سخرت فانيسا في داخلها بازدراء. لا بد أن هذا هو تعبيره ونبرة كلامه المعتادة.
لا تدري لأي سببٍ يتصنع تقليد النبلاء، لكن بهذا لم تعد فانيسا مضطرةً لمزيدٍ من التكلّف.
“تراجع إلى الخلف، بيدرو ريبيرا.”
حين حذّرته فانيسا ببرود، عاد نظر بيدرو ليستقر عليها. و نظرت إليه فانيسا مباشرة ،
“كنت أظنكَ تعرفني جيدًا؟ أحقًا حسبتَ أنني سأدخل منطقة وغدٍ مثلكَ بلا أي استعداد؟”
طَقّ-
الملّاحون الواقفون خلف فانيسا صوبوا فوهات بنادقهم نحو بيدرو دفعةً واحدة.
“أتحب أن أخبركَ بشيءٍ مفيد، بيدرو؟”
“…….”
“ما يحمله بحّارتي، كلّه بلا استثناء بنادقٌ إمبراطورية الصنع. عالية الأداء وبلا شبهة. لا تقارن بتلك البضائع المهرّبة من القارة الشمالية التي لا تجرؤون حتى على إظهارها.”
“….حسنًا.”
تراجع بيدرو مطيعًا. وهو يحاول جاهدًا إخفاء شعوره بالإهانة،
“إن لم تكن الآنسـة راغبة، فلا يحق لي أن ألحّ أكثر. غير أن.…”
حوّل بيدرو نظره نحو السفينة الراسية. و راح يتفحّص سطحها وكأنه يبتلعها بعينيه، ثم واجه فانيسا من جديد.
“عليكِ أن تسلّمي شقيقتي الصغرى.”
“….شقيقة؟”
“يبدو أنكِ تحسبينني أحمقًا تمامًا. أليست شقيقتي الوحيدة ماريا على متن سفينة الآنسـة الآن؟”
‘إذًا دسّ شخصًا بالفعل.’
فسألت فانيسا بابتسامة متكلّفة،
“ولماذا تعتقد أن أختكَ هنا؟”
“كنتي بحاجةٍ إلى رهينة تمنع هجمات القراصنة، أليس كذلك؟ بعد اختفاء جزيرتي الرأس والكتف، أصبحت جزر القراصنة الخاصة كلها تقريبًا ضمن نطاقي.”
حين اختفى أثر الابتسامة عن وجه فانيسا، تابع بيدرو كلامه بتباهٍ،
“آه، من تعبير وجهكِ يبدو أن الأمر كان صحيحًا؟ تلك الشائعة عن القيمة الهائلة لحطام السفينة.”
“لا أدري من أين حصلتَ على تلك المعلومات السخيفة. وحتى لو كانت صحيحة، فماريا سجينةٌ في سجن أشوكا. ليست لكَ أي حقوقٍ عليها.”
“صحيح، لو كانت الآن في سجن أشوكا تحت الأرض.”
التوى فم بيدرو.
“ألا يثير فضولكِ ما الذي قد أكون أعرفه أيضًا؟”
لم تجبه فانيسا. و أومأ بيدرو برأسه بخفة، فوضع أحد أتباعه يده على صدر سترته.
لم يكن من الصعب تخمين ما الذي يخفيه تحتها.
“الحاكم لا يعلم بوجودكِ هنا، أليس كذلك، يا آنسة؟”
“كيف….”
“آه، لو كشفتُ كل شيء فلن يكون الأمر ممتعًا. على أي حال، لا ترغبين في تضخيم المسألة أكثر، كما أنا أيضًا.”
حين اقترب بيدرو بسخريةٍ و وقاحة، دفعه إرفين بخشونةٍ بذراعه.
“بيدرو ريبيرا، أيها الوقح…!”
“إرفين.”
ثم أشارت فانيسا إليه بالتراجع.
“اذهب وأحضر ماريا ريبيرا.”
