ترددت كلوديا قليلًا ثم أومأت برأسها إيماءةً خفيفة.
“أنتِ….كنتِ تعرفين بالفعل؟ أنا لستُ من أبناء هذه القرية، فلا أعرف التفاصيل….لكن على أي حال، إنه أمرٌ مخزٍ.”
“…….”
كان لا بد أن تعرف.
حتى وإن كانت ذكرياتٍ من حياة سابقة، فهي أشبه بسماعها مباشرةً من كريستال.
“بما أنها وُلدت بوجهٍ جميل في عائلةٍ غير مستقيمة، فالمسار المحتوم واضح، أليس كذلك؟ ستلتقي يومًا برجلٍ عنيف ويدمّر حياتها. كما حدث لي، ولأمي من قبلي.”
لم تبدُ كلمات كريستال كشتيمةٍ بقدر ما بدت حقيقة.
ورغم أن فانيسا لا تحتفظ عادةً بالأمور السيئة في قلبها، فإن تلك الكلمات وحدها ظلت عالقة، تطعنها بين الحين والآخر.
فشدّت فانيسا على أسنانها وهي تنظر إلى الطبق الذي بالكاد لمسته.
“….على أي حال، عندما كنتِ في الثالثة أو الرابعة تقريبًا، جاءت الكونتيسة بكِ إلى هنا وقضيتما الصيف. كنتِ صغيرةً وجميلة كالدُّمية، وذكيةً على نحوٍ لافت، تتكلمين بوضوحٍ شديد.”
تنهدت كلوديا وكأنها تشتاق إلى تلك الذكريات.
أن يتذكر شخصٌ لا تملك عنه أي ذكرى طفولتها بهذا التفصيل، جعل فانيسا تشعر بشيءٍ من الألفة والحرج معًا.
“وقالت الكونتيسة حينها أنكِ لا تملكين اسمًا أوسط بعد. تخيّلي، الابنة الوحيدة لأسرة كونت، ولا قريب واحد يتكفّل برعايتكِ! قالت أن ذلك أمرٌ مخجل. لذلك….إن لم تمانعي، أرادت أن تمنحكِ اسمي.”
تنحنحت كلوديا بخجلٍ ثم تابعت.
“أعرف أن حديث امرأةٍ ريفية مثلي عن رعاية آنسةٍ من أسرة كونت يبدو تجاوزًا، لكن….على الأقل، كنتُ أستطيع إدارة الإقطاعية التي ستؤول إليكِ.”
لم تعرف فانيسا ماذا تقول.
“شكرًا لكِ….على الاسم الجميل، كلوديا. أنا حقًا….لم أكن أعلم.”
فخرج صوتها متهدّجًا من دون قصد.
“…….”
حدّقت كلوديا فيها للحظة، ثم نهضت من مقعدها ووضعت يدها على كتف فانيسا.
“مرحبًا بعودتكِ إلى بيتكِ، فانيسا. ستحبّين هذا المكان.”
أومأت فانيسا برأسها بصمت.
بعد انتهاء العشاء، قادتها لوسي إلى غرفة النوم في الطابق الثاني. كانت أكبر وأفضل غرفة، المكان الذي اعتاد السادة الإقطاعيون استخدامه عبر الأجيال.
قد يكون الأثاث والديكور الداخلي بسيطين ويميلان إلى الريفية، لكنه كان دافئًا ومريحًا بطريقته الخاصة. كما كانت الغرفة تضم حمّامًا لائقًا وغرفة ملابس صغيرة.
اقتربت فانيسا من النافذة ونظرت إلى الخارج. و من خلف الزجاج، بدا لها مشهد القرية أسفل التل كاملًا.
ربما تضم نحو أربعين منزلًا. و كان معظم السكان مزارعين أو حطّابين، يعيشون مكتفين ذاتيًا داخل القرية.
لا يمكن وصفها بقريةٍ ثرية، لكن مجرد النظر إلى تعابير وجوه الناس الذين مرّت بهم كان كافيًا لمعرفة أن كلوديا أدارت شؤونها بحرص.
ومن الآن فصاعدًا، سيكون هذا المكان بيت فانيسا مؤقتًا.
ثم ابتعدت فانيسا عن النافذة وجالت بنظرها في الغرفة مرةً أخرى.
كان البيت مصممًا أساسًا لدرء برد الشتاء. فالجدران السميكة والنوافذ الطويلة الضيقة بدت شبيهةً قليلًا بالغرفة التي كانت لها في القلعة.
“…….”
‘هل ما زال فيلياس يستخدم تلك الغرفة؟ الغرفة التي كان ينام فيها معي؟’
“…طوما شأني بذلك.”
