كان يبدو عليه الوهن بوضوح. وبسبب ذلك برزت ملامح عظام الحاجبين أكثر، فبدت هيئته أشد حدّةً مما كانت عليه قبل شهرين.
لكن نظراته حين كان ينظر إلى فانيسا كانت مضطربةً إلى حدٍ موجع. وفي النهاية، لم تحتمل فانيسا ذلك فحوّلت بصرها عنه. فرؤية هذا الوجه كانت مؤلمةً للقلب أكثر مما تحتمل.
“لماذا….كان هناك جنديٌ فارّ في مكانٍ كهذا؟”
سألت فانيسا على نحو متكلّف، فبدا أن فيلياس ارتاح قليلًا.
“سايروس….تجنّد شعبها قسرًا. والعائلة المالكة في سايروس لا تملك القدرة على الإبقاء على جيشٍ ضخم كهذا. و ذلك الجندي قبل قليل….على الأرجح لم يتلقَّ معاملةً لائقة.”
عبارة “لم يتلقَّ معاملةً لائقة” لا بد أنها كانت صياغةً مخففة جدًا للواقع. فمن يعبر ذلك الحاجز المائي المرعب وحيدًا في هذا الشتاء، لا بد أنه كان مستعدًا للموت.
ومع ذلك، أن يقتل صيادًا بريئًا لا ذنب له.…
“إذًا….وماذا عنكَ، يا دوق؟ لماذا أنتَ هنا؟”
هذه المرة لم يستطع الإجابة بسهولة.
لقد التزم فيلياس حتى الآن بطلبها ألا يبحث عنها وألا يرسل أحدًا خلفها. ولهذا كانت فانيسا تظنه منشغلًا كعادته بأموره.
‘لأنه في الأصل شخصٌ صارم كالسيف.’
كانت فانيسا قد قبضت على يدها دون أن تشعر، ثم أدركت أنها ما تزال تمسك برسالة شان.
وبالتفكير في الأمر، كان التوقيت غريبًا على نحو لافت.
“هل….هذه من عندكَ، يا دوق؟”
حين ناولته الورقة، مدّ فيلياس يده بالمقابل. و كان طرف أصابعه الذي لامسها باردًا كالجليد.
“….لا علم لي بالأمر.”
ثم تنفّس فيلياس زفرةً ثقيلة.
“أعلم أنكِ لم تعودي تثقين بي….لكنني حقًا….لا أعرف شيئًا عن هذا. حالما أعود إلى أشوكا سأحاسب مساعدي فورًا-”
“لا تفعل.”
قاطعت فانيسا كلماته على عجل. ثم خيّم صمتٌ ثقيلٌ طويل.
“أنا….أعتذر. لم أكن أنوي أن آتي بهذه الطريقة الوقحة. كان هناك ما أردتُ إيصاله لكِ….حقًا كنتُ أنوي فقط….أن أتركه وأرحل….”
قال ذلك وكأنه يسرد أعذارًا.
“لأنه….يوم ميلادكِ.”
عندها فقط تذكّرت فانيسا.
‘صحيح، غدًا ميلادي. كنتُ قد نسيته تمامًا.’
لكن هل جاء وحده كل هذه المسافة من أجل أمرٍ كهذا فقط؟
“يا دوق، أعتذر، لكن مهما كان ما أردتَ منحي إياه، سأكتفي بالمشاعر.”
“فانيسا، قبل أن ترفضي-”
“لا. سواءً كانت أرضًا أو ألماسًا، لا أريد شيئًا. عد من فضلكَ.”
“ليس كذلك.”
قال ذلك على عجل. و كانت عيناه قد احمرّتا بشدّة.
وما قدّمه لها كان، على نحوٍ مفاجئ، مصباحًا عاديًا. مصباحٌ صغير دقيق الصنع على هيئة قفص طائر، مصنوعٍ من النحاس والزجاج.
الغريب فيه أن حيزه الداخلي لا يمكن فتحه.
و داخل المصباح المحكم كانت هناك شعلةٌ حمراء تتوهّج.
“ما هذا بالضبط.…؟”
“شعلةٌ لا تنطفئ.”
“……؟”
“سيكون مفيدًا في الأماكن التي لا يوجد فيها سحر. فليالي الشتاء….باردةٌ ومظلمة….”
