“أمم، لكن يا آنسة….هل الآنسة نورتن ستعود فعلًا إلى أشوكا؟”
سأل شان بتردد. و في الحقيقة، لا بد أنه كان يريد سؤال هذا منذ وقتٍ طويل.
“لا أعلم متى تحديدًا. ما دامت مرشحة ولي العهد تقيم في القصر الإمبراطوري، فلن يكون بوسعها المغادرة كما تشاء.”
لم يكن قول فيلياس أنه طرد نيكولا صحيحًا. فقد استُدعيت نيكولا بأمرٍ إمبراطوري، وعُيّنت مؤقتًا في الجناح الملحق بالقصر.
ذلك الجناح الذي ستقيم فيه الأميرة ليونا، المرشحة الأوفر حظًا لمنصب وليّة العهد، خلال فترة احتفالات التأسيس.
كانت نيكولا قد تلقت تدريبها في القصر، وعملت طويلًا في مقر الضيوف، لذا كانت المرشحة الأنسب تمامًا.
صحيحٌ أن التوقيت بدا مريبًا بعض الشيء، لكن فانيسا كانت تتمنى أيضًا أن تمضي نيكولا هذه الفترة في مكانٍ آمن، بعيدًا عن أشوكا.
وفوق ذلك، كانت رسالة نيكولا التي وصلت قبل أيامٍ قليلة مفعمةً بالحيوية بلا شك.
[تخيلي يا سيدتي! هناك خادمةٌ هنا تقول أنها كانت تخدم آخر أميرةٍ من إمبراطورية سانت!
سألحّ عليها لتعلّمني أسرار العناية بالبشرة التي كانوا يستخدمونها في القصر الإمبراطوري!
صحيحٌ أن بشرتكِ مثالية أصلًا يا آنسة، لكن شتاء أشوكا قاسٍ بقدر شتاء القارة الشمالية!
سأتعلم كل شيء، من طرق التجميل إلى صناعة الكريمات، وسأعود، فانتظريني قليلًا فقط!]
“هذا يشبهها فعلًا.”
قال شان ذلك وهو يأخذ رشفةً من القهوة.
كان صوته كالمعتاد، لكن زاوية فمه المختبئة خلف الكوب كانت ترتفع بابتسامةٍ واهنة.
“أيها المستشار.”
“نعم، آنستي؟”
“لم تتح لكَ فرصة الحديث مع نيكولا حتى مرةً واحدة، أليس كذلك؟”
“…….”
“مثيرٌ للشفقة، حقًا.”
وبينما كان الاثنان يتبادلان الحديث وهما يرتجفان من البرد، ظهر إرفين من جهة المستودع وسأل بوجهٍ مستغرب.
“لماذا تقفان هنا هكذا؟”
“كنا ننتظركَ. ألا تذكر موعد الغداء اليوم؟”
عند كلام فانيسا، حكّ إرفين ذقنه.
“ليس هذا ما أعنيه. لماذا ترتجفان عند الساحل؟ الضيوف الذين يأتون اليوم لا يحتملون البرد، وقد أوصيتُ الموظفين بتشغيل التدفئة مسبقًا….”
وأشار وهو يتكلم نحو مكتب شركة التجارة.
“….صحيح. لماذا لم نفكر في الانتظار في الداخل؟”
شعرت فانيسا وكأنها غدت حمقاء تمامًا.
“ألغي كلامي عن ذكائكِ يا آنسة.”
فتمتم شان بصوتٍ أنفي.
“وأنتَ أيضًا لم تفكر بالأمر. شهادة التخرج الثانية من الأكاديمية كانت كذبة، أليس كذلك؟”
“لم تكن الثانية، بل الأولى. الأول على الدفعة كلها. وأول طالبٍ مبتعثٍ يحقق ذلك.”
“حسنًا، فهمت، فلندخل بسرعة. أشعر أن أصابع قدمي ستتجمد.”
***
في مطعمٍ يطل على البحر. قادتهم النادلة إلى طاولةٍ أُعدّت خصيصًا لهم.
