[ذلك المبلغ الضخم الذي تلقيته مقابل التوقيع على تعهّد السرية….تبيّن لاحقًا أنه لم يكن من مال الدوق فالندورف.
وليس معنى أنني أخذتُ المال منه أنني يجب أن أسامحه. لكن يا فانيسا، هو كان حبيبكِ، ولا علاقة له بي من الأساس.
بل في الحقيقة، لو دقّقنا، فهو شخصٌ لم يكن مقدّرًا لي أن ألتقيه في حياتي أصلًا.
على أي حال، وبشكلٍ غير مباشر، لقد ساعدني، لذا لا أحمل له ضغينةً خاصة. لا بدّ أن بين كبار النبلاء مواقف سياسية متشابكة أيضًا.
والأهم يا فانيسا، أنكِ ما زلتِ صديقتي العزيزة، وأنا أتمنى لكِ السعادة دائمًا.
لا أعرف بالضبط لماذا خاب أملكِ، ولا لماذا غادرتِ المدينة التي أحببتِها. لكن إن كنتُ أنا أحد تلك الأسباب، فأرجو ألا تحملي في قلبكِ شعورًا بالذنب. ففي النهاية، من يستحق اللوم هو دوق فالندورف، لا الدوق الأكبر خاصتكِ.
أمم….الحديث في مثل هذه الأمور محرجٌ فعلًا.
حسنًا، أظن أنكِ فهمتِ ما أريد قوله على أي حال. سأتوقف هنا. انتبهي لنفسكِ من الزكام، وسأكتب لكِ مجددًا قريبًا.
مايسون.]
***
كانت سلاسل الجبال في الجبهة الجنوبية مغطاةً بالثلوج طوال العام. ولولا أن هذا المكان ساحة حرب، لكان إيريك قد وقع في أسر جمال تلك القمم الشاهقة البعيدة.
كوووانغ-
ارتمى إيريك على بطنه وغطّى رأسه بذراعيه.
“كارلسون!!”
هزّ القصف الأرض، ولم يكن بالإمكان التنفس وسط الدخان الخانق.
لم يعد يعرف إن كان ما يبلل خديه دموعًا انعكاسية أم دموع رعب.
“إيريك كارلسون!!”
رفع رأسه على وقع قبضةٍ خشنة، فقام مارتن، زميله الجندي، بركل ساقه بقسوة.
“انهض فورًا!! أيها القروي اللعين!!”
“أنا….أنا لم أعد أستطيع….”
قالها إيريك ذلك وهو يرتجف، فبصق مارتن شتيمة، وركله مرةً أخرى ثم ركض مبتعدًا.
“حافظوا على الصف!! الصف.…!”
سقط قائد الفصيلة وهو يصرخ بكلماتٍ متقطعة، مصابًا بنيران العدو.
ثم كوووانغ-
بقذيفةٍ أخرى، تمزّق مارتن وهو يحاول الفرار وتطاير جسده.
“لماذا….لماذا حدث هذا؟ لم يخبرنا أحدٌ أن الأمر سيكون هكذا. هذا….هذا ليس حتى خط المواجهة!”
بالنسبة لإيريك، الذي وُلد في لوكت وعاش طوال حياته في ظل والده، بدت هذه المشاركة في الحرب فرصةً لإثبات ذاته.
فرصةً للقتال من أجل الإمبراطورية وانتزاع نصرٍ مجيد.
ولهذا انضم سرًا إلى جيش الإمبراطورية، رغم أن السيدة الإقطاعية الجديدة كانت قد دفعت بدل خدمته العسكرية.
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا عما تخيّله.
“تبًّا للإمبراطورية اللعينة!!”
حتى على وجوه جنود العدو المتقدمين بزيّهم الأحمر، كان يلوح اليأس نفسه. لم يكن أحدٌ منهم يعرف حقًا لأجل ماذا يقاتل.
‘سأموت هنا.’
وفي اللحظة التي خطرت فيها هذه الفكرة لإيريك….
“إنها قوات الإسناد!! فرسان الدوقية الكبرى وصلوا!!”