وفي النهاية عضّ على شفتيه. وسقطت دمعةٌ واحدة على خده الذي بدا باردًا قاسيًا.
“يا دوق.”
“أعتذر. أظهرت لكِ منظرًا مثيرًا للشفقة. أنا فقط….لأنكِ….كثيرًا….”
ولم يستطع إكمال جملته. فأخذت فانيسا المصباح من يده.
“….شكرًا لكَ.”
“فانيسا.”
وبعد تردّد طويل، فتح فيلياس فمه أخيرًا.
“أنا سعيد لأنكِ تبدين بخير.”
“أنا بخيرٍ….فعلًا. أعيش بسلامٍ تام، دون أي قلق.”
ثم عاد الصمت من جديد.
“مرةً واحدة فقط….”
ثم تابع فيلياس بصوتٍ جاف.
“هل يمكنني….أن أحتضنكِ مرةً واحدة فقط؟ في المرة السابقة لم أستطع حتى أن أودّعكِ كما ينبغي.…، و….”
فترددت فانيسا، لكنها في النهاية هزّت رأسها نفيًا.
“أظن….أن هذه ليست فكرةً جيدة.”
“…….”
لم يكن هناك مفر. فلو فعلت ذلك، لانفجرت بالبكاء لا محالة. و لم تكن فانيسا تريد أن تبكي أمامه.
هل يدركُ أنها هي الأخرى تحبس دموعها بكل ما أوتيت من قوة؟
بينما كان ينظر إليها فقط بملامح شاردة خاوية.
“سأنسحب الآن. أتمنى أن تعود سالمًا من هذه الحملة أيضًا….”
امتطت فانيسا الحصان. ثم، بعد ترددٍ قصير، أضافت،
“ولا تنسَ أن تتناول طعامكَ في مواعيده.”
تركت فانيسا فيلياس الصامت خلفها وانطلقت مسرعة.
‘لقد أحسنتُ التصرف. وجودنا معًا، أنا وهو، لن يجلب سوى الحزن.’
و عندما عادت إلى كوخ السيدة هيرمين، كانت كلوديا تنتظرها أمام الباب.
“فانيسا! كيف ترحلين فجأةً هكذا؟”
لكن ما إن رأت تعبير وجه فانيسا وهي تنزل عن الحصان، حتى امتنعت عن طرح أي سؤالٍ آخر.
“كلوديا، هل يمكننا إرسال شخصٍ إلى مستوطنة التل؟ أظن أنني بحاجة إلى التحدث مع ماريا ريبيرا.”
“تقصدين الآنسة الشابة التي جاءت من الأرخبيل؟ إرسال شخص ليس صعبًا، لكن….هل هناك ما يدعو للقلق؟”
“….واجهتُ جنديًا فارًا من سايروس في الغابة.”
“ماذا؟! كيف وصل إلى مكانٍ كهذا؟! هل أنتِ بخير؟ لم تُصابي بأذى، أليس كذلك؟”
فطمأنت فانيسا كلوديا المذعورة.
“أنا بخير. تعاملتُ مع الأمر جيدًا. لكن إذا بدأت الحرب فعليًا، فقد تتكرر مثل هذه الحوادث.”
بدت كلوديا لا تزال في حيرة، لكنها حاولت التماسك وأومأت برأسها.
“فهمت. تقصدين أن لوكت بحاجةٍ إلى حرس؟”
“نعم. أبناء الأرخبيل لديهم خبرةٌ ميدانية كبيرة، لذا من الأفضل أن نضع خطةً معهم. وأيضًا….سنحتاج إلى تأمين بعض النقود السائلة.”
“….نقود سائلة؟”
“سيصدر أمر تجنيدٍقريبًا. وسنضطر إلى دفع بدل الإعفاء من الخدمة العسكرية للإمبراطورية.”
إذا كان ما قاله فيلياس صحيحًا، فالإمبراطورية بدورها كانت تستعد لهذه الحرب بزيادة عدد القوات.
كان عدد الشبان المؤهلين للتجنيد في لوكت يقارب الثلاثين، ولم يكن بينهم من تلقى تدريبًا عسكريًا واحدًا. إرسالهم إلى ساحة المعركة لن يجعلهم سوى أهدافٍ سهلة للرصاص.
