كان فيلياس واقفًا داخل غرفةٍ مظلمة. ولم يكن المكان سوى قصر فاليندورف.
“إذًا، ماذا عن ذلك الطفل؟”
سأل دوق فاليندورف بنبرةٍ مستفزة.
‘هذان الاثنان….متى؟ متى حدث هذا بالضبط؟’
وبما أن فيلياس لم يكن يخفي وجهه، بدا أن هذه ذكرى حديثةٌ جدًا.
لكن….هل هو مجرد شعور؟
“هواء هذا الفصل….”
“لا تتفوه بكلامٍ طائش.”
قال فيلياس ذلك محذرًا، لكن الدوق لم يتراجع بسهولة.
“لن أؤذيها أبدًا. ولكن إن جاءت تلك الطفلة إلى منزلي بنفسها، أليس من المقبول أن أُخيفها قليلًا؟ قليلًا فقط، حقًا قليلاً.”
“لن يحدث ذلك.”
“كنتُ افترض فقط. مجرد افتراض. ثم فكّر بالأمر، ليون. حين تعرف أن هناك مجنونًا مثلي في هذا العالم، ستدرك كم هو العالم مخيف، وستظل ملتصقةً بكَ، أليس كذلك؟”
قال الدوق ذلك وهو يطرق شيئًا بعصاه طرقةً خفيفة.
‘قضبان؟’
كانت بلا شك قضبانًا حديدية.
كان فيلياس ودوق فاليندورف يتحدثان في سجن قلعة فاليندورف السفلي.
ومن خلف القضبان، كان هناك شيء ما يتحرك بخفوت. و حاولت فانيسا دون وعي أن تنظر إلى الداخل.
“انظري جيدًا….”
ثم همس الدوق قرب أذنها. فضيّقت فانيسا عينيها. وأخيرًا، ما رفع رأسه من الظلام كان….
مايسون.
“لا…….”
هزّت فانيسا رأسها دون أن تشعر.
لا شك في الأمر. هذه ذكرى من قبل أن تنقذ فانيسا مايسون المشنوق.
نظر فيلياس بصمتٍ للحظة إلى مايسون خلف القضبان.
“أكررها….لا تقتله.”
ثم استدار وغادر الغرفة.
بفت-
لم تستطع فانيسا أن تميّز إن كان صوت ضحك الدوق صادرًا من الواقع أم من الذكرى.
لكن شخص الذكرى وشخص الواقع فتحا فميهما في الوقت ذاته.
“في يومٍ ما ستشكرني، ليون.”
فأفلت أوسكار يد فانيسا. و تحدّث الدوق لفانيسا التي كانت تحدق في الفراغ بذهول.
“آه، ماذا نفعل؟ في النهاية، حدث تمامًا كما قال الكريستال.”
“….لقد كان يعلم كل شيء، أليس كذلك.”
“بالطبع، كان يعلم كل شيء. ليون يعرف دائمًا كل شيء.”
ضحك الدوق ضحكةً مكتومة.
“بل وأكثر من ذلك، لو أراد، لكان ليون قادرًا على إخراج مايسون في أي وقت. حسنًا، لا داعي لشرح هذا، أنتِ تفهمين. فشخصٌ مثلي لا يمكن أن يكون نِدًا لفيلياس ليونهارت.”
“…….”
“المسكين مايسون لا يزال يجهل الأمر، أليس كذلك؟ الرجل الذي وصل إلى باب السجن وقال: لا تقتلوه، ثم رحل. من كان ذلك الرجل؟ من يرتدي قناعًا دائمًا، يكون وجهه الحقيقي قناعًا هو الآخر.”
و أدركت فانيسا الحقيقة. أن مايسون لم يرَ قط فيلياس من دون عباءته.
مايسون لا يعرف وجه فيلياس. وكان ذلك هو السبب الحقيقي لعدم رغبة فيلياس في لقاء ميسون.
“ومع ذلك….”
“السيد ميسون….لم يعد في حالةٍ يمكنكِ إنقاذها.”
تذكرت فانيسا كلمات فيلياس، فارتجف جسدها خجلًا.
نعم، خجل. خجلٌ حاد من نفسها، لأنها انخدعت بغباءٍ أمام عينيها.
“كما أخبرتكِ….كنتُ أنوي حل الوضع بأقل قدر ممكن….من العنف.”
كان قد قال أن ما سيفعله الدوق أمرٌ متوقع، لكن مشاهدته يحدث أمام عينيها كان أمرًا مختلفًا تمامًا.