كان المكان صاخبًا، لذا لم يكن هناك داعٍ للقلق من أن يتنصت أحدٌ على حديثهم.
“لا بد أنكَ قرأت الرسالة التي أرسلناها سابقًا.”
قال شان ذلك وهو يعصر عصير الليمون فوق بلح البحر المشوي. بينما أومأ إرفين برأسه.
“قرأتها، نعم….لكن بصراحة، لا أشعر بالارتياح التام. كأننا نتآمر خلف ظهر الدوق….”
“لا داعي للشعور بالذنب. ما يرتكبه الدوق خلف ظهورنا أكثر بكثيرٍ مما نفعل نحن.”
قال شان ذلك ثم انتزع لحم بلح البحر ووضعه في فمه دفعةً واحدة.
‘كلامه يحمل دلالةً خطيرة….’
فكرت فانيسا وهي تتناول رافيولي محشوًا بالروبيان.
وفقًا للرسالة التي بعثها إرفين من العاصمة، فإن من كان يعرقل تجنيد بعثة الاستكشاف حتى الآن هو سمسارٌ شهير حتى داخل أشوكا.
واللافت أن كل تلك العرقلة اختفت دفعةً واحدة، وبمصادفةٍ غريبة، في اليوم التالي مباشرةً لاعتراف فانيسا بمشاعرها لفيلياس.
هل كان فيلياس يعرقلها حقًا؟ إن كان هدفه منعها من مغادرة أشوكا، فليس الأمر مستبعدًا. فهو من هذا الطراز من الرجال.
‘….على أي حال، الوضع الآن لا يحتمل التأجيل. يمكننا محاسبة من خدع من بعد انتهاء كل شيء.’
قيل إن السم الذي أسقط فيلياس يولّد جسمًا غريبًا في الدم، ويُلحق أذى مستمرًا بالأعضاء.
حتى لو كان دم العائلة الإمبراطورية يحمي فيلياس، فلا وسيلة لديه لتفكيك كيانٍ لا يهاجم الجسد مباشرة.
لو كان ذلك ممكنًا، لكانت العائلة الإمبراطورية خالدةً عمليًا.
وفوق ذلك، كان فيلياس يقضي نصف السنة في ساحات القتال. ولو فقد وعيه مجددًا في ظرف طارئ، فلن يكون من الممكن ضمان سلامته.
بعد أن غرق إرفين في التفكير قليلًا، فتح فمه.
“أفهم أن الهدف الخفي من هذه الرحلة هو الحصول على ترياقٍ للدوق. وأفهم أيضًا ضرورة التحرك سرًا لأن صحة الدوق ليست أولويةً لديه. لكن لماذا جزيرة الركبة تحديدًا؟ صحيحٌ أن جزيرة الكتف قد طُهّرت في هذه الحادثة، لكن ما تزال أربع جزر في الأرخبيل….”
“المعلومة موثوقة. يصعب شرح الأمر الآن، لكن الترياق موجودٌ هناك بلا شك.”
كان ذلك جزءًا من القليل الذي شاركه سوريل من محتوى إحدى جلسات الاستجواب.
قيل أن صانع السم يبيع دائمًا قارورةً واحدة فقط، ومعها الترياق المقابل لها.
أي إن من حاول التسميم، على الأرجح، يمتلك الترياق أيضًا.
جزيرة الرأس، حيث تعرض فيلياس لأول مرة للسم، كانت قد دُمّرت بالكامل منذ أكثر من شهر.
لكن الدوق فالندورف، الذي التقته فانيسا في القصر، قال بوضوحٍ أنه يعرف “أين يختبئ” الفاعل.
“أنا لستُ من سمّم ليون. لكنني أعرف تقريبًا أين يختبئ ذلك الوغد. أتريدين أن تعرفي أين؟”
وإذا كان الجاني مختبئًا فعلًا في مكانٍ ما، فالأرجح أنه ينتمي إلى إحدى “القوى المستقلة” في الأرخبيل.
