أخذ سوريل نفسًا عميقًا مرةً أخرى أمام باب غرفة الدوق الأكبر.
“ألم تكن تظل تتذمّر طوال الوقت حين كانت الآنسة موجودة؟ لكن انظر ماذا حدث بعد أن رحلت.”
“هوو….”
هذه المرة، لم يجد بدًّا من الاعتراف بكلام مساعده.
قبل مجيء فانيسا، لم يكن خدم القلعة يتبادلون الأحاديث الجانبية. كانوا يؤدّون أعمالهم بوجوهٍ متصلّبة، ولم يكن سوريل يعرف حتى أسماءهم.
لكن كم كان الصيف الماضي صاخبًا. حديقة الورود، والبحيرة الاصطناعية، وأوقات الشاي، والموائد الرسمية، وحتى الولائم الصاخبة. كلها أشياء لم يتخيل يومًا أنه سيشاهدها داخل هذه القلعة.
حتى صوفيا، كبيرة الخادمات التي صادفها قبل قليلٍ في قاعة الطعام، كانت تشكو قائلة أن القلعة الآن لا تشبه مكانًا يعيش فيه بشر.
وحين ردّ سوريل مستغربًا عمّا تقصده، وأن الأمر مجرد عودةٍ إلى ما كان عليه في الأصل، نقرَت صوفيا بلسانها وقالت أن في هذا العالم أشياء، ما إن تعرفها مرة، لا يمكنكَ أبدًا العودة إلى ما قبل معرفتها.
‘هاه….ماذا يُفترض بي أن أفعل إذًا….’
فكّر سوريل أن هذا أمرٌ لا بد أن يحدث يومًا ما.
في نظر شخصٍ نشأ في بيئةٍ مثل فانيسا، لا بد أن يبدو سيده مفترسًا.
مهما امتدحه جيش الإمبراطورية بأسره ووصفه بشعلة ساحة المعركة أو غيرها. في النهاية، أليسوا جميعًا قتلة؟
وبعد تردد، طرق سوريل الباب.
“….إنه سوريل. هل يمكنني الدخول قليلًا؟”
بالطبع، لم يأتِه رد.
“أعلم أنكَ أمرتَ بتقديم التقرير كتابيًا، لكن هناك أمرًا مريبًا بعض الشيء في العاصمة….”
ثم تنهد سوريل.
“سأدخل.”
عندما فتح الباب، ظنّ سوريل أن الضوء يقتحم الغرفة.
لكن النوافذ كانت مغلقة، وكانت الغرفة غارقةً في دخانٍ خانق.
“لقد جننتَ.…!”
ما إن أدرك حقيقة ما يطفو في الهواء حتى اندفع مسرعًا وفتح النافذة. فتطاير الرماد الأبيض مع ريح الشتاء الباردة وارتفع في الفراغ.
وعندما استدار، رأى فيلياس وما كان يحمله في يده، شيئًا محترقًا.
من دون تفكير، تحرّك جسده قبل عقله. ضرب سوريل الكتاب المشتعل من يد فيلياس وأسقطه أرضًا. وداس عليه بحذائه غريزيًا، لكن اللهيب لم يُبدِ أي علامةٍ على الخمود.
طبيعي، فهذه ليست نارًا عادية.
“سموّ الدوق!!”
على صرخة سوريل، رفع فيلياس عينيه الشاردتين ببطء.
“ماذا تفعل؟ هذا خطر!”
‘هوف، وأخيرًا انطفأت النار.’
لكن بدا أن فيلياس لا يفهم سبب غضب سوريل. أو ربما لم يكن مهتمًا أصلًا.
‘سأجنّ فعلًا….’
تمتم سوريل في داخله وهو يستعيد أحداث الجنوب.
كانت تلك الحملة سرّيةً للغاية. كان لا بد ألا يشعر أحدٌ بتدخل الإمبراطورية.
