تنهدت فانيسا.
هذه هي طريقة هذا الرجل. بدلًا من تقييد أفعال فانيسا، يزيل “عناصر الخطر” من حولها دون أن يترك لها حتى فرصةً لملاحظتها.
فالإخفاء والتلاعب هما حرفته ومجال عمله، ولذلك فإن محاولات الاستجواب لا تؤدي إلا إلى أن يفقد الطرف الآخر ما يقوله.
“اسمع، فيلياس.”
حين نادت فانيسا اسمه، أصدر فيلياس صوتًا خافتًا من أنفه وكأنه في مزاجٍ جيد.
“أستمع.”
ترددت فانيسا، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“هل كلفتَ هيرمان بـ….عرقلة تجنيد بعثتي الاستكشافية؟”
توقف فيلياس لوهلة، لكن صمته لم يدم طويلًا.
“نعم.”
‘يعترف بسهولةٍ أيضًا.’
قابتسمت فانيسا بمرارة.
“لماذا….فعلتَ ذلك؟”
هذه المرة، لم يأتِ الجواب بسهولة.
“الرصيف رقم 7 في جنوب أشوكا منطقةٌ للمهربين.”
“……؟”
“نستطيع في أي وقتٍ اعتقال جميع المتورطين وإغلاقه….لكننا لا نعمل بهذه الطريقة. فاختفاء الرصيف لا يعني اختفاء المهربين.”
“….من الأفضل مراقبة منطقةٍ محددة والسيطرة عليها بدلًا من ترك الأشرار يتفرقون في أنحاء المدينة. إذًا، ما الذي تريد قوله؟”
“لم تكن نيتي عرقلة تحركاتكِ. كما لم يكن بوسعي السماح لسجينةٍ هاربة بالصعود على سفينتكِ.”
“هذا يعني.…”
كانت فانيسا قد سمعت من قبل أن الجواسيس في ساحة المعركة، حتى لو كُشف أمرهم، لا يُفضحون فورًا. بل يُستغلون لبث معلوماتٍ مضللة تربك العدو.
ولهذا السبب لم يقم فيلياس بتطهير الأزقة الخلفية لأشوكا منذ البداية.
“بدلًا من القبض على المجرمين الصغار فورًا، يُستخدمون لمراقبة الشبكات والتحكم بها. كانوا يسمون ذلك بالسمك، أليس كذلك؟”
أي بمعنى آخر، كان هناك “سمك” بين أولئك البحّارة أيضًا.
“هذا ليس كلامًا مختلقًا الآن، صحيح؟”
“ليت الأمر كذلك….لكنني أكون قليل الذكاء في الصباح. فالدم لم يصل إلى رأسي بعد.”
ثم ابتسم ابتسامةً جانبية غامضة.
“ما الذي تقصده….آه.”
حقًا، إنه بارعٌ في تغيير دفة الحديث.
احمرّ وجه فانيسا وأدارت رأسها بسرعة.
“انهض بسرعة. قلتَ أنكَ ستكون مشغولًا اليوم أيضًا، أليس كذلك؟”
بدلًا من النهوض، أحاطها بذراعيه من الخلف.
“….هذا مزعج جدًا، أتعلم؟”
“ما زلتُ أشعر ببعض الظلم، لكنني أعتذر.”
ضحكت فانيسا بخفة.
“إذًا، إلى متى سنظل هكذا؟”
“أودّ لو نبقى هكذا إلى الأبد، لكن….ما زالت هناك أمورٌ كثيرة علينا حلها، نحن الاثنان.”
“إلى الأبد.” كانت كلمةً تثير الخوف دائمًا.
لماذا؟ مع أنها مجرد كلمةٍ لا أكثر.
ربما لأن انشغال فانيسا بحل ما أمامها مباشرةً جعلها تعتاد عدم النظر إلى البعيد. و ربما دون أن تشعر، أصبحت حقًا قصيرة النظر.
‘لكن لو كان بإمكاننا حقًا أن نبقى هكذا إلى الأبد.…’
من دون أن يُقتل أحدٌ في الحرب، أو يُسمم أحد. لو استطعنا أن نعيش هكذا بسلام.
