“اسمعي يا ماريا، لديّ ما أحكيه لكِ عن السفينة الغارقة التي كنتِ تبحثين عنها.”
“ما الذي تتحدثين عنه فجأة؟”
“لا يوجد كنزٌ في تلك السفينة الغارقة. وحتى لو جرى انتشالها، فلن تحصلي على تمويلٍ يكفي لأن يستقل الأرخبيل عن أشوكا.”
ارتسم الارتباك على وجه ماريا.
“لكن….الجميع في الأرخبيل يقولون.…”
“أعلم. وأنا أيضًا لا أعرف من أين بدأت تلك الشائعة. لكنكِ تعلمين كما أعلم أن الأرخبيل بيئةٌ لا يمكنها النجاة بقواها الذاتية. لا ماءٌ عذب ولا موارد، ولو أراد جميع سكان الأرخبيل الهجرة إلى أرض جديدة فسيحتاجون إلى ثروةٍ هائلة.”
“….…”
بدت ماريا غارقةً في التفكير لحظة، ثم رفعت رأسها، وما زال الشك يلوح في ملامحها.
“وكيف لي أن أصدقكِ؟ كيف أعرف أن هذا ليس مجرد حيلةٍ لإجباري على التخلي عن الكنز؟”
أمالت فانيسا رأسها قليلًا إلى الجانب.
“سواء تخليتِ عن الكنز أم لا، فهذا لا يعنيني في شيء. أولًا، لأنكِ ستبقين محبوسةً في هذا السجن لما لا يقل عن عشرين عامًا، وثانيًا، لأن وجود الكنز من عدمه لا يهمني أصلًا.”
لم تقل صراحة: لأنني غنيةٌ بما فيه الكفاية، لكن ماريا لا بد أنها قرأت ذلك في ملامحها.
“….أنتِ مستفزة.”
تمتمت ماريا.
“أعلم.”
فابتسمت فانيسا.
“لا يوجد كنز. لكن ما تتمنينه، أستطيع أن أحققه لكِ.”
“ماذا؟”
أخرجت فانيسا الوثائق التي أحضرتها. كانت وثيقة تعيينها حاكمةً للإقطاعية التي تسلمتها هذا الربيع.
وأشارت إلى الختم الإمبراطوري اللامع،
“لوكت. هذه إقطاعيتي في الشرق. ليست كبيرة، لكنها كافيةٌ لاستيعاب سكان جزيرة الركبة.”
لم تفعل ماريا سوى التحديق فيها بذهول.
“بالطبع، ستكون بيئةً غريبةً عليكم، أنتم الذين عشتُم طوال حياتكم فوق البحر. لكن إن انتهى العمل الذي أشرع فيه الآن بسلام، فسأبذل قصارى جهدي لمساعدتكم على الاستقرار. ولن أفرض ضرائب لعدة سنواتٍ مقبلة.”
“….…”
“أنتِ تريدين الاستقلال لأن الأرخبيل لم يعد يملك مستقبلًا، أليس كذلك؟ هذه فرصةٌ للبدء من جديد تمامًا. لن يعرف أولئك الناس من أنتِ، ولا من أين جئتِ.”
كانت فانيسا قد علمت من قائد الحرس أن ماريا ريبيرا كانت تتولى في الغالب الأعمال القذرة الخاصة بجزيرة الركبة.
حتى من دون معرفة تفاصيل أوضاع الأرخبيل، بدا واضحًا أنه بعد أن استولى بيدرو على منصب الحاكم، أصبحت ماريا وأتباعها معزولين تمامًا.
وكان يكفي النظر إلى الدفاتر التي وُجدت في خزنة ساحة القتال. حجم الصفقات، والأموال المتداولة، كلها كانت ضخمة.
ومع ذلك، قيل أن ماريا لم تكن قادرةً حتى على دفع رصيدها المالي الخاص في السجن. وعندما رأت العملات الذهبية من سايروس المخفية في القاع المزدوج، بدت مصدومةً تمامًا.
