كسرت ماريا غصنًا من الشجر، ثم بدأت تحفر التربة الهشة أسفل السياج.
وما إن أزاحت بعض الحجارة حتى انكشف نفقٌ أرضي بالكاد يتسع لمرور شخصٍ واحد.
“….هل أنتِ جادة؟”
تمتمت فانيسا، فهزّت ماريا كتفيها.
“وماذا كنتِ تتوقعين؟ نفقًا من الرخام مثلًا؟ لا تقلقي، هو أوسع مما يبدو. آه، صحيح….أنتِ طويلة القامة، قد تعلقين في المنتصف.”
“كفّي عن النحس.”
كم سيكون المنظر مضحكًا لو علقت مؤخرتها في مكانً كهذا.
فتنهدت فانيسا بعمق.
“لو علقت، ستتركينني هنا وتهربين، أليس كذلك؟”
و ابتسمت ماريا ابتسامةً خفيفة.
“ولِمَ تسألين عن أمرٍ بديهي؟”
لحسن الحظ، تمكنت الاثنتان من اجتياز السياج بسلام، وإن انتهى بهما الأمر مغطاتين بالتراب من الرأس حتى القدمين.
دخلتا إلى داخل القصر عبر نافذة الطابق الأول، فظهر أمامهما مباشرةً درجٌ يصعد إلى الطابق الثاني.
“تلك غرفتي.”
همست ماريا وهي تشير إلى الغرفة في نهاية الممر.
لم تكن تعرف أين وضع بيدرو الخزنة، لكن التجول في الممر هكذا سيكون خطرًا.
ثم أدارت فانيسا مقبض الباب بحذر.
طَقّ-
“مغلق.”
“همم.”
عبثت ماريا بجيب مئزرها ثم عقدت حاجبيها.
“ألا تملكين أداة فتح أقفال؟”
“وأين لي بمثل هذا؟ أممم….ألا يمكننا كسر القفل ببساطة؟”
“هذا ما يفعله صديقكِ الرجل، لا أنتِ.”
“…….”
نظرت فانيسا حولها. لو وُجد دبوس شعرٍ لكان الأمر أسهل.
في تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة. و رفعتا رأسيهما بذهول، فإذا بفرانسيسكا تقف أمامهما وتبتسم ابتسامةً ماكرة.
“البيت متواضع، لكن تفضلا بالدخول. لا يزال الوقت مبكرًا على حفلة سهر، لكنني أعددت بعض الوجبات الخفيفة.”
قالت ذلك وكأنها صاحبة المنزل. فدفعت فانيسا ماريا التي تجمدت في مكانها إلى داخل الغرفة بسرعةٍ وأغلقت الباب.
“فرانسيسكا، هل كنتِ هنا طوال الوقت؟”
و أمالت فرانسيسكا رأسها ردًا على سؤال فانيسا.
“أنتِ اسمكِ ماريا، أليس كذلك؟ أوه، بالمناسبة، كيف لأخيكِ ألا يلقي نظرةً واحدة على أخته بعد عودتها من السجن؟”
“حسنًا، هذا في صالحنا.”
قالت ماريا ذلك بلا مبالاة، ثم جلست مباشرةً أمام الموقد وأشارت إلى فانيسا.
“انظري هناك، ترين؟ ذاك ممرٌ يؤدي إلى العلية. يبدو أنه فارغٌ الآن.”
أدخلت فانيسا رأسها داخل الموقد ورفعت نظرها إلى حيث أشارت ماريا. و كان هناك عددٌ من الطوب مفقودًا في المكان الذي يفترض أن تكون فيه المدخنة.
“علينا أن نتسلق من هناك.…؟ لا أرى حتى موطئ قدم.”
“كان يُستخدم للنزول من الأعلى. أما الصعود، فكانوا يقفزون ببساطة. على أي حال، إن كان بيدرو قد خبّأ شيئًا مهمًا، فاحتمالٌ كبير أنه وضعه هناك.”
“هكذا إذاّ.…”
سحبت ماريا صندوقًا خشبيًا إلى داخل الموقد. فصعدت فانيسا فوقه وبدأت تتحسس جدار المدخنة.
