باستثناء قامةٍ أصغر قليلًا وعينين بنيتين فاتحتين، كانت تشبه فانيسا كأنها انعكاسٌ في مرآة.
‘أمي؟’
كانت تلك كريستال لانغ، والدة فانيسا التي غادرت المنزل منذ زمنٍ بعيد.
لماذا أراد دوق فاليندورف أن يُري فانيسا هذه الذكرى تحديدًا؟ وكيف حصل أصلًا على ذكرى كهذه؟
“لا أعرف ما ظروفكِ، لكن إن كنتِ تصرين إلى هذا الحد، فلن أستطيع منعكِ.”
بدت إيفانجيلين حزينة، ثم ناولت كريستال شيئًا كان أحد الخدم يحمله.
“خذي هذا على الأقل. هو غنيمةٌ شخصية لي، وحتى لو بعته فلن يلاحقكِ أي تبعات.”
كان غرضًا مألوفًا لفانيسا أيضًا. الصندوق الخشبي الذي ربحته مع تاج الدوقة في المزاد.
و لا بد أن هذه الذكرى قد انطبعت في التاج الموجود داخله.
أمسكت كريستال بالتاج وانحنت بعمق.
“شكرًا جزيلًا، يا صاحبة السمو. يبدو أنني سأظل مدينةً لكِ حتى النهاية.”
عندما التقَت فانيسا بإيفانجيلين في جزيرة التوقف، قالت لها أن كريستال كانت صديقةً قديمةً لها.
لكنها لم تفكر كثيرًا في الأمر آنذاك، إذ ظنّت أن ذاكرة إيفانجيلين لم تعد موثوقةً بالكامل.
وربما بالغت إيفانجيلين في وصف علاقةٍ عابرة لا أكثر. لكن على الأقل، كانت إيفانجيلين التي تراها الآن قلقةً على كريستال لانغ بصدق.
“لن أنسى هذا الفضل أبدًا، يا صاحبة السمو. إذًا.…”
وقبل أن تنصرف كريستال، نادتها إيفانجيلين. وبعد ترددٍ قصير، سألتها،
“لكن كريستال، ماذا عن ابنتكِ.…؟ هل ستأخذينها معكِ؟ ألم تقولي أنها لم تبلغ العاشرة بعد؟”
‘كنتِ….تعرفين بوجودي.’
أن تعرف إيفانجيلين، التي لم تلتقِ بها فانيسا إلا العام الماضي، بوجودها وهي طفلة، كان شعورًا غريبًا.
“إن كان هناك ما يمنعكِ من أخذ الطفلة معكِ، يمكنني أن أتولى رعايتها. صحيحٌ أن وضعي الحالي….بالكاد يكفيني أنا، لكنني أستطيع أن أوكل أمرها إلى شخصٍ موثوق.”
عند كلمات إيفانجيلين، ارتسمت ابتسامةٌ باهتة على وجه كريستال.
“مجرد عرضكِ لهذا كرمٌ يفوق الوصف. لكن لا يمكنني أن أحمّلكِ مزيدًا من العبء.”
“عبء؟ لا تقولي مثل هذا بيني وبينكِ.”
أمسكت إيفانجيلين بيد كريستال.
“آه، صحيح، حتى أبناء إخوتي يمكنهم رعاية تلك الطفلة. كونراد فيه شيءٌ من الشقاوة، لكن فريتز طفلٌ طيبٌ وذكيٌ حقًا. سيعاملها بالتأكيد كأختٍ حقيقية.”
عند الأسماء المألوفة، ابتسمت فانيسا ابتسامةً خفيفة، لكن كريستال هزّت رأسها في النهاية.
“لا داعي للقلق فعلًا، يا صاحبة السمو الإمبراطوري. فتلك الطفلة….تشبهني.”
و ارتسمت على وجه إيفانجيلين ملامح الاستغراب.
“نعم، إن كانت تشبهكِ فلا بد أنها جميلة جدًا. لكن ما معنى.…؟”
ثم أنزلت كريستال عينيها برفق. وبصوتٍ يحمل مسحةً من الأسى،
“مهما حاولتُ….ستصبح تلك الطفلة تعيسةً بلا شك.”
خفق قلب فانيسا بقوة. و شكّت في أذنيها. لكنها كانت كلماتٍ لا تحتمل أي شك.
و شعرت بأصابع أوسكار المرتجفة تشدّ على يدها قليلًا.
“ماذا؟”
قالت إيفانجيلين ذلك بوجهٍ يملؤه الاضطراب، فتابعت كريستال،
“لأنها وُلدت تحمل المصير ذاته الذي أحمله، فمهما جاهدت وتخبّطت فلن يجدي الأمر نفعًا. وحتى لو أغدقتم عليها لطفكم، فلن يكون ذلك سوى تعذيبٍ بالأمل في النهاية.”
“لا، كريستال، مهما يكن….”
“أن تولد بوجهٍ حسن في عائلةٍ غير مشرفة، فالطريق المرسوم واضح، أليس كذلك؟ ستقابل يومًا رجلًا عنيفًا ويدمّر حياتها. كما حدث معي، وكما حدث مع أمي.”
“…….”
“يا صاحبة السمو، لم أدرك ذلك إلا الآن، ولهذا اندفعتُ حتى وصلتُ إلى هنا. لذا….أشعر براحةٍ أكبر الآن.”
‘هاه.…، إذًا….كان الأمر كذلك.’
أدركت فانيسا أخيرًا لماذا لم تبقَ في ذاكرتها أي ذكرياتٍ عن كريستال.
لقد كانت تريد أن تنسى.
‘لأنه….’
لأنه….لم يكن لديها ذكرى جيدة واحدة على الإطلاق.
طَق-
عند الإحساس بشيءٍ رطب، أنزلت فانيسا رأسها. و كان ظهر يدها مبللًا. فقد فاضت الدموع التي تجمعت، وانسابت على وجنتيها.
“يا له من مشهد.”
اقترب الدوق وجلس إلى جانب فانيسا. وكانت تفوح منه رائحة عطرٍ باردة وثقيلة.
التعليقات لهذا الفصل " 110"