عندما وصلت فانيسا إلى مدخل الغابة، نزلت عن الحصان وأعادت فتح الورقة الصغيرة التي كانت في يدها.
[التحرك العسكري وشيك. هل أنتِ متأكدةٌ حقًا أنكِ لن تندمين؟]
الندم؟ على ماذا؟
على مغادرتها أشوكا؟ على وداعها فيلياس؟
أو على عدم مسامحتها له وهو الذي ترك صديق طفولتها يتعذّب؟
فتحت فانيسا الحقيبة الجلدية المعلّقة بالسرج. كانت قد وضعت بداخلها بندقية صيدٍ تحسّبًا لمواجهة الحيوانات البرية.
ليست غابةً عميقة، لكن الحذر لا يضر. و لو مشت قليلًا في الطريق الذي اعتادت التنزّه فيه، فستهدأ أعصابها المشدودة.
ربطت فانيسا الحصان إلى شجرةٍ وبدأت تمشي في الممر الضيق المغطّى بالثلج. بينما تلاحقت الأفكار في رأسها بلا توقف.
لم تردّ على رسائل سوريِل لأنها لم تكن تعرف ماذا تقول.
[سامحي سمو الدوق.] أصلًا لم يكن الأمر مسألة مسامحة. كانت هناك فقط هوّةٌ لا يمكن تجاوزها بينه وبينها.
كما اعترف هو بنفسه، وُلد فيلياس من أجل الحرب، وتربّى من أجل الحرب. وطريقة تفكيره هذه لن تفهمها فانيسا أبدًا.
و ما تريده فانيسا كان بسيطًا: مودةً هادئة، وحياةً صامتةً مسالمة.
لم تكن تنوي أن تكون شرارة أحد، ولا أن تحب شرارة. ولهذا، فإن علاقتها بفيلياس ستكون إلى الأبد….
“إلى الأبد.…”
وصل إلى أذن فانيسا وهي تهمس صوت خطواتٍ غريبة، صريرًا خافتًا فوق الثلج. فأطبقت فمها فورًا واختبأت خلف شجرةٍ هرمة.
أمالت رأسها بحذرٍ وتفحّصت المكان، ولم ترَ ما يثير الشبهة، لكنها لم تُرخِ حذرها.
لوكت قريةٌ صغيرة. ولو أن أحدًا غيرها وكلوديا توجّه إلى هذه الغابة، لما خفي عليها الأمر.
ثم إن صوت الخطوات الذي سمعته قبل قليل كان واضحًا….
‘إنه صوت حذاءٍ عسكري.’
صوتٌ سمعته حتى الملل في ساحات تدريب الحصن، ولا يمكن أن تخطئه.
صحيح أن لوكت قريةٌ ريفية هادئة، لكنها تجاور سايروس عبر سواهي.
وفوق ذلك، جنديٌ منفرد في مثل هذا التوقيت الذي يُتوقّع فيه اندلاع معركةٍ كبرى؟ لا بد أن يبعث على التشاؤم.
قبضت فانيسا على بندقية الصيد بإحكام، وهي تفكّر أن تجهيزها المسبق كان قرارًا صائبًا، وانتظرت أن يظهر الطرف الآخر أولًا.
ولحسن الحظ، لم يطل الانتظار.
خشخشة-
الذي خرج من بين الشجيرات كان رجلًا رثّ الهيئة، قذر المظهر. والزي العسكري الأحمر الذي يرتديه كان بلا شك زيّ جنديٍ من جيش سايروس.
احتمال وجود كشافٍ في مثل هذا الريف ضعيف. وبحالته تلك وقد عبر السواهي، فلا بد أنه فارّ من الخدمة.
‘لكن لماذا يوجد فارّ من جيش سايروس في مكانٍ كهذا؟ سمعتُ أن المعركة المقبلة قد تكون أشد من سابقاتها….فما الذي يحدث في سايروس بالضبط؟’
“هل، هناك أحد؟”
سأل بصوتٍ يحمل بوضوح لهجة سايروس. وبملامح متوترة، أنزل البندقية التي كانت على ظهره وأمسك بها.
‘إذًا كان مسلّحًا فعلًا.’
ضبطت فانيسا أنفاسها بهدوء، وألقت نظرةً سريعة على الطريق الذي جاءت منه. وقد كان كوخ السيدة هيرمين على مسافةٍ غير بعيدة.
كان بإمكانها الانسحاب بهدوء، لكن ذلك سيعرّض المرأتين للخطر. ولا يوجد في الجوار من يمكن طلب المساعدة منه. إذًا…،
‘عليّ أن أفعلها. فأنا….أنا سيدة لوكت.’
ثم قدّرت فانيسا المسافة بينها وبين الجندي بعينيها.
‘إنه هدفٌ سهل.’
فكّرت في ذلك، و في تلك اللحظة.
“أوه….”
تشوّه وجه الجندي، وتسرب أنينٌ خافت من بين شفتيه اليابستين. و لم يكن ظاهرًا على وجهه سوى الخوف، والجوع، والإرهاق.
‘لا يهم.’
شدّت فانيسا عزيمتها وهي تقنع نفسها. حتى لو لم يكن يحمل أي عداء، لا يمكن ترك جنديٍ من دولةٍ معادية يتجول قرب القرية. ذلك وحده كافٍ ليُعد خيانة.
وجّهت فانيسا فوهة البندقية نحو صدر الجندي. و كان لا يزال يرتجف وينظر حوله بقلق.
‘يجب أن أفعلها. انظري جيدًا….جيدًا. إن أخطأتُ، فسأتسبّب….بأذى لأهل القرية.’
كانت تعرف ذلك بعقلها، لكن يدها ارتعشت رغمًا عنها.
