تلك العينين التي كانت تلمع بلونٍ فضي، نظرت إليها وهي تحدّق في فانيسا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة.
“اقتربي واجلسي هنا.”
وفي لحظة، وُضع إلى جوارها كرسيٌّ آخر من الخيزران.
فجلست فانيسا في مكانها.
“هل أنتِ….السيدة هيرمين؟”
كان سؤالًا أحمق، لكن فانيسا استطاعت أن تدرك الأمر على نحوٍ غامض. هذا المكان لا وجود له في الواقع، وهذه المرأة أيضًا ليست كيانًا عاديًا.
“حسنًا….كيف يمكنني أن أشرح ذلك….السيدة هيرمين هي….أشبه بأثرٍ من آثار الزمن. وهذا المكان كذلك….كيف أقول….كأنه ترسّباتٌ من السنين.”
وعندما ارتسمت على وجه فانيسا ملامح عدم الفهم، ابتسمت المرأة ابتسامةً بدت عليها الحيرة قليلًا.
كانت مختلفةً تمامًا عن هيئتها في الحلم. فالمرأة الآن بدت….إنسانيةً على نحوٍ مفرط.
ثم تابعت المرأة كلامها.
“همم….سامحيني. لقد مر وقتٌ طويل جدًا منذ أن تحدثتُ مع إنسان. فمثلًا….لنقل أن الأمر يشبه هذا.”
وفجأة، كان في يدها شيءٌ مألوف.
“إنه تاج الدوقة، أليس كذلك؟”
“نعم، لقد كان من متعلقاتكِ.”
ترددت فانيسا لحظة، ثم أومأت برأسها.
“كان غنيمةً لإيفانجلين.”
“وقبل ذلك….كان ملكي.”
عندها تأكدت فانيسا. هذه المرأة هي الكيان الإمبراطوري القديم، واسمها الآخر هو….
“أنتِ ريمون.”
فابتسمت المرأة ابتسامةً باهتة.
“هكذا كانوا ينادونني أيضًا.”
جنية القمر التي وقعت في حب الإمبراطور الأول، ثم دُفنت حيّةً في جبالٍ ثلجية على يده.
“كل الأشياء التي تسكنها قوتي تميل إلى العودة إلى أصحابها. وحصولكِ على هذا….لا بد أنه لم يكن مصادفة.”
“إذًا في النهاية….هل عثرت إيفانجلين عليكِ؟ وجلبتكِ إلى هنا؟”
أغمضت ريمون عينيها ببطء.
“كنتُ مدفونةً في أحد جبال الجبهة الجنوبية لمدة ألف عام. وبسبب بقائي طويلًا في حالة خمول….عندما استيقظت، كنتُ ضعيفةً جدًا.”
هل تتذكر إيفانجلين هذا الأمر؟ أنها أخفت كائناّ قديمًا في كوخٍ داخل الغابة؟
وإن كانت هي فعلًا ذلك “الوجود القديم” الذي تبحث عنه الدولتان….
“حاولت إيفانجلين إيقاف الحرب بأي طريقة، لكن بجسدي المتهالك لم أستطع إثبات أي شيء. فمجرد اختفاء سبب خوض الحرب لا يعني بالضرورة أن يكون سببًا كافيًا لإيقافها.”
وكأنها تقرأ أفكار فانيسا، تحدّثت ريمون.
‘حتى وهي ضعيفة….تبقى جنية.’
“….إذًا، أنتِ من أعادني إلى الحياة.”
“ذلك….همم….أظن أن من الأفضل أن أريكِ بنفسي.”
ثم ناولت ريمون التاج إلى فانيسا. و تلقت فانيسا التاج دون وعي.
“إذاً….هذه المرة أيضًا، عليّ أن أقرأ الذكريات المتبقية هنا؟”
تسللت إلى سمعها أصوات احتكاكٍ خفيفة، ثم أظلم كل شيءٍ من حولها. وعندما فتحت عينيها، كانت تقف في مكانٍ غريب.
