“كنتُ دائمًا أريد مساعدة أطفال المستوطنات الفقيرة. ألا تتذكرين؟ «حفل التبرعات» الخاص بي؟”
نعم، كان الأمر كذلك. ففي يوم لقائهما مجددًا في الميناء، قالت فرانسيسكا أنها تجمع التبرعات من أجل أطفال المستوطنات الفقيرة.
رغم أن كل ذلك انكشف في النهاية على أنه عملية احتيال.
“صحيح أنني خدعتكم آنذاك، لكن رغبتي في العمل من أجل الأطفال كانت صادقة. و أشعر أنه هنا، يمكنني حقًا أن أبدأ حياةً جديدة.”
وحين نظرت فانيسا إليها بتعبيرٍ غير مصدّق، ابتسمت فرانسيسكا ابتسامةً ماكرة وأضافت،
“وفوق ذلك، حتى لو أُفرج عني بشروط، فأنا صاحبة سجلٍ إجرامي. ماذا سأفعل لو عدتُ إلى أشوكا؟”
“آها.…”
“ثم إنني لاحظت أن حاكم هذه الجزيرة وأتباعه ليسوا أذكياء إلى هذا الحد. وذاك المدعو بيدرو يحب تقليد نبلاء الإمبراطورية، أليس كذلك؟ ومن حسن الحظ أنني كنتُ أنا نفسي كونتيسةً إمبراطورية.”
“كلامكِ ليس خاطئًا….لكن لحظة، ألم تكوني متزوجة؟ ماذا عن زوجكِ؟”
“ذلك الوغد هرب مع امرأةٍ أخرى قبل أكثر من عام. لا أعلم إن كان حيًا أم ميتًا الآن.”
“آه، فهمت….لا بد أنكِ عانيتِ كثيرًا….”
“أيمكننا إنهاء الحديث؟ أريد المغادرة من هنا بأسرع ما يمكن.”
قالت ماريا ذلك وهي تراقب خارج النافذة بقلقٍ وتحث فانيسا.
“إذًا….أتمنى لكِ التوفيق، فرانسيسكا.”
“لا أدري، أشعر أن التوفيق تحتاجينه أنتِ أكثر مني.”
“أإلى هذا الحد ستواصلين؟”
“أنا جادة.”
كان صوتها جادًا على غير عادة فرانسيسكا.
“في وقتٍ ما، كنتُ ألومكِ أيضًا، لكنني أدركتُ شيئًا خلال وجودي في السجن. في النهاية، ما آل إليه الأمر كان خطئي أنا، لأنني راهنتُ بحياتي على مشاعر حب تافهة.”
“….…”
“أتكلم بصفتي شخصًا هرب من أجل الحب. فيلياس سايران ليس رجلًا صالحًا. أنتِ تعرفين ذلك في قرارة نفسكِ.”
“وما الذي تعرفينه أنتِ أصلًا.…؟ ثم ما هو «الرجل الصالح» أصلًا؟ وهل أنا، في نظركِ، إنسانةٌ صالحة؟”
قالت فانيسا ذلك بذهول، فهزّت فرانسيسكا رأسها.
“أنا أتحدث عن إلى أي حدٍ يمكنه أن يذهب، وما الذي يستطيع فعله. أخي الصغير هوان أحمق، لكنه تغيّر كليًا بعد أول مشاركةٍ له في الحرب. أما الدوق الأكبر، فقد عاش في ساحات القتال منذ ما قبل بلوغه سن الرشد. هل تظنين أن مجرمين مثلنا قادرون على فهم عقل شخصٍ كهذا؟”
لم تعرف فانيسا بماذا تجيب.
“فكّري جيدًا، فانيسا. لا خيار أمامنا سوى أن ننجو بأنفسنا.”
في تلك اللحظة، حثّتها ماريا مرةً أخرى، فلم تستطع فانيسا الرد أكثر، واستدارت مغادرة. و خرجت مسرعةً من قصر الحاكم.
وفي طريق العودة إلى المرسى، شعرت فانيسا بإحساسٍ غريبٍ بالاختلال.
“أليس….المكان هادئًا أكثر من اللازم؟”
مهما كانت الجزيرة قليلة السكان، إلا أن السكون المحيط كان غير طبيعي. فلم يكن يُسمع سوى صوت الأمواج.
غمرها بإحساسٌ غامض بالخطر لم تستطع تحديده، فأسرعت فانيسا في خطواتها.
عندما وصلت، كان الظلام قد حلّ بالفعل. ولم تدرك حقيقة ذلك الشعور إلا عندما عادت إلى السفينة وفتحت باب غرفة القبطان.
“مرحبًا، نيسا!”
تجمدت فانيسا في مكانها.
“لا تقفي هكذا، اجلسي. لدينا الكثير لنتحدث عنه.”
ثم، وعلى نحوٍ لا يليق بالموقف، ابتسم الدوق فاليندروف ابتسامةً لطيفة.
***
“حسنًا، إذاً.”
قال الدوق ذلك وهو يطرق الأرض بعصاه المخصصة للتنزه.
“ما رأيكِ أن نذهب للبحث عن حطام السفينة؟ إن بقينا هنا طويلًا، فقد يبدأ القراصنة بإزعاجنا.”
“….…”
نادَت فانيسا مساعد الملاح، وأمرت بنقل تعليمات الإبحار إلى القبطان، وأكدت ألا يسمح لأحدٍ بالاقتراب من غرفة القيادة.
‘….في الوقت الحالي، هذا هو الخيار الأفضل. لا فائدة من استفزاز هذا المجنون بتهور.’