لو كان يهددها مباشرة، لخفّ الشعور بالذنب قليلًا. لكن الرجل لم يكن قد لاحظ شيئًا، وفانيسا كانت على وشك إطلاق النار عليه وقتله.
“في الدول التي تخوض حربًا، تُغتفر شتى الأمور، آنسة فانيسا.”
لماذا تذكّرت تلك الكلمات في مثل هذا الوقت؟
ثم وضعت فانيسا إصبعها على الزناد.
“هوو….”
في تلك اللحظة—
“مـ، من هناك؟!”
صرخ الجندي وهو يستدير. و كان يواجه طريق الغابة، مولّيًا فانيسا ظهره، ولا يزال مصوّبًا بندقيته.
ثم تبعه صوت خطواتٍ تقترب، وطأة، وطأة، فحبست فانيسا أنفاسها.
القلب الذي كان ساكنًا حتى الآن بدأ ينبض بجنون. ومن بين أشجار الصنوبر المغطّاة بالثلج، ظهر رجلٌ ضخم يرتدي غطاء رأسٍ وعباءة.
‘فيلياس.’
قبل أن يتساءل أحدهم لماذا هو هنا، رفع يده فجأة. وفي اللحظة نفسها، هوى سلاح الجندي الفارّ من يده وطار بعيدًا إلى الثلج.
هيك—
فتراجع الجندي الذي جُرّد من سلاحه في لمح البصر وهو يتأوه بارتباك.
“القـ، قوة….”
تمتم بصوتٍ مرتجف. أما فيلياس فلم يتوقف عن التقدم.
كان رداؤه الأسود يرفرف، وهيئته تشبه حرفيًا ملك الموت، حتى أن ضغط حضوره كان يُشعَر به من مسافةٍ بعيدة.
فاستطاعت فانيسا بسهولةٍ أن تتخيل شعور جنود العدو الذين واجهوه في ساحة المعركة.
“أستسلم….أستسلم! أرجوكَ، أرجوكَ دعني أعيش….”
توسّل جندي سايروس وهو يتراجع بخطواتٍ متعثرة وساقاه ترتجفان. لكن فيلياس لم يتوقف. كان وجهه غارقًا في ظلٍ كثيف، حتى أن تعابيره لم تُقرأ.
وفي اللحظة التي رفع فيها الجندي رأسه فجأة، وكأنه حسم أمره—
“أيها الإمبراطوريون اللعناء….!”
استل خنجرًا كان يخفيه في صدره، واندفع نحو فيلياس. و بالطبع، لم يصل إلى هدفه.
بضربةٍ واحدة، تدحرج جسد الجندي على الأرض كدميةٍ قماشية. كان الاصطدام عنيفًا، فأخذ يئن وهو يتلوّى فوق الثلج.
حاولت فانيسا أن تدير رأسها، لكن سواءً من شدة البرد أو من التوتر، لم تستطع أن تتحرك.
ثم راح الجندي يزحف محاولًا الابتعاد.
“لا تقترب….لا تقترب! أنا….أنا فقط….كنتُ أبحث عن طعام!”
لكن ما قيمة هذه الكلمات الآن؟
ضربه ضربةً أخرى. فأغمضت فانيسا عينيها بإحكام.
طَقّ-
تلتها عدة أصوات ارتطامً عنيفة، ثم صوت شيءٍ صلب ينكسر. و ترافق ذلك مع صرخةٍ مروّعة.
“لا….لا أريد أن أموت….”
فانتحب الجندي.
“أمي….”
ومع صوتٍ غريب يوحي بإلتواء شيءٍ ما، خيّم الصمت على المكان.
حتى عندما سمعت فانيسا وقع خطواتٍ تقترب، لم تستطع فتح عينيها.
“….فانيسا؟”
كان صوته يحمل ارتباكًا واضحًا.
و تسارعت الخطوات، ثم أحاطت ذراعان مألوفتان وناعمتان بذراعي فانيسا. ففتحت عينيها ورفعت نظرها إليه.
“يا دوق….”
حدّق فيها فيلياس لحظةً بصمت، ثم أمسك بها وقادها إلى ممر الغابة.
“لننتقل من هنا أولًا. لن يكون المشهد لطيفًا لكِ.”
حاولت فانيسا بلا وعيٍ أن تلتفت نحو المكان الذي كان فيه الجندي الفارّ، لكن فيلياس حجب مجال رؤيتها.
ثم خرجت معه من الغابة كما يقودها، ووراءها دوّى نعيق الغربان.
***
“في طريقنا إلى هنا….عثرتُ على جثة صياد. الطعنة في ظهره تحمل دون شك أثر خنجرٍ يستخدمها جيش سايروس.”
قال فيلياس ذلك وهو يتقدم في الطريق أمامها.
“هل يعني ذلك أن الجندي الذي قبل قليل قتل مدنيًا؟ ولماذا يقول هذا….كأنه يبرر؟”
حين بدأ وقع الصدمة يخف ويهدأ، استطاعت فانيسا أخيرًا أن تفهم كلامه.
كان يقول أن قتل من توسّل إليه لم يكن بلا سبب.
‘هل يظن….أنني سألومه؟’
عندما وصلا إلى المكان الذي ربطت فيه فانيسا حصانها، خلع فيلياس غطاء رأسه. وعندما انكشف وجهه، لم تجد فانيسا بدًّا من أن تعضّ على شفتيها.
____________________
اوه اشتقتي له؟ ها شفتي تحبينه صوح؟
بس صدق المسكين قاعد يعلمها ليه قتله مع اني توقعت انه عارف انها قريبه
المهم وش جابه في لوكت اصلا؟ تراك واضح قلبو
وفانيسا يله شاطره دامس سيدة لوكت قولي له اقلط على قل الكلافه 😘
التعليقات لهذا الفصل " 117"