سأل فريدريش المبعوثَ، وهو ما يزال مذهولًا من النبأ العاجل.
فأجاب المبعوث بوجهٍ ثقيل،
“لم تُحَدَّد بعدُ حصيلة الخسائر بدقة، لكن معظم القرية احترقت بالكامل، ويُقال أن الآنسة، كونتيسة لانغ، لا يُعرف مكانها.”
في فجرٍ لم تشرق فيه الشمس بعد. الخبر الذي جلبه المبعوث كان اثنين.
أولًا، العاصمة الملكية لسايروس احترقت واختفت دون أن تترك أثرًا.
ثانيًا، قرية لوكت الصغيرة في الشرق احترقت بالطريقة نفسها.
“ما الذي يحدث بحق.…؟”
حاول فريدريش أن يحافظ على هدوئه. فالتصرف بعاطفيةٍ لن يحل شيئًا. لكنّه لم يكن يعرف حتى من أين يبدأ.
“سموك!!”
في تلك اللحظة، اندفع أحد الخدم شاحب الوجه إلى الداخل.
“جيش الدوقية الكبرى وصل إلى القصر الإمبراطوري!”
“فيلياس….عاد بالفعل؟”
بما أنه بطل هذا النصر، فمن الطبيعي أن يُستقبَل استقبالًا يليق به. لكن حتى لمراسم النصر ترتيبها.
كان انتهاء الحرب عبثيًا بحق. لا إعلان استسلام، ولا معاهدة سلام. ملك الدولة المعادية الذي كان يجب أن يوقّع الوثائق قُتل، وورثة العرش إما قُتلوا أو أُسروا.
وكل ذلك على يد رجلٍ واحد، ومعه حفنةٌ من الجنود فقط.
وبمشاعر معقدة، أسرع فريدريش خطاه. و بعد قليل، وصل إلى القاعة الرئيسية في القصر الداخلي.
فُتِح الباب، ودخل فيلياس إلى القصر، يقود جنوده دون أن يترجل حتى عن جواده.
“هكذا يعامل هذا القصر اللعين جنرال النصر؟”
ثم قال ذلك ساخرًا.
كان منظر كتيبة جنود الدوقية الكبرى بالزي الأسود وهم يسدّون المدخل مخيفًا بما فيه الكفاية.
“هل أنتَ بكامل قواك العقلية؟”
و سأل فريدريش وهو يركض نزولًا على الدرج.
“حتى هذا السؤال صار يبعث على السأم. أين أرتور؟”
قال فيلياس ذلك دون أن يغيّر تعبيره. فضغط فريدريش على جبينه.
“الأهم أولًا أن تشرح ما حدث. ماذا جرى في سايروس بالضبط؟”
“وما الذي تريدني أن أشرحه؟ أنتَ من قلت أنني قادرٌ على تحويل مملكة سايروس إلى رمادٍ بمفردي.”
‘هناك….شيءٌ غير طبيعي.’
نبرة فيلياس الساخرة كانت كعادتها، لكن نظرته كانت منحرفةً على نحو غريب.
ثم اقترب فريدريش منه ببطء وسأله،
“الآنسة لانغ….ماذا حدث لها؟”
فارتعشت عينا فيلياس بعنف.
“لم تمت.”
“ماذا؟”
و قطّب فريدريش حاجبيه.
“قلتُ أنها لم تمت. لا تنظر إليّ بتلك الطريقة.”
“هذا لا….لا، لم أقصد ذلك.…”
لكن فيلياس اكتفى بهز رأسه وهو يكرر الكلمات نفسها بلا نهاية.
عندها أدرك فريدريش. فيلياس لم يكن في حالةٍ تسمح له بفهم الكلام على نحو سليم.
“يبدو أنكَ….لا تعرف مكانها أنتَ أيضًا.”
لم يُجب فيلياس. أو لعلّه لم يستطع.