كان الارتفاع بالتأكيد أكبر مما تسمح به قامة ماريا، لكن تكديس الطوب بشكلٍ رديء جعل التسلق ممكنًا.
“ماريا، أعيريني ركبتكِ.”
من دون تردد، دعمت ماريا قدم فانيسا. و بقوةٍ خفيفة قفزت فانيسا إلى الأعلى، طَق- و علقت أصابعها بين الطوب الخشن.
“هوو.…”
شدّت فانيسا ذراعيها، ثم دفعت الجدار بقدميها تباعًا، وفي لحظة واحدة تسلقت إلى الأعلى.
“تمسكي واصعدي.”
مدّت فانيسا ذراعها، فرفعت ماريا نظرها إليها بوجهٍ مذهول.
“أنتِ….ما قصتكِ.…؟”
“ماذا؟”
“ألم تكوني سيدةً نبيلة.…؟ ما الذي فعلتِه للتو؟ لم يكن ارتفاعًا يمكن القفز إليه دفعةً واحدة.…”
فنقرت فانيسا بلسانها.
“رأسكِ مليءٌ بالأحكام المسبقة يا ماريا.”
“لا، أنا….”
“كفى كلامًا، أمسكي بيدي.”
ثم أزاحت فانيسا مفرش الطاولة الموضوع أمام الممر، فظهر مخزنٌ صغيرٌ مظلم.
عبرت ماريا المخزن فورًا، وعثرت على خزنةٍ داخل خزانة حائط قديمة.
“آمل ألا يكون بيدرو قد غيّر الرمز.”
“هل ما زلتِ تتذكرين الرمز القديم؟”
“ليس من طبيعته أن يكون مجتهدًا إلى حد تغيير رمز خزنة العلية. لكن تصرفاته مؤخرًا….لا تشبه الأخ الذي أعرفه.”
“كيف اختلف؟”
“لا أدري….كأن طموحًا ما استيقظ داخله. ربما هو مجرد وهم، لكن منذ أن التقى بأليكسي، أشعر أنه يخطط لشيءٍ ما باستمرار.”
أدارت ماريا القرص.
طَقّ، طَقّ-
“خطأ. يبدو أنه غيّر الرمز.”
‘لو كان فيلياس هنا لكان أفضل.’
فكّرت فانيسا بلا وعي، ثم هزّت رأسها. فما بدأته وحدها، لا بد أن تُنهيه وحدها.
ثم إن الأمر لا يقتصر على العثور على الترياق فحسب، بل الأهم ألا يدري بيدرو أن الترياق قد اختفى. فمن دون إيمانه بأن هذا الضمان القوي لا يزال في قبضته، لن يتحرك بيدرو وفق إرادة فيلياس.
الآن، لا بد أنه يعتقد أنه حتى لو فشلت الخطة فسيحافظ على حياته.
‘تفكيرٌ ممكن فقط لأنه لا يعرف أي رجلٍ هو فيلياس.’
على أي حال، لإنجاح الخطة، يجب فتح هذه الخزنة دون إحداث أي تلف، ثم إغلاقها كما كانت.
“قلتِ أن الرمز ستة أرقام، أليس كذلك؟ هل هو تاريخ له معنى؟ يوم ميلادٍ مثلًا….أو يوم وفاة؟”
“ليس تاريخًا. على الأرجح لا معنى له أصلًا.”
وغالبًا ما تكون الرموز التي بلا معنى أصعب في التخمين.
لكن اختيار ستة أرقام عشوائية تمامًا ليس سهلًا، كما أن حفظها ليس سهلًا أيضًا.
إذًا….
“ما هو الرقم الأخير في الرمز؟”
“أه….7؟”
“غيّريه إلى 8 وأعيدي الإدخال.”
فأدارت ماريا القرص بوجه متشكك.
طَقّ-
“آه.”
و انفتح الباب، فضحكت ماريا بدهشة.
لحسن الحظ، كان بيدرو ريبيرا إنسانًا سطحيًا كما يبدو.
