في هذه الأثناء، كان فيلياس غارقًا من جديد في تفكيرٍ عميق.
كل الشكوك والقلق تنبع من اختلال توازن المعلومات. و فيلياس يعرف كل شيء، أما فانيسا فلا تعرف إلا القدر الذي تحتاجه.
إذًا، يكفي أن يمنحها ما يقابل ذلك من معلومات. لجعلها….قادرةً على معرفته.
لتعرف كم هو شخصٌ غير مؤذٍ وصادق. ولتؤمن بأن كل الدسائس التي دبّرها، والتي سيدبّرها لاحقًا، ليست سوى نتائج لظروفٍ تعيسة دُفع إليها.
عليه أن يتحرك بحذر. فالأمر لا ينجح بمسرحيةٍ رخيصة.
“هل هذا هو السبب الذي يجعلني مضطرةً للبقاء إلى جانبكَ؟ أن أتحمل وجودكَ من أجلكَ؟”
دفع فيلياس الصوت في رأسه بعيدًا على عجل، وألقى بنظرةٍ قاتمة نحو النافذة حيث بدأ الثلج يتساقط.
وعندها حدثٌ أمر غريب. المساحة التي لامستها نظرته تشوّهت، وراح الثلج الأبيض الذي كان يهطل يعود صعودًا إلى السماء.
بدءًا من القلعة الداخلية، مرورًا بالأسوار الخارجية وما وراء الجرف، وصولًا إلى أشوكا بأكملها. حتى وصلت إلى مسامعه همهمات حراس القلعة الداخلية وهم ينظرون إلى السماء.
“هل أحلم؟”
“لا بد أنه مجرد هواء.”
تحسس فيلياس بقلق الندبة في كفّه.
كانت أوهامه القديمة تتركه ثم تعود إليه وكأن بينها وبينه موعدًا لا يخلف.
في ذلك الشتاء الذي التقى بها فيه لأول مرة، كان المطر يهطل بغزارةٍ على القناة الكبرى.
و حين رآها تقترب منه بلا أي خوف وتبدأ بالكلام، شعر فيلياس برجفةٍ تكاد تكون رعبًا. كان ذلك خوف الموت الذي أدركه لأول مرة في صباه ثم نسيه طويلًا.
أن تخاف من الموت يعني أنكَ حي. أمام تلك العينين الخضراوين الداكنتين الواثقتين، استيقظ العالم الذي كان بلا إحساس، وسخن الجسد الذي كان كالجثة.
لم يكن كذبًا حين قال أنه أراد فقط أن يحتفظ بتلك اللحظة.
و لو لم يلتقِ بها مجددًا على شرفة ليلة حفل الظهور الأول، لكان فيلياس اكتفى حقًا بمراقبتها من بعيد. فهي، في النهاية، تنتمي إلى عالم الأحياء.
لكن الآن لم يعد هناك رجوع. ففي هذا العالم أمور، ما إن تعرفها مرةً، لا يمكنكَ أبدًا أن تعود إلى ما قبل معرفتها.
نعم، قد يبدو وجوده الآن عبئًا عليها. فهي لم تخرج إلى العالم إلا لتوّها.
لم يكن يفكر في تقييدها. بل كان فيلياس ينوي أن يهيئ كل شيء إلى جانبه. كل ما هو جميل وذو قيمة، وإن لم يكن بمستواها.
وهذه الإمبراطورية أيضًا.
نعم، سيهبها الإمبراطورية. حتى لا تضطر إلى الخروج بحثًا عن العالم. حتى يزحف العالم بأسره إلى قدميها وينبطح.
الآن تصفه بالعنيف، لكنها ستعرف في النهاية. أنه لا يوجد من يفهم جراحها واحدًا واحدًا مثله. وأنه لا يوجد في أي مكان من يحبها مثل هذا الحب، ويحميها بأمانٍ مثله.
أمال فيلياس رأسه إلى الخلف فوق مسند الكرسي.
إلى متى يمكنه تحمّل هذا الزمن الخالي من الإحساس؟
“….ستعود.”
وقد كانت رقائق ثلجٍ رمادية اللون تسبح في السماء المعتمة بنذير شؤم.
