٍ ثابتة دون تردّد، وتوقّف أمام إحدى اللوحات.
في داخل اللوحة الكبيرة كان هناك شخصان مرسومان. كونراد، وبجانبه زوجة ولي العهد بابتسامةٍ فارغة كدمية….فانيسا.
أمال فيلياس رأسه قليلًا إلى أحد الجانبين، ورفع نظره إلى اللوحة، وكأنه ينظر مباشرةً إلى وجه فانيسا.
وبعد لحظة، ارتسمت على وجهه ابتسامة. تلك الابتسامة المشرقة نفسها.
“جميلة.”
و ما إن تمتم بتلك الكلمة حتى اجتاحت النيران الممشى بأكمله.
***
عندما عادت فانيسا إلى الساحة الداخلية، مسحت دموعها بظاهر يدها. لم يكن من الحزن بقدر ما كان من الصدمة.
لم يكن فيلياس ليجلس على العرش، ما يعني أن العائلة الإمبراطورية في هذا البلد قد انتهت عند هذا الحد.
ربما كان أصل هذه المأساة كلّها أن قوةً تفوق قدرة البشر على الاحتمال قد وُهبت لإنسان.
سواءً أراد أم لم يُرِد، فقد وُلد فيلياس بسلطانٍ يفوق الجميع، وربما كان هذا المصير بانتظاره منذ البداية.
“حين أسّسنا أنا و كارل هذه الإمبراطورية….كان كل شيءٍ أبسط بكثير.”
مدّت ريمون يدها في الفراغ، فاستقرّ فجأةً فوق كفّها قطعةٌ ذهبية من عملة الإمبراطورية.
وبينما كانت تنظر إلى الملف الجانبي المنقوش للإمبراطور الأول، كارلوس ماغنوس، ابتسمت ريمون ابتسامةً خافتة.
“لكن العالم اتّسع وتعقّد….وفي لحظةٍ ما، لم أعد قادرةً على الجزم بأي شيء. ما الطريق الصواب، وهل يوجد أصلًا طريقٌ يُسمّى صوابًا؟”
“لكنّكِ….كيانٌ فائق، أليس كذلك؟”
قالت فانيسا ذلك باستغراب، فارتفعت عينا ريمون نحو النافذة المفتوحة على السماء.
“ببقائي إلى جواره، كنتُ شيئًا فشيئًا….أتحوّل إلى إنسانة. وعقل الإنسان ليس صلبًا بما يكفي ليحتمل الخلود.”
بدأت فانيسا تفهم على نحوٍ غامض. فهمت لماذا اختبأت ريمون، التي أسّست هذه الإمبراطورية ومنحت الخلود للإمبراطور الأول، في غابةٍ كهذه.
عندما سقطت إلى عالم الأرض، أخذت تتحوّل فعلًا إلى إنسانة.
مدفونةً تحت الثلج ألف عام، وقد فقدت قوّتها المطلقة، والآن….كانت هنا تنتظر الموت.
فتحت ريمون قبضتها التي كانت تعتصر العملة بقوة. و لم يبقَ في يدها شيء.
“ما تبقّى لي من خلودٍ استطعتُ بالكاد أن أبادله بزمن هذا العالم.”
“هل يعني ذلك أنكِ….يجب أن تموتي؟ من أجل إعادة الزمن؟”
“كان لا بدّ من ذلك. لأنني تدخّلتُ في عالم البشر وصنعتُ تشوّهًا. وجودي نفسه….كان أكبر متغيّرٍ في هذا العالم.”
“…….”
“كنتُ أؤمن يومًا ما بأن الزمن قد يحلّ الأمر. أنني سأضعف تدريجيًا، وحينها ستزول السلطة من تلقاء نفسها. لكن….وُلد ذلك الطفل. طفلٌ يحمل قوّتي وقوّة دِيل معًا.”
“هل كان فيلياس.…هل كان وجوده بحد ذاته هو المشكلة؟”
“القصة ليست بهذه البساطة. توازن العالم قد انهار، والقوى التي شكّلتها بدأت ترتدّ. نيرانٌ خرجت عن السيطرة وابتلعت كل ما على الأرض، وحتى بقوّتي لم أستطع إخماد نار دِليما.”
تذكّرت فانيسا فجأةً كلمات إيفانجلين عن “المرأة التي عادت من الشرق محمّلةً بلعنة”.
ثم تابعت ريمون.
“مجرد إعادة الزمن إلى الوراء لم تكن سوى وصفةٍ لتكرار المأساة نفسها. لذلك كان لا بد من الحفاظ على ذكرياتكِ.”
“لماذا أنا؟”
“لأنكِ كنتِ المالكة الأخيرة للتاج، وكانت الذكريات متجذّرةً فيكِ على أكمل وجه….والأهم من ذلك….”
توقّفت ريمون عن الكلام.
حفيف-
ثم صدر صوت خطواتٍ تشقّ طريقها بين النباتات الورقية.
“فانيسا.”
مدّت ريمون ذراعها وأمسكت بيد فانيسا.
“هذا الواقع ليس ثابتًا بالكامل. هو، إن صحّ التعبير، مجرد احتمال.”
“ماذا؟ إذًا.…”
“لا يمكننا ببساطة لفّ العالم كما لو كان نابض ساعة. إن فعلنا ذلك دون أي تضحية، سيلتوي الزمن.”
كانت الخطوات تقترب. بينما أمسكت ريمون بوجنتي فانيسا بكلتا يديها قبل أن تستدير.