وفي وقتٍ حاسم يجب فيه الاستعداد لزراعة العام القادم، سيكون بدل الإعفاء عبئًا كبيرًا، لذا فإن تدخل فانيسا لحل الأمر سيكون أفضل على جميع الأصعدة.
فشبكت كلوديا يديها أمام صدرها وتنهدت بعمق.
“ليت الأمر يمر بسلام….”
“…….”
ثم نظرت فانيسا نحو الغابة التي غادرتها قبل قليل. بينما كانت الرياح تهب.
***
انتهت الهدنة القصيرة، ودخلت الدولتان مجددًا في حربٍ شاملة.
وكما كان متوقعًا، صدر أمر التجنيد، وقامت فانيسا بدفع بدل الخدمة العسكرية بالعملات الذهبية عن جميع شبان القرية.
لكن حتى هذه القرية النائية لم تسلم من أجواء الحرب. فقد ضبطت فرقة الحراسة بقيادة ماريا ريبيرا جنديين فارّين من سايروس بالفعل في مناسبتين. ولم يكن أيٌّ منهما جنديًا مدرّبًا تدريبًا حقيقيًا.
قالت ماريا أن الجميع كانوا يظهرون خوفًا واضحًا من جيش الإمبراطورية.
وعلى وجه الخصوص، فإن من فرّ من الخطوط الأمامية كان في حالةٍ أشبه بالجنون، يردد عبارات مثل “النار التي لا تنطفئ” و”الرجل بلا وجه”.
وعلى العكس، كان النشاط التجاري بين أشوكا ويونو يشهد استقرارًا متزايدًا. فقد تكررت مؤخرًا حوادث اختفاء سفن التجارة القادمة من أقصى الشرق أثناء مرورها في المياه الإقليمية لسايروس.
وبدأ البعض يتكهن بأن الوضع الاقتصادي في سايروس أسوأ مما هو مُعلن. فخطف سفن الدول الصديقة تصرّفٌ دنيء لا يُقدم عليه المرء إلا إذا كان محاصرًا إلى أقصى حد.
على أي حال، بدا أن تجار يونو قد قرروا الاستمرار في الحفاظ على طريق التجارة عبر أشوكا.
ومع قرب بدء العمل في خط السكك الحديدية الذي سيربط العاصمة بأشوكا، لم يكن تضاعف حجم التجارة سوى مسألة وقت.
و مرّ الزمن سريعًا، وإذا بالسنة تنقضي.
حينها، تلقت فانيسا رسالةً من مايسون.
[فانيسا، لقد طال انقطاعنا عن المراسلة.
كنا كلانا مشغولين جدًا، أليس كذلك؟
أنتِ الآن سيدة إقطاعٍ بحق، ومن كان ليتوقع أن تزداد الحاجة إلى لآلئ الاستزراع بفضل الحرب؟
هي أرخص قليلًا من اللآلئ الطبيعية، لكنها تظل من الكماليات، ومع ذلك أصبحت رمزًا للتقشف….حقًا لا يمكن فهم طريقة تفكير النبلاء.
بالطبع، توسّع الأعمال أمر جيد. ولهذا تأخر ردي فقط لأنني كنت منشغلًا، وليس بسبب “ما فعله دوقكِ بي”.
وخلاصة القول يا فانيسا، لا يوجد في رسالتكِ ما أجهله.
أعتذر لأنني لم أخبركِ مسبقًا. فقد جاء صاحب السمو الدوق الأكبر إلى منزلنا بنفسه قبيل يوم تأسيس الدولة، وقابل والدي.
واعتذر لأنه كان في موقعٍ يمكنه فيه إنقاذ ابنه، لكنه لم يفعل. وطلب مني أنا أيضًا الصفح.
لكن بحسب ما قاله والدي، يبدو أن تلك لم تكن المرة الأولى التي يزور فيها منزلنا.]
_____________________
فيلياس اعتذر! اوتش يافانيسا وش سويتي فيه المسكين حتى الضمه آخر شي ماوافقت😔
وهو ليه ماعلمها انه اعتذر دامه يبيها ترجع له؟ مب على كيفكم انتم الثنين
التعليقات لهذا الفصل " 118"