***
“فانيسا! هل استيقظتِ؟!”
على صوت كلوديا وهي تصعد التل منادية، استيقظت فانيسا من نوم الصباح.
“أوه….البرد.”
نهضت فانيسا من السرير وهي تسحب الغطاء فوق رأسها. وحين فتحت النافذة، رأت كلوديا تدخل الحديقة، فاكتشفتها ولوّحت لها مبتسمة.
“سأذهب لأعطي السيدة هيرمين فطيرة، هل ستأتين معي؟”
فركت فانيسا عينيها ولوّحت بيدها بالمقابل.
“سأرتدي معطفًا فقط وأنزل!”
مر شهرٌ ونصف منذ قدوم فانيسا إلى لوكت. وقد كانت حياة الريف الشتوية بسيطةٌ ومسالمة.
كانت تستيقظ متأخرةً كل يوم، تتناول الفطور الذي تعدّه لوسي، وتقرأ التقارير التي يرسلها إرفين.
وحين تنتهي أعمال القافلة، تشرب الشاي أو تقرأ كتابًا، وأحيانًا تخرج في نزهةٍ إلى الغابة القريبة.
أما العشاء فكانت تتناوله مع كلوديا وزوجها كيل.
كان الزوجان بلا أطفال، وقد عاملا فانيسا كما لو كانت ابنتهما، وهو أمرٌ كان غريبًا جدًا عليها.
و لعل ما كانت فانيسا تتوق إليه طوال هذا الوقت هو مثل هذه الأيام الهادئة.
“بالمناسبة يا كلوديا، منذ متى تعيش السيدة هيرمين في هذه القرية؟”
سألت فانيسا وهي تسرع في الاستعداد للخروج بعد أن نزلت إلى الطابق السفلي.
كانت السيدة هيرمين تعيش وحدها في كوخٍ صغير عند أطراف الغابة، وقد سمعت أن بعض العائلات يتناوبون على إيصال الطعام والاحتياجات اليومية لها.
“همم….لا أدري. كل ما أعرفه أنها كانت تعيش في ذلك الكوخ حتى قبل أن أتزوج و آتي إلى لوكت.”
في قريةٍ صغيرة يعرف فيها الجميع تفاصيل بعضهم، كانت السيدة هيرمين الوحيدة التي لم يُعرف أصلها ولا خلفيتها.
لهذا كانت فانيسا تفكر في أن الشخص الذي أرادت إيفانجلين الاطمئنان عليه قد تكون السيدة هيرمين. لكن لم تكن هناك وسيلةٌ مناسبة للتأكد من ذلك، فالتواصل مع السيدة هيرمين لم يكن سهلًا.
في الواقع، لم تكن واثقةً حتى مما إذا كانت تفهم كلام فانيسا أصلًا.
‘هناك شخصٌ واحد قد يعرف الجواب….’
شخص يعرف كل شيءٍ عنها منذ البداية. وكان يعرف عن لوكت أكثر مما تعرفه فانيسا نفسها.
“أسأل بدافع الفضول حقًا، كيف تعرف مثل هذه الأمور؟”
“بالمحبة والاهتمام.”
وإذ تذكّرت فانيسا الحوار الذي دار بينها وبين فيلياس، انفجرت ضحكةٌ خافتة منها دون أن تشعر.
‘ليس هذا وقت ضحك.’
ثم أطبقت فانيسا شفتيها بإحكامٍ وشدّت رباط حذائها.
“إذًا، لوسي. سنعود بعد قليل!”
وغادرت القصر مع كلوديا، بينما وقفت لوسي عند المدخل تلوّح بيدها بصمت.
لم يستغرق الوصول إلى كوخ السيدة هيرمين على ظهر الخيل أكثر من عشر دقائق. وقد كانت السيدة، كعادتها، نائمةً على كرسيها الهزّاز أمام مدفأة غرفة الجلوس.
كان شعرها الأبيض مرتّبٌ بعناية، وفستانها بسيط. و كان وجهها الصغير النحيل مليئًا بالتجاعيد، ومع ذلك بدت عليه مسحةٌ من الوقار الغريب.