“أمثالكَ هم من يُطلق عليهم اسم المنافقين.”
كان صوتًا مشبعًا بالاشمئزاز.
رفعت رأسها فرأت فيلياس، وقد أخفى وجهه. فارتجفت فانيسا لا إراديًا، لكنها سرعان ما تماسكت ونظرت حولها.
كان المكان مكتبةً خاصة بأحدهم. وكان ولي العهد جالسًا واهنًا على حافة النافذة، يدخن سيجارًا.
ربما كان في حدود الثانية والثلاثين من عمره. إن كان الأمر كذلك، فحادثة سقوطه عن صهوة الحصان لم تعد بعيدة.
“….أنا أعلم ذلك، فلا تضغط عليّ أكثر.”
تمتم ولي العهد بصوتٍ مبحوح.
“هل كنتَ تتمنى لها أن تعيش طويلًا؟ أن تستمر في حياةٍ بائسة دون أن تعرف حتى من تكون؟”
من كلمات فيلياس، استطاعت فانيسا أن تستنتج.
‘إيفانجلين….ماتت.’
“انتهاء شقائها لا يعني أن ذنبي قد زال.”
فسخر فيلياس باستخفافٍ عند سماعه كلام ولي العهد.
“إذًا، هل ستتوقف عند هذا الحد؟”
“….…”
“لو رأى الناس هذا المشهد لانقلبوا رأسًا على عقب. وإن خرجتَ من معادلة السلطة، فسيكون كونراد أول من يُغتال.”
“ومنذ متى وأنتَ تهتم بكونراد؟”
لم يُجب فيلياس على سؤال ولي العهد. لكن كان واضحًا أن من يقلقه ليس كونراد، بل زوجته….فانيسا.
“يا لكَ من ضعيف.”
ثم استدار وخرج من الغرفة دون أن يقول كلمةً أخرى.
لحقت فانيسا به إلى الممر. و كان هناك رجلٌ مألوف ينتظر فيلياس أمام الباب.
“رينيه.”
أشار فيلياس برأسه نحو غرفة ولي العهد، وأصدر أوامره بصوتٍ منخفض.
“راقبه، وتأكد من أنه لا يقوم بحماقة. وإن حدث أن….”
توقف فيلياس فجأةً عن الكلام. و ظل واقفًا يحدّق من النافذة المطلة على الحديقة.
حوّلت فانيسا نظرها أيضًا. و كان هناك من يدخل عبر الممر الممتد بين الأشجار.
امرأةٌ ذات شعرٍ أحمر، متأنقةٌ بأبهى الزينة، تقود خلفها مجموعةً من الوصيفات.
‘تلك….أنا.’
كانت هي نفسها بعد ثماني سنوات، كما تتذكرها فانيسا.
رؤيتها لنفسها بهذا الشكل بدت غريبةً للغاية. فقد كانت أنحف مما هي عليه الآن، وتعابير وجهها باردة.
وعندما أدارت رأسها بلا اكتراث نحو هذا الاتجاه، تراجع فيلياس خطوةً إلى الخلف متوترًا.
“….سيدي؟”
“إن خرج ولي العهد عن السيطرة.…”
أكمل فيلياس بصوتٍ خافتٍ وثقيل.
“أبلغوا سمو الأميرة القرينة….أبدًا….إياكم أن تغادروا العاصمة.”
فانحنى رينيه مطيعًا.
توقّف فيلياس لحظةً يحدّق في ظهر فانيسا وهي تبتعد، ثم سرعان ما استدار وبدأ يسير في الاتجاه المعاكس.
ترددت فانيسا، متسائلةً أيّهما يجب أن تتبعه، لكنها سرعان ما أدركت أن ذلك لم يعد ضروريًا. فكما لو أن مشهدًا يتبدّل داخل حلم، بدأ الفضاء أمام عينيها يتغير بسرعة.
وفي اللحظة التالية، وجدت فانيسا نفسها واقفةً في القاعة الرئيسية للقصر الإمبراطوري.