“ما كل هذه الضوضاء؟”
في تلك اللحظة، ظهر الإمبراطور. فرفع فيلياس رأسه.
“ها قد خرجتَ أخيرًا من جحركَ. هل نعمتَ بالراحة بينما كنتُ أنا أتخبط في الوحل؟”
نظر الإمبراطور إلى فيلياس بعينين باردتين، ثم أشار إلى الحرس الإمبراطوري المتجمدين في أماكنهم.
“اقتادوه.”
“جلالة الإمبراطور؟”
فنظر فريدريش إليه مذهولًا.
“فيلياس سايران، وُجدت دلائل على تآمركَ على التمرد. إلى أن تتأكد التهم، سأضعكَ قيد الإقامة الجبرية في قصر بيسينتي.”
لكن حتى بعد أمر الإمبراطور، لم يجرؤ الحرس على التقدم بسهولة. وهذا طبيعي. من ذا الذي يستطيع اقتياد فيلياس سايران أصلًا؟
ثم تمرد؟ ما الذي يعنيه ذلك بحق.…؟
عندها، ومضت فكرةٌ في ذهن فريدريش.
“يا دوق، أين السيد سوريل الآن؟”
“لديكَ دائمًا….أسئلةٌ كثيرة.”
تمتم فيلياس.
“لكن، لا بأس. ستعرف قريبًا.…”
فارتجف جسد فريدريش لشعوره بنذير شؤم.
ما الذي يحدث في هذه البلاد؟ أياً يكن، كان واضحًا أن فريدريش عاجزٌ عن فعل أي شيء.
***
بالعودة بالزمن أربعة أيام قبل “موكب نصر” فيلياس.
كانت فانيسا قد استيقظت باكرًا وتهيأت للخروج. فتحت خزانة الملابس لتخرج معطفًا، لكن فستانًا غريبًا معلّقًا في أحد الجوانب لفت انتباهها.
“آه….كان معلّقًا هنا.”
كان ذلك الفستان ذا اللون الخوخي الذي ارتدته يوم حفل افتتاح يوم التأسيس.
كان ثمنه باهظًا إلى درجة لا تسمح بوضعه في الخزانة كيفما اتفقت.
كان ينبغي تعليقه والعناية به على حده كي لا تتكوّن فيه التجاعيد، لكن ما منعها من ذلك هو بقع الدم الواضحة التي بقيت على الصدر وحاشية التنورة.
وكما قال فيلياس ذات يوم، فإن الدم الذي أراقه لا يُمحى بسهولة.
لم يتغيّر لونه، ولم يتفتت، بل بقي على حاله كآثار قرمزية زاهية.
‘ربما من الأفضل أن أتخلّص منه ببساطة.’
لكن فانيسا هزّت رأسها. مهما يكن، لا يمكنني رميه هكذا. بغضّ النظر عن ثمنه، إنه عملٌ صنعه حرفيٌ وهو يصبّ فيه كل جهده.
“….…”
ومع ذلك، ظلّ الفستان جميلًا.
حين مرّرت أصابعها بين الأكمام المتمايلة، ارتسمت قاعة الحفل في ذلك اليوم أمام عينيها تلقائيًا.
“كنت أفكّر بكِ طوال الوقت.”
قال فيلياس ذلك دون أدنى مبالغة.
كانت فانيسا قد أخذته إلى الحديقة، وكل ما حدث هناك بعد ذلك….
غرقت فانيسا في أفكارها لبرهة، ثم هزّت رأسها بقوة. و انتزعت المعطف كما لو كانت تخطفه، ثم أغلقت باب الخزانة.
اليوم كان عليها أن توصل الطعام إلى السيدة هيرمين بدلًا من كلوديا الراقدة مريضةً بالزكام.
حين امتطت الحصان وخرجت من أطراف القرية، انبسط أمامها سهل الربيع الواسع.
كان موسم ذوبان الأرض المتجمدة وهبوب الرياح الدافئة، وقريبًا سيبدأ موسم البذر، وعندها سينشغل السكان وفانيسا أيضًا.