“ها أنتِ هكذا مجددًا. سيدتي، هيا استيقظي. هل تناولتِ فطوركِ؟”
ما إن وضعت كلوديا يدها على كتفها حتى فتحت السيدة هيرمين عينيها.
“صباح الخير، سيدتي.”
حين حيّتها فانيسا، رفعت السيدة هيرمين رأسها. و نظرت إلى فانيسا برهة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ هادئة.
كانت ابتسامةً توحي وكأنها تخفي سرًا.
‘إنها امرأةٌ يصعب فهمها.’
وبينما كانت كلوديا تُجلس السيدة أمام الطاولة، أخذت فانيسا تلقي نظرةً سريعة داخل الكوخ.
رغم أنه يُدعى كوخًا، إلا أن هذا البيت لم يكن صغيرًا ولا متواضعًا على الإطلاق. حتى السجاد والأثاث، وإن لم يكونا فخمَين، كانا متينَين ومن النوع الجيد.
‘من تكون حقًا السيدة هيرمين؟ هل لها علاقة بالقصر الإمبراطوري فعلًا؟’
ربما كان وليّ العهد يعرف شيئًا ما؟ فقد حدثت أمورٌ هناك في جزيرة التوقف، ولعله أجرى تحقيقه الخاص. لكن مراسلته ما زالت أمرًا غير مريح بالنسبة لها.
وما إن وصلت أفكارها إلى هذا الحد، حتى قطعها صوتٌ مألوف،
طق طق-
“….أنتِ مجددًا؟”
كان حمامًا زاجلًا.
منذ مغادرتها أشوكا، تلقت فانيسا أربع حماماتٍ زاجلة. و جميعها كانت من سوريِل.
[هل قررتِ حقًا ألا تعودي؟ لا أعرف ما الذي حدث بينكما، لكن ألا يمكنكِ أن تسامحي سمو الدوق مرةً واحدة بسعة صدر؟
لقد قلتِ أنكِ تحبين أشوكا. وهناك كثيرون هنا يحتاجون إليكِ، آنسة.]
[سمعتُ أنكِ حتى تسألين شان زكريا عن أحواله خارج نطاق العمل. فلماذا لا ترسلين إليّ ردًا واحدًا حتى؟ كنتُ أظن أنني الأقرب إليكِ.
هل كنتُ واهمًا؟ حسنًا، لن أقول أنني مستاء.]
[في الحقيقة، كانت رسالتي السابقة وقحة. عودي من فضلكِ، آنسة. فالدوق مخيف.]
ثم، بعد صمتٍ طويل، أرسل قبل يومين رسالةً جديدة.
[لا تعودي، آنسة. الدوق مخيفٌ حقًا.]
في المرات الأربع كلها، أعادت فانيسا الحمام حاملًا أوراقًا بيضاء. وهي تفكر في أنه شخصٌ مبالغٌ فيه أكثر من اللازم ليكون جنديًا.
وحين فتحت فانيسا الباب، حطّ الطائر الأبيض بخفّةٍ على طرف أصابعها.
“غروغرو.”
“حسنًا، سأقرأ.”
فكّت الرسالة الجديدة. وعلى عكس المتوقع، لم يكن الخط خط سوريِل. كان خطًا أنيقًا مائلًا قليلًا. لقد كان شان.
وما إن قرأت فانيسا المحتوى حتى قبضت الرسالة في يدها دون وعيٍ وكرمشتها.
و نادتها كلوديا بصوتٍ عالٍ وهي تقف متجمدةً بمشاعر متشابكة.
“فانيسا! الجو بارد، ماذا تفعلين واقفةً في الخارج؟ سيبرد الحساء!”
“….كلوديا، سأتجول قليلًا حول حدود الإقطاعية!”
“ماذا؟ فانيسا!”
و امتطت فانيسا الحصان. ثم اندفعت مسرعةً نحو الغابة.
____________________
واو وش مكتوب وش صار من جا؟
و سوريل في الأخير😂 استسلم للواقع
المهم فيلياس المجنون الصدق تفكيره واو بيحط كل العالم تحت رجلينها ويقولها الظروف حدتني؟ ايه معليه خل ترجع اول وسو الي تبي😘
التعليقات لهذا الفصل " 116"