دوّى صهيل الخيول وضرب حوافرها الأرض.
ومع تراجع إطلاق النار المرتبك من جانب العدو، أسرع إيريك يختبئ خلف كومة تراب.
كان سلاح الفرسان بالزيّ الأسود يندفع نزولًا من التل المنحدر. وفي مقدمتهم كان ذلك الرجل الذي لم يسمع عنه إيريك سوى في الشائعات.
‘لهيب ساحة المعركة.’
صرخ قائد جيش سايروس بشيءٍ ما، لكن صخب الأصوات من كل جانب حال دون تمييز كلماته.
وفي تلك الأثناء، كان الرجل بلا وجه وفرسانه يقتربون من خط القتال بسرعةٍ جنونية.
كوووانغ-
تعالت أصوات الإطلاق تباعًا، لكن الفرسان لم يبطئوا.
ثم رأى إيريك، وسط الدخان الخانق، الدوق الأكبر يرفع ذراعه ويشير إلى مكانٍ ما. و ظن أنه يصدر أمرًا، لكنه كان مخطئًا.
كراااش-
بحركة يدٍ واحدة، مُسحت قذائف العدو من الجو تمامًا، وتبدد دخان البارود كأشباحٍ ذات إرادة.
ظل إيريك ملتصقًا بكومة التراب، يحدّق بذهولٍ في الفرسان وهم يندفعون بين صفوف المشاة. و تبعثرت تشكيلات العدو، وبدأ الجنود قليلو الخبرة يصرخون ويفرّون.
“عودوا! عودوا أيها الحمقى!”
صرخ ضابطٌ على ظهر حصانه، لكنه ما لبث أن استدار مذعورًا هو الآخر. إذ اعترض طريقه لهيبٌ هائل.
لهيبٌ عظيم أحرق الأرض والهواء، وبين ألسنته رأى إيريك ظهور الفرسان وهم يندفعون إلى الأمام.
عندها فكّر: هذا ليس المكان الذي أنتمي إليه.
***
بعد ذلك، كانت المعركة من طرفٍ واحد إلى حدّ بعيد.
جنود الدوقية الكبرى اكتسحوا العدو حرفيًا، ولم يبقَ من مهمة المجندين الجدد سوى جمع جثث القتلى.
وبعد قليل، استعاد إيريك وعيه داخل خيمةٍ غريبة، بعدما كان فاقد الذهول تمامًا.
“إيريك. إيريك كارلسون، صحيح؟”
“نعم؟ آه، نعم، صحيح.”
كان يدرك أنه أجاب إجابةً حمقاء، لكن ذاكرته ما زالت ضبابية.
يبدو أنه استُدعي أثناء انسحابه واقتيد إلى مكانٍ ما، لكنه لا يتذكر بأمر مَن كان ذلك.
‘من قال أنه….هذا الرجل؟’
ابتسم الطرف الآخر ابتسامةً أشبه بابتسامة شرير، وكأنه قرأ أفكاره، و تحدّث،
“رينيه. الكونت رينيه. قيل لي أنكَ الوحيد هنا القادم من الشرق، أليس كذلك؟”
“صحيح. وبالتحديد….أنا من لوكت في الجنوب.”
فأضاءت عينا رينيه باهتمام.
“لوكت، إذًا. سمعتُ عنها كثيرًا. يُقال إن السيدة الإقطاعية الشابة هناك دفعت بدل الخدمة العسكرية لكل سكان الإقليم بالذهب.…”
“….…”
“هل تسمح لي أن أسألكَ؟ لماذا أنتَ هنا؟”
فأطرق إيريك رأسه.
“لأنني….كنت ساذجًا يا سيدي الكونت.”
وبمجرد أن نطق بذلك، أدرك الأمر أخيرًا.
كان شابًا قوي البنية، فظن أنه قادرٌ على تحقيق إنجازٍ ما. وحتى لو مات هنا، فقد اعتقد أن الموت من أجل الوطن سيكون شرفًا.
لكن بعدما رآه بعينيه، فهم الحقيقة. لا يوجد أي مجدٍ في ساحة الحرب. لا شيء سوى البرد، والخوف، والموت.