لا بد أنها كانت تعمل في التهريب بأوامر من أخيها. تحملت المخاطر وحدها، من دون أن تنال مقابلًا عادلًا.
‘غالبًا ما يكون من يُسجَّل اسمه في الدفاتر هو من يتحمل كل شيءٍ في النهاية.’
ظلّت ماريا تنظر إلى فانيسا طويلًا، عاجزةً عن الكلام. ثم سألت بصوتٍ مرتجف،
“إذًا….ماذا تريدين مني بالضبط؟”
اختارت فانيسا كلماتها بحذر.
“هناك….شخصٌ مهمٌ جدًا بالنسبة لي. ذلك الشخص مسمومٌ الآن. وأنا أعتقد أن الترياق بحوزة أخيكِ.”
“انتظري، لا أفهم. هل هذا….له علاقة بذلك الرجل….حاكم أشوكا؟”
لم تُجب فانيسا.
“إذًا محاولة تسميم الحاكم في جزيرة الرأس كانت حقيقية.”
تمتمت ماريا، ثم تابعت بوجهٍ ما زال مضطربًا،
“لكن إن كان الأمر كذلك، فلماذا لا تفتشون جزيرة الركبة مباشرة؟ لماذا تقولين لي هذا؟”
“الأمر معقدٌ قليلًا يا ماريا. ذلك الشخص….بيدرو يرى أن له قيمةً يمكن استغلالها.”
“قيمة….للاستغلال؟”
“يظن أن بيدرو سيستخدمه للتعاون مع خصومه السياسيين وإشعال تمرد. وحين يلتقط أي إشارة لذلك، يخطط لإبادة الأرخبيل بأكمله فورًا.”
“إذًا أنتِ.…”
هزّت فانيسا رأسها.
“لا أنوي عرقلته. لكنني لا أريد لذلك الشخص أن يُصاب بأذى. لذلك سأدخل جزيرة الركبة سرًا، وأستعيد الترياق فقط، بهدوء.”
أطلقت ماريا ضحكةً جافة.
“في النهاية، تطلبين مني أن أخون أخي وعائلتي.”
“ماريا، أعرف أنكِ لستِ غبية. أنتِ تعرفين أيضًا ما الذي تفاوض عليه بيدرو مع الحاكم عندما جاء إلى القلعة.”
“….…”
“صحيحٌ أنكِ هرّبتِ الأسلحة. لكن من أصدر الأوامر كان بيدرو. سمعتُ أنكِ التزمتِ الصمت حيال تهم أخيكِ طوال التحقيق. ومع ذلك، كانت عقوبتكِ قاسيةً على نحو غير معقول. ألا يثير هذا الشك لديكِ؟”
“وما الذي أعرفه أنا عن العقوبات أصلًا؟ أعرف فقط أن أشوكا لا تعامل أبناء الأرخبيل كبشر. لم أتوقع حكمًا عادلًا من البداية.”
“هل تؤمنين بذلك حقًا؟ أم أنكِ تريدين فقط أن تصدقيه؟”
“….ما الذي تحاولين قوله؟”
“بيدرو ريبيرا باع جميع رفاقه. ثم ألقى بكل خطاياه فوق رأسكِ.”
عند كلمات فانيسا، شدّت ماريا على أسنانها. بدا أنها كانت تتوقع ذلك إلى حدٍّ ما.
استطاعت فانيسا أن تفهم شعورها. فقطع رابطة الدم ليس أمرًا سهلًا أبدًا.
العقل يدرك ما يجب فعله، لكن سنوات الإذلال والاستخفاف تلتف حول القدمين كقصورٍ ذاتي يمنع الحركة.
‘لأنني مررتُ بذلك أيضًا. ثماني سنوات كاملة.’