فالإمبراطورية، بصفتها المتسلط الوحيد على القارة، كان عليها الحفاظ على الحياد، حتى لو كان الخصم ديكتاتورًا عسكريًا فاسدًا.
بعبارةٍ أخرى، لم يكن مسموحًا باستخدام السلطة، ولا أسلحة الإمبراطورية، ولا حتى خيولها.
بذلك الإمداد المتخلّف، والأسلحة النارية العتيقة، والقادة الخُضر الذين يفتقرون لأي خبرة حقيقية. كاد سوريل يجنّ.
في المقابل، ما إن نزل فيلياس من السفينة حتى أخذ يتجول في المعسكر كأن المكان ملكه.
استدعى ضابط الإمداد، وراح يسأله عن هذا وذاك، ثم أخذ ينقر الثكنات هنا وهناك دون أن يشرح السبب. وفي عصر ذلك اليوم، غادر ومعه أربعة جنودٍ من فرقة الاستطلاع وبنادق تعود للقرن الماضي.
وعند فجر اليوم التالي، عاد، ثم أصدر أوامره فورًا إلى زعيم المتمردين الذي هرع إليه.
“أمّنتُ الإمدادات. اذهبوا مع شروق الشمس وانقلوها.”
كان قد استولى ليلًا على قاعدة إمدادٍ للعدو وعاد.
كان لأبناء سايران واجب القتال، لكن هذا لا يعني أن جميعهم يخرجون إلى الجبهة.
بعضهم استغرب أن فيلياس، رغم امتلاكه لقوةٍ خاصة هائلة، كان يجوب الخطوط الأمامية بنفسه.
حتى أن البعض همس بأنه ربما يستمتع بالقتل. لكن سوريل كان يعلم. لولا قائده، لما استطاعت الإمبراطورية الحفاظ على هذا الوضع في هذه الحرب العبثية.
بعيدًا عن السلطة والمكانة، لم يكن في الإمبراطورية جنديٌ بخبرته، ولا جيشٌ في هذه القارة قادرٌ على مجاراة نظام دوقية الدوق الأكبر.
لذلك، لم يكن لقب “شعلة ساحة المعركة” مجرد تملّق.
لكن ما هذا المشهد إذًا؟ نظرةٌ ميتة تمامًا، وجسدٌ مغطى بالرماد.
“….إن كان لديكَ ما تقوله، فقله.”
قال فيلياس ذلك وهو ينفض يديه الملطختين بالرماد.
‘لا يمكن أن يكون قد تحطم فعلًا، أليس كذلك؟’
حاول سوريل مرارًا دفع القلق المتصاعد في صدره. كان يظنه في العادة خاملًا بعض الشيء، لكن هذا….
‘هل نقترح تقديم موعد الخروج للحملة؟’
كان هو نفسه الذي اشتعل وتألق في قتال المدن في الجنوب.
وبما أن تدخل الإمبراطورية لا يجب أن يُكشف، اضطروا إلى مغادرة القارة الجنوبية وترك ما تبقى لزعيم المتمردين قبل لحظة الحسم.
وفور عودته، صار فيلياس كدميةٍ بزنبركٍ معطوب.
هل كان، كما قال مساعده، يريد القتال فحسب؟ أم أن….
“وصلتنا أخبارٌ عن هجرة نحو ثلاثين شخصًا من قطاع الطرق إلى لوكت واستقرارهم هناك.”
حين ذكر سوريل إقطاعية فانيسا بعد تردد، انتفض فيلياس قليلًا. لكنه مع ذلك لم يردّ بكلمة.
“هناك قوةٌ عسكرية جديدة تستقر في مكان غير بعيد عن القرية. إذا علموا أن قراصنةً تدفّقوا إلى الجوار، فسيبدؤون هم أيضًا بالحذر من لوكت.”
“…….”
“ولو أعدنا نشر فرق الاستطلاع القريبة مؤقتًا في مكانٍ آخر، فسيسعى زعيم تلك القوة لإعلان وجوده للوكت. وعندها….”
ابتلع سوريل ريقه.