دويّ-
سقطت آلية قفل البوابة المحطمة وهي تُصدر صوتًا معدنيًا أجوف.
وقبل أن تدير فانيسا رأسها، فُتح الباب بعنف، واندفع دخانٌ خانق إلى داخل القلعة.
‘رائحة البارود.’
تبع ذلك وقع أحذيةٍ عسكرية، وصيحات جنودٍ يصرخون بشراسة.
ثم ذلك الظل الأسود الثقيل الذي كان يجرّ قدميه إلى الداخل.
“….فيلياس؟”
توقف فيلياس في منتصف الرواق، ثم أطلق زفرةً طويلة فجأة، ورفع ذراعه لينزع الغطاء عن رأسه بلا مبالاة.
انسدل شعره الأسود الطويل على كتفيه، وظهر وجهه الشاحب تحت أضواء المشاعل.
كان يبدو مرهقًا إلى حدٍ مرعب، ومع ذلك ظل وجهه متكاملًا على نحوٍ غير واقعي.
لكن كحدسٍ فطري، أدركت فانيسا الحقيقة. أنها ترى المستقبل بعد موتها.
“فيلياس ليونهارت سايران!”
وعندما التفتت، كان الإمبراطور يقف هناك بوجهٍ مشوّهٍ بالغضب.
بدا أكثر شيخوخةً بكثيرٍ مما كان عليه حين رأته آخر مرةٍ قبل مغادرته العاصمة مع كونراد. فقد خسر ابنيه معًا في ليلةٍ واحدة، ولم يكن من الممكن أن يظل عاقلًا بعدها.
“ما الذي تظن نفسكَ فاعلًا؟! هل تنوي إحراق العاصمة عن بكرة أبيها؟!”
صرخ الإمبراطور، لكن فيلياس لم يبدُ مضطربًا، بل تمتم وكأنه يحدّث نفسه.
“هناك شيءٌ ناقص.”
“ماذا.…؟”
“إنه ناقص، أرتور. اسمي الأوسط. ألا تتذكر؟ لقد أضفتَه نسبةً إلى اسم الأمير الذي مات صغيرًا.”
لم يفعل الإمبراطور سوى تحريك شفتيه بصمت. ولم يكن فيلياس ينتظر جوابًا على ما يبدو.
رفع فيلياس يده اليمنى فوق رأسه، وبدأ يتأملها من كل زاوية. كما لو كان ينظر إلى شيءٍ غريب، وكأنها ليست جزءًا من جسده، بل جسم دخيلٍ شاذ.
ثم تحدّث،
“لكن أليس هذا غريبًا؟ أنا ميتٌ بالفعل. ومع ذلك….في بعض الأحيان، أشعر بكل شيءٍ بهذه الواقعية. الدخان….والحرارة.”
حدّق الإمبراطور في أخيه غير الشقيق بذهول، بعينين تنظران إلى مجنون.
“الدوق باستيان قُتل!!”
صرخ أحدهم من خلف الباب المغلق، أعقبته هتافاتٌ صاخبة.
“علّقوا رأسه على أسوار القلعة!”
فانهار الإمبراطور جالسًا في مكانه.
أخيرًا أنزل فيلياس يده، ونظر إلى الإمبراطور من علٍ.
“قل لي، أرتور….هل ترى وجهي؟”
“….…”
“يبدو أنني أضرمتُ النار في القصر الإمبراطوري فعلًا.”
“ما الذي….ما هذا.…؟”
أطلق فيلياس ضحكةً خافتة، لكن ملامحه لم تكن تضحك على الإطلاق.
“لا، لأنني في الحقيقة….كنتُ أتمنى ذلك دائمًا. أن تموتوا جميعًا….مختنقين بالدخان. وفي النهاية، لم يتحقق ذلك إلا بعد أن متّ. كنتُ أظن الأمر سيكون سهلًا….لكن، يا له من إحباط.”
التعليقات لهذا الفصل " 121"