فابتسم بيدرو بوجهٍ مفعم بالزهو.
“قرارٌ حكيم.”
“هوو….”
بعد قليل، عادت فانيسا إلى سطح السفينة، وكانت تنظر إلى امرأةٍ ذات شعر أخضر تُسحب مترنّحةً فوق الرصيف.
لم يرفّ لبيدرو جفنٌ وهو يرى شقيقته مقيّدةٌ بالأصفاد ومعصوبة العينين. وقد حمّل أتباع الحاكم ماريا على عربة يجرّها حمار.
“إذًا، ناديني متى احتجتِ، يا آنسة.”
ومن فوق السطح، نظرت فانيسا إلى بيدرو وهو ينصرف، ثم نَقَرت بلسانها.
“أحلامكَ كبيرة، بيدرو.”
“عندما تغرب الشمس ستغيّرين رأيكِ. ليل الجزر باردٌ جدًا. وعلى الأقل، في قلعتي أسرّةٌ أفضل من أولئك البحّارة الصغار.”
“….تثرثر كما يحلو لكَ، من الغريب أنه لم يُقطع لسانكَ بعد.”
قالت فانيسا ذلك وهي تكبت غيظها. فضحك بيدرو باستهزاءٍ ثم غادر.
“كان أكثر قذارةّ مما توقعت.”
قالت ذلك الخادمة التي كانت واقفةً بجانبها طوال الوقت وهي تراقب بيدرو يبتعد.
“حقًا؟ أنا وجدته تمامًا كما توقعت. لكن إلى متى ستتحدثين بتلك النبرة؟”
بعد أن تأكدت الخادمة من اختفاء بيدرو عن الأنظار، نزعت غطاء رأسها. و انسدل شعرها الأشقر المقصوص قصيرًا على كتفيها، وارتسمت ابتسامةٌ محرجة على وجهها المليء بالنمش.
“أشعر بالغرابة وأنا أتكلم كعادتي بهذا الشكل. من كان يظن أنني سأصبح شقراء يومًا ما.”
“وما زلتِ تفكرين بلون الشعر؟ يا لكِ من مرتاحة.”
على كلام فانيسا، تنحنحت ماريا بخجل.
“لكن….تلك، هل اسمها فرانسيسكا؟ هل هي بخيرٍ فعلًا؟”
“علينا أن نرى. مما لاحظته هذه المرة، يبدو أن لديها موهبة تمثيلٍ أفضل مما توقعت.”
بعد أن التقت فانيسا بماريا في السجن تحت الأرض، أعدّت زجاجتين من صبغة الشعر.
واحدةٌ لماريا، والأخرى لسجينةٍ أخرى تُدعى فرانسيسكا.
عندما التقت فرانسيسكا مجددًا بعد زمن، بدت مختلفةً تمامًا. و تحدّثت بوجهٍ جاد لم تره منها من قبل،
“تجربة السجن أنضجتني. لم أعد تلك السيدة الطائشة فرانسيسكا براير، يا فانيسا.”
“أه….إذًا….بماذا أناديكِ؟”
“سيدة فرانسيسكا.…!”
“….وما الذي تغيّر؟”
كان حوارًا تافهًا، لكن فرانسيسكا قبلت عرض فانيسا دون تردد.
قالت أنها قررت من الآن فصاعدًا أن تشق حياتها بشرفٍ واستقامة….أو شيءٌ من هذا القبيل.
نصف يوم من التمثيل مقابل الإفراج المشروط. كان ذلك ممكنًا لأن بنية فرانسيسكا ولون شعرها كانا مطابقين لماريا.
“ستغرب الشمس قريبًا. فلنسرع بالاستعداد.”
أومأت ماريا برأسها.
حتى ما قبل الإبحار كانت مترددةً بوضوح، لكن ما رأته قبل قليل جعلها تحسم أمرها تمامًا.
“كنتُ خائفة أن تظني أنني غبية، لذلك لم أستطع قول هذا من قبل….”
