“حتى لو ضغطنا على ماريا ريبيرا، فلن نصل إلى مكان الترياق. وحتى لو عثرنا عليه بأي طريقة، فإن بيدرو ريبيرا، ما إن يستشعر الأمر، سيحاول فورًا إتلاف الأدلة.”
“لهذا يجب أن ننتزعه قبل ذلك. طالما يعتقد أنه قادرٌ على تفادي الشبهات، فحتى بيدرو يحتاج إلى ورقة تفاوض، لكن من يضمن أنه سيحتفظ به إلى الأبد؟”
“يمكننا إعادة تصنيع الترياق بأي حال. لقد حصلنا بالفعل على أكثر من نصف الوصفة.…”
“صحيح. فلنجرّب إذًا سكب ترياقٍ ناقص، لا نعرف حتى نسبه الدقيقة، في جسد الدوق. وسننتظر لنرى متى سيتقيأ دمًا مجددًا، أو يُصاب بالعمى.”
حين سخرت فانيسا، أطبق سوريل فمه بإحكام.
كانت فانيسا قد اطّلعت بالفعل على وصفات السموم والترياقات التي انتُزعت عبر استجواب صانع السم.
كانت أكثر من عشر وصفات. لكنها في الحقيقة لم تكن سوى نسخٍ مختلفة من السم نفسه، تختلف قليلًا في تركيب المواد ونِسَبها.
ومن بين تلك النسخ الكثيرة، لم يكن حتى الصانع نفسه يعلم أيها استُخدمت ضد فيلياس.
‘لا أعلم من الذي كلفه، لكنه شخصٌ شديد الاحتياط.’
وفوق ذلك، لم يُلقِ مرافقو ولي العهد القبض عليه إلا بعد أن أتلف جميع الوثائق الموجودة في ورشته.
وكان الصانع معروفًا بعنفه، وقد قاوم بشدة أثناء الاعتقال، حتى أن أحد المرافقين أُصيب.
كان من الصعب تخيّل ذلك المشهد عند تذكّر ما رأته فانيسا.
“الرحمة….الرحمة….أرجوكَ، أرجوكَ.…”
بعد “مقابلته” مع فيلياس، أفشى الصانع كل ما يعرفه. وقد سرد وصفات الترياق المشبوهة مسترجعًا ذاكرته بإخلاص.
لكن في ذلك الوقت، لم يكن في كامل وعيه، لذا اختلطت بعض أسماء المواد وكمياتها بشكلٍ غامض.
“من الأساس….ترتيب الأسئلة كان خاطئًا تمامًا.…”
تنهدت فانيسا. وكان سوريل بدوره يبدو قلقًا.
“الدوق، في الأصل….لا يهتم كثيرًا بسلامته الشخصية. ظننتُ أنه تحسن كثيرًا بفضلكِ، آنسة….لكن يبدو أن هذه طبيعته التي لا تتغير.”
“هل هذا صحيحٌ فعلًا.…؟”
إن كان ثمة ما أدركته فانيسا بعد لقائها بفيلياس، فهو أن تهوره ونزعته التدميرية لم يكونا نابعين من تدنّي تقدير الذات.
بل على العكس، كان متغطرسًا. ليس لأنه وُلد بقدراتٍ قوية، ولا لأن كل من حوله يهابه. إنما لأنه كان كذلك بطبيعته.
إنسانٌ متغطرس إلى حدٍّ فظ، كما وصف نفسه ذات مرة، إنسانٌ فاسد من الأساس….ذلك هو فيلياس سايران.
لم يكن ليتخيل أصلًا أن سمًا تافهًا قد يسقطه. ولهذا كان كشف هوية الجاني ومكانه أهم لديه من الترياق نفسه.
ومسألة “بأي جرأةٍ أقدم ذلك الوقح على فعل كهذا” كانت بالنسبة له أكثر إلحاحًا.