‘كنتَ على بُعد خطوةٍ واحدة، ورأيتَ كل ما تعرض له ذلك الطفل….كيف….كيف….’
“هل قال أنه يحبك؟”
ثم سأل الدوق بصوت منخفض.
“الحب…….”
أطلقت فانيسا ضحكةً جوفاء دون أن تدري.
“أنتِ من شفيتِ روح ليون القاحلة، أليس كذلك؟ حتى صار عاجزًا عن العيش من دونكِ.”
“…….”
“حياتكِ الآن مقيدةٌ إلى الأبد، نيسا. ليون لن يترككِ أبدًا.”
فشعرت فانيسا بالارتباك.
“أنتَ….ماذا تريد….ماذا تحاول أن تفعل بالضبط؟”
“حسنًا. أنا، كيف أقولها….فقط أنتظر….أن يكتمل الطبخ.”
“……؟”
كان الدوق لا يزال يبدو في مزاجٍ جيد. وبنبرةٍ أقرب إلى الدندنة، أكمل،
“على أي حال، المهم أنني أستطيع مساعدتكِ. سأجعلكِ تهربين من هذا المستنقع بسلام. هذا ما تريدينه، أليس كذلك؟”
“ما أريده….”
أن تعيش حياتها الخاصة، دون أن تكون مقيدةً أو خاضعة لأحد.
في تلك اللحظة، طرق أحدهم باب غرفة القيادة. فتشوّهت ملامح الدوق.
ثم تحدّث.الشخص خلف الباب بصوتٍ مرتجف،
“أ، أعتذر حقًا، سيدي الدوق. أعلم أنكَ أمرتَ بعدم الإزعاج، لكن سفن البحرية تقترب منا….”
أخذ الدوق نفسًا عميقًا طويلًا، ثم نظر إلى فانيسا وابتسم وكأن شيئًا لم يكن.
“لقد حان وقت الوداع. فكّري جيدًا في اقتراحي. في النهاية، ستحتاجين إليّ.”
ما إن انتهت كلماته حتى شعرت فانيسا بأن الأرض تحت قدميها تموج وتتمايل. كان من الواضح أن الدوق استخدم قدرته عليها.
وكما هو الحال مع سلطة فيلياس، اجتاحها دوارٌ مفاجئ وعنيف.
“آه، لكن انتظر قليلًا.”
بدا أن الدوق غارقٌ في التفكير وهو يدير عينيه.
“إذا فكرت بالأمر….ربما ليس سيناريو سيئًا أن تموتي هنا. وجهكِ جميل بعض الشيء ليصبح جثةً غريقة….لكن ذلك أيضًا كفيلٌ بأن يدفع ذلك الوغد الهجين إلى الجنون.”
ثم انفتح الباب، ودخل جنودٌ يرتدون زيًا أزرق داكن إلى غرفة القيادة، وحملوا أوسكار المتمايل بدوره.
كراك-
ومع صوت تحطم لوحٍ خشبي سميك، بدأ هيكل السفينة يميل.
“آه، صحيح.”
نظر الدوق من نافذة غرفة القيادة إلى مكانٍ بعيد لا يُعرف، وابتسم ابتسامةً جانبية.
“حين يطفو أحدهما، لا بد أن يغرق الآخر.”
“الجميع إلى مواقعكم!!”
مع صرخة إرفين، تدحرجت فانيسا من فوق الكرسي وسقطت على الأرض.
ارتطام-
اصطدم رأس فانيسا بالجدار بقوة. وعندما استعادت وعيها بصعوبة، كانت تطل عبر جدارٍ مفتوح على سفينة الاستكشاف المشقوقة إلى نصفين.
و كان الدوق وجنوده قد اختفوا منذ وقتٍ طويل.
أحد البحارة، ممن كانوا يركضون باضطراب فوق السطح المتشقق، لمح فانيسا فصرخ.
“سيدي القبطان! الآنسة هناك!”
ثم، دفعةً واحدة. سقطت فانيسا مع حطام المؤخرة إلى البحر البارد.
بلش-
هديررر-
كان قاع البحر باردًا ومظلمًا. و لم تكن فانيسا تعرف السباحة، وحتى لو كانت تعرفها، لما استطاعت تحريك جسدها بسبب الدوار الشديد.
وهي تغرق بلا حولٍ ولا قوة، إلى الأسفل، إلى الأسفل، تذكرت القناة الكبرى في الشتاء الماضي.
مياه القناة الكبرى السوداء تحت المطر. وسط المطر المنهمر بغزارة، ذلك الرجل المرتدي السواد.
التعليقات لهذا الفصل " 111"