استلقت فانيسا على السرير الذي جُدّد حديثًا وحدّقت في الستارة السميكة فوقه.
أينما كان ينام الآن، فلم يعد ذلك أمرًا يخصها.
لقد فعلت فانيسا ما كان عليها فعله. عقد ميدو سيتولى إرفين وشان إنهاءه على نحوٍ جيّد، والتعليمات اللاحقة يمكن إرسالها خطيًا.
وإن طرأ أمرٌ عاجل، فسيبعثون حمامًا زاجلًا. كما أن الحطام احترق بالكامل، ولم يعد هناك ما يستدعي العودة إلى أشوكا….
توقفت فانيسا عن التفكير وضغطت بكلتا يديها على عينيها.
“لننم فقط.”
لكن في تلك الليلة، لم تستطع فانيسا أن تغمض عينيها ولو لحظة. فقد تقلبت فوق السرير بلا نهاية حتى طلع الصباح.
***
“هيا، هيا! من انتهى من الأكل فليعد إلى العمل! فلنربح المال، المال! لا تتثاءبوا أيها الكسالى!”
كان شان يضرب كومة الأوراق بيده وهو يصيح. فسارع مساعدوه إلى العودة لمكاتبهم وألصقوا وجوههم بالعمل.
وما إن جلس شان حتى وضعت إحدى السكرتيرات فنجان قهوةٍ على مكتبه.
“سيدي المستشار، لقد مرّ السيد سوريل قبل قليل.”
“آه، حقًا؟”
“يبدو أنه كان يبحث عنكَ طوال الصباح….”
ارتشف شان رشفةً من القهوة الساخنة وألقى نظرةً على ساعة الحائط.
“أليس هذا وقت وجوده في المعسكر؟”
“هاه؟ نعم، هذا صحيح، ولكن….”
“لديّ لاحقًا مشوارٌ إلى إحدى السفارات، فإن كان هناك شيءٌ للتقرير فأنهِه بسرعة.”
“أمم….لكن أي….سفارةٍ تقصد؟”
شبك شان ذراعيه وأسند ظهره إلى الكرسي.
“صحيح. إلى أين نذهب اليوم؟”
“شان زكريا!”
انفتح الباب بعنف، واندفع سوريل إلى الداخل ووجهه محمرّ وهو يلهث.
“أوه، تأخرتَ.”
“أنتَ! هل كنتَ تتجنّبني عمدًا؟!”
“ما هذه اللهجة يا سيد سوريل؟ هذا مكتب المستشار الآن. تحلَّ ببعض الوقار.”
ردّ شان بنبرةٍ مازحة، لكن سوريل اقترب بوجه يكاد يتصاعد منه البخار وأمسك بكتف شان بقوة.
“تحمّل المسؤولية.”
و ارتجف السكرتيرون، لكن شان ظل هادئًا.
“هاه؟ هل يحقّ لعسكري أن يهدد مدنيًا هكذا؟”
“قلتَ أن كل شيءٍ سيصبح على ما يرام! قلتَ أن الآنسة ستعود قريبًا! صدّقتُ كلامكَ وتعاونتُ حتى مع إبحار سفينة الاستكشاف، وها نحن منذ شهرٍ كامل في هذه الورطة! ماذا سنفعل الآن؟ ها؟!”
اهتزّ شان بعنفٍ تحت استجواب سوريل، ثم ضحك بخفة.
“ماذا، ألا يعمل سموّ الدوق؟ الآن فهمتَ شعوري قليلًا، أليس كذلك؟ همم؟”
“هاه.”
تركه سوريل كأنه يرميه جانبًا، ثم أطلق زفرةً عميقة كأنه سينهار.
“بل العكس. إنه لا يتوقف عن العمل.”
“وما المشكلة في ذلك؟ يا رجل، هذا لن يدوم طويلًا. استغلّه جيدًا وهو يعمل.”
فهزّ سوريل رأسه وكأن رأسه سينفجر.
“هل تعرف أين كان سموّ الدوق طوال هذه الفترة؟”
“وإن لم يخبرني، كيف لي أن أعرف؟”
“ذهب في حملةٍ إلى الجنوب. لدعم المتمرّدين.”
“أوه؟ حتى أنه ذهب إلى موطني؟”
“نعم. ذهب إلى موطنكَ وداس قوات الحكومة هناك دعسًا منظمًا.”