بعد إزاحة بعض الأوراق المتناثرة وحزمٍ صغيرة من النقود داخل الخزنة، ظهر قارورةٌ زجاجية صغيرة محكمة الإغلاق بالفلّين.
“رائع….كانت هنا فعلًا.”
في اللحظة التي أمسكت فيها فانيسا بالقارورة.
“هل أنتَ متأكد؟ لو اكتشف القائد الأمر فنحن أموات.”
“نعم، لن يأتي أحدٌ إلى هنا. القائد الآن لا بد أنه غارقٌ في النوم. كفّ عن الثرثرة وأخرج ما حصلتَ عليه حديثًا. دعنا نشمّه قليلًا.”
اتسعت عينا ماريا.
وقع، وقع-
و كانت هناك خطواتٌ ثقيلة تصعد السلم المؤدي إلى العلية.
“لنخرج بسرعة.”
همست ماريا وهي تمسك بذراع فانيسا.
فنقلت فانيسا محتوى القارورة بسرعة إلى زجاجة أعدّتها مسبقًا. ثم ملأت القارورة الفارغة بالماء، وأعادت الأشياء المبعثرة إلى أماكنها.
بينما كانت أصوات أتباع بيدرو ريبيرا تقترب أكثر فأكثر.
“بالمناسبة، تلك السفينة الكبيرة التي كانت في المرسى، سمعت أن من كانت عليها هي عشيقة الحاكم؟”
“آه، السفينة التي كانت ماريا عليها؟ قالوا أنهم جاؤوا لانتشال حطام سفينة.”
“إن كان ذلك صحيحًا، أليس الأمر خطرًا؟ إن اكتشف الحاكم التلاعب بالأدلة الذي فعلناه المرة الماضية، سنلقى مصير جزيرة الرأس….”
“يا أحمق، ولمَ تقلق بشأن هذا؟ ليست الحاكم نفسه بل عشيقته. ماذا ستفعل؟ في النهاية مجرد فتاةٍ صغيرة، ماذا يمكن أن تعرف؟”
“أحقًا؟”
“نعم، كل الفتيات هكذا. إن خوّفتهن قليلًا، سيبدأن بالبكاء ويهربن.”
و انفجرا بالضحك المكتوم.
“بما أن الأمر هكذا، ما رأيكَ أن نذهب لاحقًا إلى المرسى للتفرّج؟ لطالما أردتُ أن أجعل فتاةً نبيلة تبكي مرةً واحدة.”
“حثالة أغبياء….”
تمتمت ماريا. و ابتسمت فانيسا ابتسامةً خفيفة وأغلقت باب الخزنة والخزانة.
وهي تحذر من إحداث أي صوت، زحفتا مجددًا تحت الطاولة التي تسد الممر.
“هل أنتما بخير؟”
و كانت فرانسيسكا تنظر إليهما من الأسفل.
“ششش.”
نزلت فانيسا من المدخنة بالعكس، وحطّت فوق صندوق الخشب كما فعلت سابقًا. وقبل أن يُفتح باب المخزن، عادت الاثنتان إلى غرفة ماريا.
وقف الثلاثة للحظة أمام الموقد، مصغين. و بدا أن أتباع بيدرو لم يلاحظوا شيئًا. راحوا يتهامسون ويشعلون شيئًا تفوح منه رائحة تبغ.
“فلنعد بسرعةٍ قبل أن يكبر الأمر.”
قالت ماريا ذلك بوجهٍ شاحب. فأومأت فانيسا برأسها.
“بالمناسبة، فرانسيسكا، ماذا ستفعلين؟ إن لم تكوني واثقةً من قدرتكِ على الانسحاب بهدوء، فسنخرج نحن أولًا….”
“سأبقى هنا.”
“ماذا؟”
“أظنني وجدت هدفي في الحياة هنا.”
“هدف.…؟”
____________________
مسرع توها تايبه الحين بتهجول؟😂 تضحك ذا البنت تغيرها حلو
المهم منب مرتاحه يعني لقوا الدوا كذا بسرعه؟ يارب صدق المؤلفه ترجعها ويشرب فيلياس الدوا ويسوون عاد الي يبون لو يبدون حرب
التعليقات لهذا الفصل " 108"