“في النهاية، سينال بيدرو جزاءه. لكن هل أنتِ حقًا بخير مع أن ينتهي بكِ المطاف هكذا؟”
احمرّ طرف أنف ماريا، و ردّت بصوتٍ أكثر خفوتًا،
“وماذا….بوسعي أن أفعل؟ كما قلتِ، سأبقى محبوسةً هنا عشرين عامًا.…”
“هل نسيتِ؟”
رنّ الصوت المعدني.
طِرنغ-
أخرجت فانيسا مفتاح الأصفاد.
“سأساعدكِ على تخفيف الحكم. سأجعلهم يميّزون ذنبكِ وحدكِ بدقة. وبعدها….يمكنكِ أن تبدئي من جديد.”
كانت ماريا تنظر إليها شاردة، ثم مدت ذراعها كأنها مسحورة.
طَق-
و انفكّ القيد.
“إذًا الآن….من أين نبدأ؟”
سألت ماريا وهي تتحسس معصمها، و ما تزال غير مستوعبة. فابتسمت فانيسا ابتسامةً خفيفة.
“هل لديكِ لونٌ مفضل؟”
***
فتحت فانيسا عينيها على ضوء الشمس المتسلل بين الستائر.
“منذ زمنٍ طويل لم أنم بهذه الراحة.”
وعندما استدارت بلا وعي إلى اليسار، انتفضت فجأة وتراجعت بجسدها.
‘آه….صحيح.…’
كان فيلياس ما يزال نائمًا بهدوء. بملامح السلام التي نادرًا ما تُرى على وجهه.
مدّت فانيسا يدها دون وعي ولمست حاجبيه المرسومين كلوحةٍ لمسةً خفيفة. و تجعد جبينه قليلًا، فضحكت فانيسا بخفة.
لكن سرعان ما امتلأ ذهنها بفكرة السم الذي يدور في جسده.
‘لا أفهم لماذا عليّ أن أتشاجر معكَ كي أنقذك.’
قالت ذلك في نفسها وهي تمرر أصابعها على جبينه المستقيم بلا عيب.
‘وبالمناسبة.…’
وافقت ماريا على التعاون في العثور على الترياق، لكن بشروط. أن تصعد فانيسا معها على السفينة.
“سأثق بكِ مبدئيًا. لكن بعد أن نعثر على الترياق، أحتاج إلى ضمان أنكِ لن تتظاهري بأنكِ لا تعرفينني. إن وُصمتُ كهاربة، فسيشنقونني فورًا.”
كانت ماريا أكثر حذرًا مما يبدو.
“أنا أراهن بحياتي وأنا أساعدكِ. لذا راهني بحياتكِ أنتِ أيضًا.”
‘في النهاية….المشكلة تعود لهذا الرجل مرةً أخرى.’
ماذا ينبغي أن تقول؟ هل تخبره أنها ستتوجه إلى الأرخبيل مع شقيقة الحاكم لاستعادة ترياقٍ قد يكون موجودًا؟
كانت تتساءل ماذا سيكون رده….لا، في الحقيقة كانت تتوقعه.
“فكرةٌ لطيفة، هاها، حسنًا.…” شيء من هذا القبيل على الأرجح.
“مستفز.”
بمجرد تخيل ذلك، عبست فانيسا وضغطت بإصبعها السبابة بقوة على منتصف جبينه.
“وماذا فعلتُ هذه المرة أيضًا؟”
ثم تمتم فيلياس وهو ما يزال مغمض العينين.
“قلتَ أشياء فظيعةً جدًا في خيالي للتو.”
قالت فانيسا ذلك وهي تسحب يدها، فضحك ضحكةً خافتة.
“همم….هذا مؤسفٌ قليلًا، لكن….على أي حال، أعتذر.”
“هل هناك أخطاءٌ أخرى؟”
“هل اكتشفتِ شيئًا جديدًا؟”
“….وإن لم يكن هناك شيءٌ اكتشفته؟”
“إذًا، لا ذنب لي.”
قال ذلك ثم تزحزح متقربًا، ودسّ نفسه ببطءٍ بين ذراعي فانيسا.
التعليقات لهذا الفصل " 105"