“يا سلام، عملٌ خيّر بعد طول غياب. يستحقون الدعس. هم من جلبوا بعض العملات الأجنبية أيضًا، أليس كذلك؟”
“يا هذا! أي دوقٍ أكبر يذهب بنفسه ليقود مرتزقةً في دولةٍ أخرى؟ وفوق ذلك في دولةٍ قذرة كهذه.…! آه، معذرةً، هل تجاوزتُ الحد؟”
هزّ شان كتفيه بلا مبالاة، فتابع سوريل.
“….في دولةٍ عسكرية قذرة كهذه! إن انكشف الأمر فسيتحول إلى مشكلةٍ دبلوماسية!”
“آه، هو يريد القتال، دعْه وشأنه. أفضل بمئة مرةٍ من أن تطالنا الشرارة.”
“تظن أنها لن تطالنا؟ ستطالنا على المدى البعيد. وبشكلٍ كبيرٍ جدًا.”
“….يالكَ من كثير التذمّر.”
“ماذا قلتَ؟”
“لا شيء. على أي حال، أليست الحملة الشتوية قريبة؟ ما الذي يقلقكَ إلى هذا الحد؟”
غرق سوريل في التفكير. في الحقيقة، كانت المشكلة الحقيقية هي ذلك تحديدًا. الحملة الشتوية المرتقبة.
كان جميع قادة الجيش الإمبراطوري يعلمون أن الحرب مع سايروس حربٌ خاصة. حربٌ لا يجوز الانتصار فيها ولا الهزيمة. حرب حساباتٍ دقيقة، هدفها اقتناص الأراضي المفيدة فقط.
وفوق ذلك، كان عليهم تنفيذ خطةٍ معقّدة تتمثّل في الانسحاب من الجبهة في توقيتٍ مناسب والتسلل حتى عاصمة سايروس.
خطة فيلياس، الهادفة إلى تحصيل ذريعةٍ أو مبرر، كانت لا تزال جاريةً رغم وصول الأمور إلى هذا الحد.
على الأقل، في ساحة المعركة، لم يشكّ سوريل يومًا في قرارات قائده. لكن الآن؟
نظر شان إلى سوريل ذو الملامح المتجهمة، وابتسم.
“كنتَ تشتكي طوال الوقت عندما كانت الآنسة موجودة، أليس كذلك؟ ‘سموّ الدوق غريب! كان غريبًا أصلًا لكنه صار أغرب!’ لكن انظر ماذا حدث بعد أن رحلت الآنسة.”
“…….”
لم يستطع سوريل الرد.
قائده الآن….كان غريبًا. لا، بل….
“مخيف.”
تمتم سوريل.
“….هل أُعيركَ مساعدي الموثوق رقم واحد؟ تريد أن تضمه إلى صدركَ وتذهب؟”
“لا داعي. إذا وصل أي خبرٍ عن الآنسة فأخبرني فورًا. أي خبرٍ كان.”
وحين همّ سوريل بالاستدارة، أوقفه شان.
“لا يمكن تسميته خبرًا عن الآنسة، لكن.…”
“ماذا؟”
“أقراط اللؤلؤ التي ارتدتها الآنسة في مهرجان التأسيس صارت موضةً طاغية في القارة الشمالية.”
“….أقراط؟”
قطّب سوريل حاجبيه بعدم تصديق.
“كنت قد ضمنتُ الحرفيين مسبقًا في ورشٍ تابعة للتجّار. في الحقيقة، كنتُ أستهدف العاصمة، لكن الآنسة قالت أن ردّ الفعل سيأتي أولًا من ممالك القارة الشمالية الصغيرة. فبحكم الموقع، الحصول على المواد أسهل، فضلًا عن أن القارة الشمالية شديدة الحساسية لموضات الإمبراطورية، خاصةً في فترة ما حول مهرجان التأسيس….”
“أعطني الخلاصة.”
“العملات الذهبية ستنهال علينا!”
تلألأت عينا شان.
“في النهاية، لا يوجد في رأسكَ سوى المال، أليس كذلك؟”
فنقر سوريل بلسانه واستدار.
“وكأنكَ تكتشف ذلك الآن.”
و أجاب شان بابتسامةٍ ماكرة.
لكن ما إن أُغلق الباب بقوة، وامتلأ المكتب فقط بصوت الأقلام، حتى أطلق شان هو الآخر زفرةً صامتة.
“……هذا معقّدٌ حقًا.”
تمتم شان وهو يبتلع قهوته.
___________________
فيلياس يخوف بدون فانيسا؟ لدرجة سوريل بكبره انحاش شوي😭
فانيسا شوفي عنس تفكرين فيه ماودس تشيكين عليه شوي؟😘
التعليقات لهذا الفصل " 114"