ومع ذلك، كان من المفترض أن يكون تصرّفه أمام فانيسا، متظاهرًا بالبراءة كحملٍ وديع، مثيرًا للاشمئزاز….لكن….
تذكّرت فانيسا ملامح فيلياس وهو يرفع بصره إليها الليلة الماضية.
‘هل السبب….وجهه؟’
على أي حال، كان من المرجّح أن تنتهي هذه الحرب الباردة الساذجة قريبًا، وبطريقةٍ ملتبسة.
“وماذا عن الأمير الخامس من سايروس؟ هل توصلتم إلى معلوماتٍ جديدة؟”
“المعلومات كثيرة، لكن الإشاعات أيضًا كثيرة. وبما أن الخصم ليس عاديًا، فمن الصعب معرفة ما الذي يمكن الوثوق به….”
بحسب ما سمعته فانيسا، فإن الأمير الخامس من سايروس لم يولد بقدرةٍ حقيقية.
كان قد أُقصي عن صراع السلطة وعاش بهدوءٍ في الأطراف، فكيف يحاول فجأةً اغتيال أقوى قوةٍ في الإمبراطورية؟
“لكن.…”
تردد سوريل.
“هذه مجرد إشاعةٍ غير مؤكدة تمامًا، لكن هناك من يدّعي أنه رأى الأمير الخامس من سايروس يستخدم قدرة النار.”
“النار؟”
أومأ سوريل برأسه.
“يبدو أن الدوق يعتبرها محض هراء. كما تعلمين، فإن ما يُسمى بـ”نار دِليما” قدرةٌ نادرة جدًا.”
كان ذلك منطقيًا. فسبب وصول أون إلى هذه الإمبراطورية البعيدة كان فقط لأنها تتحكم بالنار.
“لكن إن كان ذلك صحيحًا، أليس في الأمر مشكلةً خطيرة؟”
“لا أدري. لم أسمع قط عن قدرةٍ لم تكن موجودةً ثم تظهر بعد البلوغ، كما أن الأمير الخامس، حسب معرفتي، لم يشارك يومًا في ساحة معركة.”
“إذًا الأهم حاليًا هو معرفة من نشر هذه الإشاعة، ولأي غرض.”
توقفت العربة. و سارا فانيسا وسوريل على الطريق المرصوف بالحجارة حتى وصلا إلى باب السجن تحت الأرض.
كان مدير السجن في انتظارهما بعدما تلقى إشعارًا مسبقًا. وحين دخلا غرفة استقبالٍ صغيرة خلفه، كانت ماريا ريبيرا جالسةً على مقعدٍ خشبي، وملامح القلق باديةٌ على وجهها.
كانت مكبلةً بالأصفاد، وكان حارسٌ بزيه الرسمي يراقبها.
“انتظر عند الباب. وأنتَ أيضًا، سيد سوريل.”
نهض الحارس وغادر الغرفة. و كان على وجه سوريل تعبيرٌ غير مستساغ، لكنه سرعان ما نهض وترك فانيسا وماريا وحدهما.
“مرحبًا يا ماريا. كيف هي الحياة في السجن؟”
سألتها فانيسا وهي تجلس قبالتها، فضحكت ماريا بسخرية وكأن الأمر يبعث على العبث.
لم تكن ماريا مختلفةً كثيرًا عمّا كانت عليه آخر مرة التقَتا فيها. بدا وجهها أكثر شحوبًا قليلًا، ومن بين شعرها الأخضر الملطخ ظهرت جذورٌ بنية فاتحة وقد طالت قليلًا عند فروة الرأس.
“وما الذي أتى بالأميرة إلى مكانٍ حقيرٍ كهذا؟”
سألت ماريا بسخرية، فردّت فانيسا مبتسمةً بلا اكتراث.
“تحدثي بدقةٍ يا ماريا. الأميرة ليست أنا، بل أنتِ. ألستِ أخت الحاكم الوحيدة لجزيرة الركبة؟”
وكما توقعت، أطبقت ماريا فمها وارتسم على وجهها تعبيرٌ معقّد.