قالت ماريا ذلك وهي تتجه نحو مقصورة فانيسا.
“أخي كان يقول دائمًا أن سيد أشوكا هو من جعل أبي مقامرًا. و أنه دفع تعويضًا ضخمًا لهذا السبب. كنتُ أصدق ذلك فعلًا. لكن بعدما رأيت الأمر بنفسي، فهمت. سيد هذه المدينة لا يهتم بأمثالنا أصلًا.”
“لكن هو أيضًا بطريقته….”
هزّت ماريا رأسها على كلام فانيسا.
“أنا لا أريد لوم السيد. ما أحاول قوله هو أنني كنتُ أُلقي بكل تعاستي على الآخرين. في الحقيقة….كانت هذه أول مرةٍ أقضي فيها وقتًا طويلًا في السجن. ومع ذلك، لم يميّزني أيٌ من أولئك السجناء الفظّين لأنني من أبناء الجزر. كان ذلك مجرد شعور اضطهادٍ من جانبي.”
“…….”
“لذلك إن أُتيحت لي فرصةٌ أخرى، أريد حينها أن أعيش حياتي حقًا. لا كابنةٍ لأبي، ولا كأختٍ لأخي، بل كمجرد ماريا.”
ثم نظرت ماريا إلى فانيسا وابتسمت ابتسامةّ عريضة.
‘….أشعر بإحساسٍ مألوف.’
لكن ماريا كانت محقة. الأهم هو أن يعيش الإنسان حياته بنفسه. ولا أحد يملك حق عرقلة ذلك.
***
عندما بدأ الشفق يحلّ، وصلت فانيسا إلى أمام قصر الحاكم.
“لنذهب أولًا إلى غرفتي. هناك ممرٌ سري قريبٌ من هنا كنتُ أستخدمه في طفولتي.”
كانت ماريا تتذكر أوقات دوريات الحراسة في القصر.
كان القصر مبنى خشبيًا من طابقين. جدرانه وسقفه تآكلا بفعل رياح البحر القوية، وبدا أن البناء خضع لتوسعاتٍ عديدة، ما جعل هيكله معقدًا للغاية.
و لولا تعاون ماريا، لما كان التسلل سهلًا.
“لكن هل هو موجودٌ هنا فعلًا؟ ماذا لو كان أخي قد نقل الترياق إلى مكان آخر؟”
“لا، الترياق هنا.”
“لما أنتِ واثقةٌ إلى هذا الحد؟”
“بيدرو مهووساّ بالمظاهر، أليس كذلك؟”
حين سألتها فانيسا، مالت ماريا برأسها.
“هذا….صحيح.”
“لكنني رأيته في المرسى قبل قليل وقد زرر أزرار قميصه بطريقةٍ غير متناسقة.”
التفتت ماريا إلى فانيسا بنظرةٍ مذهولة.
“أنتِ جادة؟ فقط بسبب هذا.…؟”
و تابعت فانيسا كلامها.
“ثم قلتُ لكِ. قال أنه سيأمر بإعداد فراشي في القصر. بيدرو يحب تقليد النبلاء، ولن يهمل أبدًا استقبال ضيفته. أي أن بيدرو حتى هذا الصباح لم يكن يعلم أنني سآتي إلى هنا.”
“هذا….يبدو منطقيًا….”
“فلماذا هرع إلى الميناء دون أن يرتدي ملابسه جيدًا فور سماعه الخبر؟ لا بد أنه أخفى شيئًا مهمًا في بيته.”
أومأت ماريا برأسها.
“حجةٌ مقنعة.”
دارت الاثنتان إلى الجهة الخلفية من الحديقة، وأرهفتا السمع للأصوات الصادرة من داخل المنزل.
لم يكن يقيم في هذا البيت حاليًا سوى بيدرو ريبيرا. وكان وقت تناوله للعشاء هو الفرصة المناسبة.
التعليقات لهذا الفصل " 107"