“لن يبقى أمام الآنسة مكانٌ تطلب منه العون سوى دوقيتكَ.”
ثم رفع فيلياس بصره أخيرًا.
“ما الذي تحاول فعله الآن؟”
“فرق الاستطلاع قادرةٌ على حماية الآنسة دون أن يُكشف أمرها. وفي تلك الأثناء، لو توجّه سموّك شخصيًا إلى لوكت، أفلا يكون ذلك على الأقل فرصةً للحديث معها من جديد؟”
سكت فيلياس لحظة، ثم تنهد ونادى اسم سوريل.
“كم عمركَ الآن؟”
فوجئ سوريل بالسؤال المفاجئ، فتردد قبل أن يجيب.
“في الربيع القادم….سأُتم الحادية والعشرين.”
“ومنذ متى وأنتَ تحت إمرتي؟”
“……؟”
ازدادت حيرة سوريل، لكن فيلياس كان ينتظر إجابته فحسب.
“آه….منذ ما قبل تعييني رسميًا، أي….نحو خمس سنوات.”
بدا أن فيلياس يفكر في شيءٍ للحظة، ثم تمتم أخيرًا بصوتٍ واهن.
“يبدو أنني أفسدتكَ.”
فتجمّد سوريل وكأنه تلقّى ضربةً على الرأس.
‘ما هذا؟ لماذا يقول ذلك؟’
“سموّ الدوق….”
‘لماذا تقول هذا الشيء المخيف؟’
بالكاد ابتلع سوريل كلماته، ولم يستطع منع العرق البارد من التجمّع على جبينه.
‘يقولون إن الإنسان إذا تغيّر فجأة….’
لا. مستحيل.
‘هل….ينوي ترتيب شؤونه الأخيرة؟’
تسللت إلى ذهنه فكرة أن قائده قد يكون محطّمًا إلى حدٍّ يفكّر فيه بإنهاء حياته، فارتجف جسد سوريل كله.
“سوريل.”
“نعم، نعم؟”
أفاق سوريل على الفور. أما فيلياس فقلّب عينيه بضجر.
“إن كنتَ قد قلتَ كل ما عندكَ، فاخرج.”
“لكن….”
قطّب فيلياس حاجبيه.
“لماذا لا يتعلّم هؤلاء الأوغاد أن يسمعوا الكلام من مرةٍ واحدة؟”
حين زمجر، أطلق سوريل في داخله زفير ارتياحٍ أخيرًا.
‘ما زال بخير. هذا هو دوقي المختلّ الذي أعرفه.’
“ألم تسمع؟ قلت لكَ اخرج.”
“نعم، نعم.”
وقبل أن يسمع المزيد من الإهانات، انسحب سوريل من غرفة الدوق الأكبر.
بسبب تسرّعه لم يقدّم تقريره عن أوضاع العاصمة، لكن لا بأس. فما يعرفه هو لا بد أن قائده يعرفه أيضًا.
وفوق ذلك، فإن أكثر من نصف ما يجري في العاصمة كان من تدبير قائده أصلًا.
طبعًا، هذا لا يعني أن الأمر هذه المرة كذلك. أن يأمر الإمبراطور بالتحقيق في شؤون الجزر؟ أي فائدةٍ قد يجنيها الدوق من ذلك؟
وفوق كل شيء، كان قائده غارقًا في الحزن طوال شهرٍ كامل. لا يعقل أنه كان يحيك مؤامرةً شريرة.
‘….أليس كذلك؟’
______________________
احا راح شهر من يوم راحت فانيسا؟ واجد
يعني يمكن مع السكيب ذاه فيه امل ترجع؟ الصدق اني خايفه من النهايه باقي بس 15 فصل! والإضافي بس 5! وش بيسوون في ذا الشوي؟😭
المهم اخر شي احس الا فيلياس الي قاعد يخطط دامه بيسوي اي شي يخلي فانيسا ترجع له😔
التعليقات لهذا الفصل " 115"