صحيحٌ أن فانيسا تستطيع الذهاب إلى أي مكان، وأن تكون أي شيء. لكن إن كان الأمر اختيارًا بإرادتها، فإن البقاء إلى جانبه لم يعد يبدو خيارًا سيئًا.
‘ربما….ربما يكون هذا هو الحب.’
فكرت فانيسا قليلاً.
‘لذلك، الآن سأفعل ما أستطيع.’
في الوقت الحالي، وحدي، وفي قلبي فقط.
***
ظهرت في البعيد جزيرةٌ تشبه الركبة.
كانت جزيرةً صخرية يصعب على النباتات أن ترسخ جذورها فيها، وتبدو من بعيد مجرد شعابٍ هائلة.
لكن عند التدقيق، يمكن رؤية قريةٍ صغيرة تشكلت بين جزيرتين صخريتين منخفضتين.
كان يسكنها نحو مئتي شخص، من بينهم لاجئون قدموا من جزيرة الرأس. فقد كانت جزيرة الركبة أكبر جزر القراصنة من حيث المساحة وعدد السكان.
وقفت فانيسا عند مقدمة السفينة وارتعش جسدها. رغم أنها أغلقت معطف الفرو الأبيض السميك بإحكام، لم تستطع صد الرياح القاطعة.
‘هكذا يكون بحر الشمال فعلًا.…’
كان الطقس باردًا إلى درجة أن النفس يظهر، ومع ذلك كان البحّارة يتنقلون على السطح بقمصانٍ بلا أكمام.
لا مفر من الاعتياد على هذا البرد. فعلى أي حال، المكان الأقرب إلى بيت فانيسا الآن هو أشوكا.
“ألم يكن من الأفضل أن تتنكري قليلًا، آنسة؟”
اقتربت الخادمة وسألت. فهزّت فانيسا رأسها.
“لو تنكرتُ تنكرًا ناقصًا، فسيكون الأثر عكسيًا فقط. الجميع يعلم أنني المالكة الفعلية لهذه السفينة الاستكشافية.”
حتى لو قصّت شعرها وارتدت كبحّارة، فلن يكون من الممكن ألا تبرز بين أولئك الرجال المفتولي العضلات.
“لنبحث عن الترياق بأسرع ما يمكن ونغادر.”
هذا الصباح، قام سوريل بنفسه بتغيير مواعيد تبديل نوبات الحرس.
و كان الوقت الذي خرج فيه فيلياس لتفقد أضرار الفيضان استعدادًا للحملة فرصةً لفانيسا.
“آنستي.”
فتح إرفين باب المقصورة وخرج مسرعًا مقتربًا من فانيسا.
“يبدو أن بيدرو ريبيرا موجودٌ عند الرصيف. مع أنني تلقيتُ تقريرًا يؤكد أنه غادر الجزيرة صباح اليوم.…”
تنهدت فانيسا. كما توقعت، لم يكن الأمر ليُحل بهذه السهولة.
“لا بأس. كنتُ أتوقع متغيرًا بهذا الحجم.”
“إذًا، أنا.…”
ألقى إرفين نظرةً سريعة نحو الخادمة ثم خفض صوته وسأل.
“ماذا نفعل بـ‘ماريا ريبيرا’؟ لقد نقلناها مؤقتًا إلى مقصورة القبطان، لكن أليس من الأفضل أمنيًا إبقاؤها في السجن؟”
“….دعنا ننتظر ونرى.”
رست السفينة. و كانت القوارب القديمة المربوطة إلى الرصيف تتمايل صعودًا وهبوطًا بفعل الأمواج التي أثارتها سفينة الاستكشاف.
“ها هو هناك. ذلك الرجل هو بيدرو ريبيرا، آنستي.”
اتبعت فانيسا طرف إصبع إرفين بنظرها، فرأت شابًا ذا مظهرٍ صارخ يقف على الرصيف.
كان قد رفع شعره الأخضر الداكن المتموج، وعلى عنقه وصدره المكشوفين وشم زهورٍ خشخاشٍ حمراء.
كان ملبسه لا يقل فخامةً عن أبناء النبلاء، لكن الهالة التي تحيط به كانت بلا شك هالة قرصان.
ما إن نزلت فانيسا من السفينة حتى اقترب بيدرو مباشرةً وحيّاها.