ومن بينها، كانت جزيرة الركبة هي موضع الشبهة الأجدر. كان من المسلّم به تقريبًا أن سيد جزيرة الركبة، بيدرو ريبيرا، كان يعقد صفقاتٍ مع دوق فالندورف.
“قالوا أن العقل المدبّر للحادث هو الأمير الخامس من سايروس، أليس كذلك؟”
كانت تلك عبارة التقطتها خلسةً في سراديب قصر وليّ العهد.
فمن غير المعقول أن يختبئ أميرٌ من دولةٍ عدوّة في مكان كالأرخبيل، ما يعني أن الأمر ليس فعلًا فرديًا بسيطًا.
أي أن “ذلك الوغد” لا بد أنه يشير إلى المنفّذ الذي دسّ السم في الروم.
“الأدلة الظرفية تقول ذلك، لكن الأهم أن الدوق يبدو وكأنه حدّد جزيرة الركبة، وبالتحديد بيدرو ريبيرا، باعتباره الجاني. هو لا يقول لنا سوى أن نغضّ الطرف عن شؤون السياسة الداخلية، لذا لا يسعنا إلا التخمين.”
هزّت فانيسا رأسها موافقةً على كلام شان.
كان واضحًا أن فيلياس قد توصّل بالفعل إلى هوية الجاني من خلال مقابلته مع الصانع. لكنه لم يُبدِ أي نيةٍ لمشاركة تلك المعلومة.
و ما إن عاد إلى أشوكا حتى بدأ فورًا بتطهير أرخبيل القراصنة. وكانت التهمة، بطبيعة الحال، محاولة اغتيال الدوق بالسم.
استدعى الحكّام وما يُسمّون بالقوى المستقلة إلى أشوكا، وشرع يستجوبهم، ضاغطًا على الأرخبيل خطوةً خطوة.
ومن وتيرة تقدّم الأحداث، بدا جليًا أنه ينوي إنهاء كل شيءٍ قبل التوجّه إلى سايروس.
‘ربما ينتظر فيلياس أن يزداد الوضع سوءًا. لا بد أنه يسعى للإمساك بدليلٍ قاطعٍ على الخيانة.’
وبالنظر إلى العملات الذهبية لسايروس التي عُثر عليها في القاع المزدوج للخزنة، كان من الواضح أن جزيرة الركبة كانت متواطئةً مع سايروس بشكلٍ أو بآخر.
ولو أقدم بيدرو ريبيرا، وقد استبدّ به القلق، على تصرّفٍ أحمق آخر، لأمكن الإيقاع به مع الأرخبيل، بل وحتى جرّ الدوق فالندورف معه.
و من دون أن تلطّخ يداه بقطرة دم، يمكنه التخلّص من مصدرَي إزعاجٍ دفعة واحدة.
“لكن ماذا لو كان بيدرو ريبيرا أكثر حذرًا مما نظن؟ ماذا لو تظاهر بالبراءة حتى النهاية؟”
عند سؤال إرفين، هزّ شان كتفيه بلا اكتراث.
“في كل الأحوال، سيُمحى الأرخبيل من الخريطة. تلفيق الأدلة ليس بالأمر الصعب على الدوق. في أي من الاحتمالين، لن يتضرر إقليم الدوقية. باستثناء أمرٍ واحد فقط: اختفاء أي وسيلةٍ للحصول على الترياق.”
“…….”
وكان هذا، في الحقيقة، أكثر ما يثير قلق فانيسا.
فيلياس لم يعترف أصلًا بأنه واقعٌ تحت تأثير السم. لم يكن الترياق ضمن حساباته من الأساس.
وبما أنه توصّل إلى أن هذه القضية تمسّ سلامة فانيسا، فلن يتراجع قيد أنملة.
لكن فانيسا، بدورها، لم تكن تنوي الاستسلام بسهولة.
_____________________
اشوا للحين تفكر فيه وسط ذا الي يصير يعني رجعتهم زي اول لها امل✨
المهم مسكين شان ماتكلم مع نيكولا ولا مره وعنها ماجت مع فانيسا😭
التعليقات لهذا الفصل " 101"