وعندما ينشغل الجسد بالحركة، تقلّ الأفكار عنه. فلا شك أن ازدياد كآبتها مؤخرًا سببه أنها باتت تفكّر أكثر من اللازم.
“….…”
وبينما كانت تفكّر في شتى الأمور، وصلت فانيسا إلى كوخ السيدة هيرمين.
و طرقت الباب، لكن لم يأتِها رد، كما توقعت.
“سيدتي، أنا فانيسا! جلبت اليوم بعض الحساء!”
نادتها وهي تفتح الباب، لكن غرفة الجلوس كانت خاليةً تمامًا.
“أين ذهبت.…؟”
وضعت فانيسا القدر المملوء باليخنة على الطاولة، ثم أخذت تتلفت حولها قبل أن تنظر من النافذة.
‘هل خرجت في نزهة؟’
راودتها فكرة العودة، لكنها شعرت أنه من الأفضل التأكد من أن السيدة بخير.
في الآونة الأخيرة كانت فرقة الحراسة المؤلفة من ماريا ورجالها تقوم بدورياتٍ منتظمة في الغابة القريبة. ولحسن الحظ، لم يُشاهد مؤخرًا أي شخص مريب، لكن لا أحد يعلم إن كانت الحيوانات التي استيقظت من سباتها الشتوي تتجوّل هناك.
“لنبدأ بالحديقة.”
وبينما كانت تفكّر بذلك، أمسكت دون قصد بمقبض باب المطبخ، فشعرت فانيسا بإحساس غريبٍ بالانفصال.
كان الأمر كما لو أن الفضاء المحيط قد بدأ يتشوّه.
وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب بصوتٍ خافت، اجتاحها دوارٌ مفاجئ فأغمضت عينيها بإحكام.
وعندما فتحت عينيها من جديد، كانت فانيسا في القصر الإمبراطوري.
“هاه….؟”
تساءلت إن كانت تحلم، لكن الأمر كان مختلفًا. فاقتربت ولمست الجدار وشعرت بإحساسٍ حيّ واضح.
كان ذلك بلا شك ممرّ القصر الإمبراطوري الرئيسي.
“همم….على أي حال.…”
رغم ارتباكها، بدأت فانيسا بالسير. ولحسن الحظ، كان بإمكانها تخمين مكانها.
الطابق الأول من القصر الرئيسي بلا شك. إذا اجتازت هذا الممر فستصل إلى المساحة المؤدية إلى القاعة الكبرى.
في تلك اللحظة، لفت نظرها من خلال نافذةٍ تطل على الفناء الداخلي شعرٌ أبيض مألوف.
“السيدة هيرمين؟”
فتحت فانيسا الباب وخرجت إلى الخارج. لكن الفناء كان مختلفًا قليلًا….لا، بل مختلفًا كثيرًا عمّا تتذكره.
بدل الشجيرات المزهرة المرتّبة، كانت النباتات الورقية الخضراء تملأ المكان. و أوراقها النضرة كانت تلامس ركبتي فانيسا كلما تقدّمت.
وأخيرًا، حين وصلت إلى الباحة التي تغمرها أشعة الشمس، رأت امرأةً ذات شعر أبيض جالسةً على كرسيٍ من الخيزران.
لكنها لم تكن السيدة هيرمين.
“ديل….أنا….أحرقتُ العالم.…”
كانت هي المرأة ذات الشعر الأبيض التي رأتها في أحد الأحلام سابقًا، تبكي وهي تهذي بكلماتٍ غير مفهومة.
اقتربت فانيسا منها. ففتحت المرأة عينيها بعد أن كانت مغمضتهما تستمتع بدفء الشمس.
كان فستانها أبيض ناعمًا يشبه ما كان يرتديه القدماء، وكانت قدماها الموضوعتان بانضباطٍ حافيتين.
التعليقات لهذا الفصل " 120"