“أنتِ أجمل بكثيرٍ مما سمعت، آنسة فانيسا لانغ. تشرفت بلقائكِ، أنا بيدرو ريبيرا، حاكم جزيرة الركبة.”
ثم مد يده، وكأنه ينوي تقبيل ظاهرها. و لم تتحرك فانيسا، بل حدّقت فقط في وجه بيدرو بصمت.
فابتسم بيدرو ابتسامةً محرجة ثم سارع إلى إضافة،
“عفوًا، هل ارتكبتُ خطأً ما؟ لستُ على درايةٍ جيدة ببروتوكولات الإمبراطورية.…”
“آه، لا داعي للاهتمام. لم أتوقع منكَ مثل هذه الأمور أصلًا.”
“هاها، آنسة لانغ….هذا محرجٌ فعلًا. بالطبع قد لا يرضيكِ.…”
“آنستي.”
“..…؟”
“إن اضطررتَ لمخاطبتي لاحقًا، فنادني آنستي فقط. دون ألقاب، ودون اسمي.”
فتصلبت ملامح بيدرو.
لقب “آنسة” يُستخدم عادةً في المناسبات الرسمية أو في أحاديث النبلاء فيما بينهم.
و صحيحٌ أن بيدرو ريبيرا حاكمٌ معترفٌ به ذاتيًا، وليس تابعًا لفانيسا، وبالمنطق كان ينبغي لها أن تعامله كحاكم.
‘وماذا أفعل، لا نية لي لفعل ذلك أصلًا.’
حتى مما سمعته من ماريا أو سوريل، كان شخصًا مثيرًا للاشمئزاز بما فيه الكفاية، لكن مواجهته وجهًا لوجه وتبادل النظرات معه جعل الأمر واضحًا.
هو الجاني. بيدرو ريبيرا هو من استغل الابن الأصغر لحاكم جزيرة الرأس وسمّم فيلياس.
بدت عليه غصةٌ من موقف فانيسا المشوب بالازدراء، لكنه على غير المتوقع أحسن كبح مشاعره وإخفاءها.
“كما تأمرين، آنستي. لا بد أنكِ متعبةٌ من الرحلة، فما رأيكِ أن تتفضلي إلى مقر إقامتي لنتناول الطعام معًا؟ سآمر بإعداد مسكنٍ لكِ في دار الإدارة.”
“لا، لا داعي.”
قطعت فانيسا كلامه ببرود.
“مقصورات سفينتنا جيدةٌ بما يكفي. ثم إنني لا أنوي البقاء في هذه الجزيرة طويلًا من الأساس.”
“….أفهم.”
“إذًا، سأذهب الآن. لا أستطيع القول أنني سعيدةٌ بلقائكِ.”
وفي اللحظة التي همّت فيها فانيسا بالانصراف، اعترضها بيدرو بابتسامةٍ لزجة وهو يقف في طريقها.
“لكن هذا لا يصح. لقد شرفنا ضيفٌ كريم، أليس من الواجب أن نُحسن استقباله بما يليق به؟”
“أمام من تظن أنكَ تقف الآن؟”
قال ذلك إرفين، الذي ظل واقفًا إلى جانب فانيسا طوال الوقت، بنبرةٍ خشنة نوعًا ما.
فضيّق بيدرو عينيه. وقد أدخل يديه في جيوب معطفه، و نظر إلى إرفين من الأعلا.
“آه، ومن أرى؟ ألم يكن هذا….العجوز إرفين؟ ظننتكَ متّ منذ زمن، لكنكَ زحفت بلا خوف حتى إلى داري.”
___________________
شكل وراه مصيبه المخنز ذاه
الصدق كان لازم يمرون عليه؟ يعني هو كان واقف كان عديوته من جهة ثانيه وخلاص
اما ماريا ماطلعت معهم لأنه الحمار بيعرف اخته من اول نظره ثم بيسوي نفسه الاخو الحنون ويضمها ويحلف على فانيسا تتعشى عندهم عشانها انقذت اخته
المهم اذا طلعت وما معها الترياق او صار لها شي هي بعد مقدر صدق اتوقع النهايه✨
الحلو ان مابه تمطيط في الوضع امان
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 106"