“لا تظنّي أنني اكتفيتُ بمراقبة هذا العالم بلا مبالاة. لم يكن لديّ وقتٌ كافٍ.”
قالت ريمون ذلك بلهجةٍ حازمة، وكأنها تنقش الكلمات في عقل فانيسا.
“لكي نعيد الزمن، ولكي تصبحي أنتِ متغيّرًا فعّالًا، نحتاج إلى نقطة ارتكاز. يجب أن نُحطّم روح ذلك الطفل إربًا.”
“ذلك الطفل؟”
“هل تستطيعين فعل ذلك، يا فانيسا؟ لا.”
هزّت ريمون رأسها ثم غيّرت السؤال وسألت،
“هل يمكنكِ أن تقبلي التضحية عن طيب خاطر؟”
خشخشة-
وقبل أن تتمكّن من ترتيب أفكارها، اختفت جنية القمر.
و بين أشجار النخيل الزرقاء، كان يقف رجلٌ بلا وجه.
***
ظلّ فيلياس واقفًا في مكانه دون أن يتحرّك، حتى بعدما رأى فانيسا.
ومن خلال هيئته، أدركت فانيسا أنه جاء من عالم ما بعد موتها. فقد كانت تفوح منه رائحةٌ كثيفة من البارود والرماد.
ثم تقدّمت فانيسا نحوه ببطء.
لم تتخيّل يومًا فيلياس بعد موتها. لم يكن ذلك ممكنًا أصلاّ.
فمنذ زمنٍ كانت لا تعرفه فيه، كان هو يعرفها، وحتى في اللحظات التي ظنّت فيها أنها وحيدةٌ تمامًا، كان لا يزال يبذل قصارى جهده ليحميها.
“يا سمو الدوق.”
حتى تلك اللحظة، اهتزّ كتفا هذا الرجل الضخم ارتجافةً خفيفة.
وبعد صمتٍ طويل، فتح فمه أخيرًا بصوتٍ جاف.
“صاحبة السمو الأميرة القرينة….على الأرجح لا تعرفينني جيدًا. ولكن….هناك أمرٌ لا بد أن أخبركِ به.”
‘آه، إذًا هو لا يعلم.’
هذا الفيلياس لم يكن يعلم أن فانيسا في الماضي قد التقت به.
ومع ذلك، كان شعورًا غريبًا للغاية أن يُنادي عليها بلقب الأميرة القرينة.
“أنا….يا سمو الدوق، هل يمكنكَ أن تناديني باسمي فقط؟”
“….…”
“أرجوكَ.”
فأومأ برأسه إيماءةً صغيرة.
“حسنًا، آنسة فانيسا، قد يبدو هذا غريبًا.…”
وتابع بصوتٍ مرتجف.
“أعني أنني….لم أستطع حمايتكِ. لا أعرف تفاصيل ما تمرّين به الآن، لكن….لكي نمنع موتكِ ونعيد الزمن كاملًا.…”
ومن محاولته شرح الوضع لها، بدا واضحًا أنه هو أيضًا لا يعلم بأنها التقت ريمون.
“أمم….يا سمو الدوق. لستَ الوحيد الذي قابل الجنية.”
و لم يُجب فيلياس فورًا على كلمات فانيسا.
“هل يوجد هنا….شخصٌ آخر غيري التقى الآنسة فانيسا؟”
“….…”
لم تكن تتوقّع منه مزحةً كهذه في هذا الموقف.
أم هل كان جادًا؟
وعندما نظرت إليه فانيسا وقد عجزت عن الكلام، أمال رأسه قليلًا باستغراب.
“….غيري أنا. أقصد الجنية الحقيقية، ريمون.”
“آه.”
وبهذا، وجدت نفسها وقد وصفت ذاتها بالجنية بلسانها.
فتنحنحت فانيسا بخفّة. وعلى أي حال، بفضل ذلك، تلاشى التوتّر الذي كان يخيّم على المكان.
“أم….يا سمو الدوق، هل يمكننا التحدّث وجهًا لوجه؟”
تردّد فيلياس قليلًا عند طلبها، لكنه نزع عباءته في النهاية.
سرسرة-
كان هو، في مستقبله، يقف أمامها الآن، ينظر إليها بتعبيرٍ مشدود. وعندما رأته كذلك، شعرت فانيسا بألمٍ خفيفٍ في قلبها.
وأدركت أخيرًا كم كانت تشتاق إليه.
فأخذت فانيسا نفسًا عميقًا بهدوء.
“بحسب كلام ريمون….لكي نعيد الزمن، لا بد من تحطيم روح سموّ الدوق. لكن….أنا لا أفهم تمامًا ماذا يعني ذلك.”
طوال حديثها، كان فيلياس يحدّق في وجهها بذهول. وكأنه لا يصدّق أن فانيسا تقف أمامه الآن وتخاطبه مباشرة.
“أنا….هل تسمعني؟”
“بالطبع أسمعكِ. وبخصوص….مسألة روحي….فهي ليست أمرًا مهمًا على الإطلاق. ببساطة….يعني ذلك أنني يجب أن أموت موتًا مؤلمًا.”
“….ماذا قلتَ؟”
_______________________
يعني طلع الولد مضحي بنفسه عشان فانيسا ترجع😔 يوجع وهي عيت تضمه اخر مره
يله عالأقل فيلياس الثاني موجود والحين اعترفت انها اشتاقت له يعني خلاص الوضع حبي ووناسه صح؟🥲
التعليقات لهذا الفصل " 122"