فتابعت فانيسا بابتسامة،
“لا تقولي أن بيدرو ريبيرا لم يزرْكِ ولو مرة؟ سمعتُ أنه استُدعي إلى القلعة فور القبض عليكِ.”
ظلت ماريا صامتة. بدا واضحًا أنها تعلم أن أخاها جاء إلى القلعة ثم غادر من دون أن ينقذها.
وبعد طول صمت، تحدّثت ماريا وهي تكشر،
“وما فائدة الزيارة أصلًا؟ حتى لو شرحتُ لكِ فلن تفهمي. أنتِ لم تدخلي السجن يومًا.…”
“ربما ليس سجنًا، لكنني دخلتُ حجز الحرس غير مرةٍ يا ماريا.”
قالت فانيسا ذلك بتباهٍ مازح، فحدّقت ماريا فيها بعدم تصديق.
“لماذا؟ هل كنتِ تبيعين حبوب تخسيسٍ مثلًا؟”
“يا لكِ من سليطة اللسان.”
“إذًا؟”
“كنتُ أذهب بصفتي زائرة. فوالدي كان مدمن كحولٍ ومقامرًا.”
حدّقت ماريا في وجه فانيسا طويلًا، ثم تمتمت بعد حين،
“….أبي كان كذلك أيضًا.”
“أعلم.”
بحسب ما سمعته فانيسا من شان، فإن أنطونيو ريبيرا، الحاكم السابق لجزيرة الركبة ووالد ماريا، كان أول من استسلم للحاكم الجديد قبل ست سنوات.
وقد لامته بعض الجزر التي قاتلت حتى النهاية، لكن ما إن عُرفت قيمة المكافأة التي حصل عليها حتى بدأوا بالانضمام إليه واحدًا تلو الآخر.
ثم قام أنطونيو بدفع تلك المكافأة كاملةً إلى موائد القمار.
كان يشرب احتفالًا في الأيام التي يربح فيها، ويشرب مواساةً في الأيام التي يخسر فيها.
‘لا بد أنه كان إنسانًا قذرًا. لا يحتاج الأمر إلى تخمين.’
بناتُ أولئك الآباء، مهما اختلفت مكانتهن، لا بد أن يشتركن في شعورٍ واحد.
“الذين لا يعرفون شيئًا يتحدثون بسذاجةٍ عن ضرورة ستر عيوب العائلة أو عن الغفران. لكن من وُلد في عائلةٍ كهذه، فهو عمليًا يحمل قيدًا يلازمه طوال حياته.”
قالت فانيسا ذلك وهي تنظر إلى ماريا بثبات. فارتجفت جفون ماريا ارتجافًا خفيفًا.
“إذًا….ما سبب قولكِ كل هذا لي؟ لقد اعترفتُ لرئيس السجن بكل ما أعرفه. إن كنتِ تحاولين النبش في أمر بيدرو، فأنتِ في العنوان الخطأ.”
“ما يهمني ليس بيدرو، بل جزيرة الركبة.”
“ماذا؟”
“يكفي أن تساعديني على التجول في الجزيرة سرًا. فأنا.…”
توقفت فانيسا قليلًا.
كانت قد فكرت مسبقًا فيما ستقوله لإغراء ماريا. لكن هل من الحكمة أن تبوح بكل هذا لفتاةٍ كهذه؟
‘إن أردتِ طلب المساعدة من أحد….فلا بد من أن تخفّضي رأسكِ قليلًا بنفسكِ.’
______________________
اكتشافات فانيسا عن فيلياس حلوه كملي كملي
ماريا ذي مسكينه لا ابوها ولا اخوها فيهم خير تـء تـء
المهم فانيسا كل ماقالت وش فيني؟ قصدها انها تعلقت بفيلياس والحين تسأل ايه احبه هههههعااااعهعه
التعليقات لهذا الفصل " 104"