“همم….تعال نمشِ قليلًا.”
تبع إيريك رينيه إلى خارج الخيمة. و كان الشفق يهبط على ساحة المعركة الخالية.
فشل هجوم سايروس. أُبيدت الطليعة، وبدأت قوات دعم الإمبراطورية التي وصلت متأخرةً بمطاردة الفارين.
وسمع أن الدوق الأكبر وفرسانه عادوا إلى الخطوط الأمامية فور استقرار الوضع. كما سمع بعض الضباط يقولون أن تلقي دعم دوقية العظمى لم يكن سوى ضربة حظ.
“الهدف النهائي من هذه الحرب….كما تعلم على الأرجح، هو العثور على القوة القديمة المدفونة في مكانٍ ما بين هذه الجبال.”
قال رينيه ذلك وهو يشير بيده إلى القمم المصبوغة باللون الأحمر.
“نعم، أعلم ذلك.”
“لكن….يبدو أن قلةً فقط ما زالت تصدق هذا. جلالة الإمبراطور واقعيٌ أكثر من اللازم….وسيدي أيضًا.…”
ضحك رينيه بخفة.
“كان يقول لي: لا تتفوه بمثل هذا الهراء أمامي.”
“آه….سيدكَ….تقصد.”
“لقد رأيته بنفسكَ. الدوق الأكبر فيلياس سايران، الذي كان في مقدمة سلاح الفرسان قبل قليل.”
فأومأ إيريك برأسه.
لم يره إلا لمحةً عابرة، لكنها كانت كافيةً ليعلم أنه خاض مئات المعارك الكبيرة والصغيرة كهذه. و لا بد أنه انتصر مراتٍ لا تحصى ونال الإشادة مرارًا.
لا الرصاص ولا القصف كانا ليخيفاه. لكن، هل هذا حقًا هو المستقبل المجيد الذي حلم به إيريك؟
“مع ذلك، لا يمكننا ببساطة أن نترك تلك الجبال تقع في يد سايروس. لكنني أنا أيضًا….لستُ شخصًا يليق بساحة المعركة. انظر، هذه أصابع مهيأةٌ أكثر لحسابات المِعداد.”
لوّح رينيه بيديه الاثنتين مازحًا. و لم يعرف إيريك بماذا يجيب.
“أنتَ في الأصل مزارع، أليس كذلك؟”
“آه….نعم، صحيح. جدي ووالدي حرثا حقول الذرة التي ورثناها جيلًا بعد جيل.”
“إذًا أنتَ بارعٌ في الحفر بالمجرفة؟”
“….عفوًا؟”
“سأضمكَ إلى فرقة الاستطلاع. ما إن نعثر على ذلك الكيان القديم أو أيًّا كان، تنتهي هذه الحرب اللعينة. وحينها قد تصبح أنتَ أحد أبطال إنهائها.”
ربت رينيه على ظهر إيريك بقوة حتى صدر صوتٌ واضح.
“لكن حتى إن حدث ذلك، لا تحاول أن تجد المجد هناك.”
فسأل إيريك وهو يفرك ظهره المؤلم،
“ولماذا؟ في معسكر تدريب المجندين كانوا يقولون-”
“آه، لا تفكر حتى في التفوه بمثل هذا الهراء أمامي.”
قال ذلك وهو يومئ برأسه نحو ساحة المعركة التي ما زال الدخان يتصاعد منها.
“كيف يمكن لهذا أن يكون مجدي؟ من الأساس، هذه ليست حربِي.”
فأطبق إيريك فمه بإحكام.
و كانت هناك أسرابٌ من الطيور تحط فوق أكوام الجثث التي جُمعت على عجل.
***
ثم جاء الربيع. وانتهت الحرب.
_______________________
اخيراااااا يله وقت التسامح؟
التسامح ولا النخيل؟ هااااهاهاها لا بس ذي بقالات في الديره
مايسون شايف نفسه المشكله انه صادق بس عنه شايف نفسه
التعليقات لهذا الفصل " 119"