وسرعان ما بدأت السفينة بالتحرك.
وعلى متنها وهي تتمايل بعنف، حاولت فانيسا الحفاظ على رباطة جأشها.
لا يُعرف كم من الوقت مرّ. و كانت ماريا أول من كسر الصمت.
“أنتَ….أليكسي….أليس كذلك؟”
سألت ماريا بصوتٍ مرتجف.
“ألا تتذكرني؟ قبل ثلاث سنوات، عندما جئتُ إلى جزيرة الركبة لأقابل أخي، قلتَ لي آنذاك….أنكَ ستأخذني إلى العاصمة.…”
“ماريا.”
حاولت فانيسا إيقافها، لكن قبل أن تقول المزيد، ابتسم دوق فاليندورف ابتسامةً عريضة.
“بالطبع أتذكركِ. ماريا، تلك الفتاة المحظوظة آنذاك.”
“……؟”
“آه، لا تسيئي الفهم، نيسا. كانت هذه مجرد تسليةٍ عابرة. والأمر ذاته بالنسبة لكِ يا ماريا. لا أريدكِ أن تظني أن إنقاذي لحياتكِ كان معاملةً خاصة. أنا لا أضفي معنى على أمورٍ كهذه.”
“مـ….ماذا تقول….”
تلعثمت ماريا بوجهٍ يفيض بالارتباك.
“….هذا الرجل لا يتذكركِ يا ماريا. إنه يهذي بما يخطر له فقط، فلا تمنحيه مزيدًا من الذرائع، واخرجي من هنا.”
و نظرت فانيسا إلى دوق فاليندورف بينما تحدّث،
“أرسلوها إلى المقصورة. نحن في عرض البحر أصلًا، لا مكان تهرب إليه.”
و لوّح الدوق بيده وكأن الأمر لا يعنيه.
خرجت ماريا من غرفة القبطان بوجهٍ شارد. فتنهدت فانيسا بعمق وأسندت جسدها إلى كرسي الضيوف.
منذ عودتها إلى أشوكا، كانت فانيسا تراقب باستمرار خط الملاحة المؤدي إلى جزيرة الركبة.
ما لم يكن قد تسلل على متن سفينة إمداد، فهذا يعني أن دوق فاليندورف كان ينتظرها هنا في جزيرة الركبة طوال هذا الوقت.
‘رجلٌ بغيض إلى حدٍ يبعث على السأم.’
لكن….لماذا؟ من أين ينبع هذا الإصرار الغريب لدى الدوق؟
“حسنًا، قبل أن ندخل في صلب الموضوع.”
قال الدوق ذلك وهو يشير بعصاه إلى كيسٍ ورقي موضوعٍ فوق مكتب إرفين.
“هذه هدية.”
و قد كان الدم الأحمر يتسرب من أسفل الكيس.
“ألن تفتحيه؟”
“….من الواضح أنكَ جلبت شيئًا مريعًا. هل يجب حقًا أن أراه بعيني؟”
فاتخذ الدوق تعبيرًا حزينًا متصنعًا.
“هذا مؤسف. كنت أريد إسعادكِ بطريقتي.”
“إذًا هلّا تتفضل وتقفز في البحر حالًا؟ سيكون ذلك مُفرحًا جدًا بالنسبة لي.”
“هاها، حقًا إنكِ لطيفة.”
رفع الدوق يده، فانفتح الكيس من تلقاء نفسه. وظهر شيءٌ صغير أحمر اللون. كان لسانًا مقطوعًا.
“قيل لي أن بيدرو ريبيرا تفوّه بكلامٍ سيئٍ جدًا في حقكِ؟”
عضّت فانيسا على أسنانها لتكبت الغثيان.
و صحيحٌ أن حديث المرسى لم يكن لطيفًا.
“عندما تغرب الشمس سيتغير رأيكِ. ليل الجزر باردٌ جدًا. وعلى الأقل، أسرّة قلعتي أدفأ من أسِرّة أولئك البحّارة الصغار.”
“….تواصل الثرثرة كما يحلو لكَ، من الغريب أنه لم يُقطع لسانكَ بعد لسانك.”
“إذًا…….قطعتَ لسانه؟”
“كنتُ أعلم أنه غبي، لكنني لم أظنه عديم التمييز إلى هذا الحد. لم تكرهيني بسبب هذا، أليس كذلك؟ هم، نيسا؟”
سأل الدوق بمرحٍ وهو يلوّح بإصبعه، ومع حركته التوى اللسان المقطوع في الهواء بشكلٍ مقزز.
“فهمت، فقط أبعد ذلك الشيء عني.”
“كما تشائين.”
طخ-
انفجر لسان بيدرو، وتناثرت الدماء وقطع اللحم فوق طاولة القهوة.
“هوو….”
ثم أخذت فانيسا نفسًا عميقًا قصيرًا.
“إذًا، لماذا أنتَ هنا أصلًا؟”
“آه، لا تقلقي. لم آتِ لسرقة ما هو عزيزٌ عليكِ.”
وأشار إلى صدر فانيسا، وكأنه يعلم أنها تخفي الترياق هناك.
“إذًا لماذا؟”
“هل أحتاج إلى سبب لأراك؟ لكن….حسنًا، هناك شيءٌ واحد أود أن أريكِ إياه.”
أشار الدوق بيده كمن يستدعي شيئًا. و فجأة، انفتح باب الخزانة خلف فانيسا.
“تفضلّي.”
“….البارون؟!”
الشخص العالق داخل الخزانة الضيقة دون حراك لم يكن سوى أوسكار فاليندورف، البارون.
التعليقات لهذا الفصل " 109"