كانت السماء تمطر. و ألقت يوري نظرةً جانبية سريعةً إلى فيلياس الواقف عند النافذة. وبالطبع، لم يكن يبدو عليه أنه ينوي إفساح المكان.
فتنهدت يوري ثم فتحت فمها.
“كما تعلمين يا آنسة، فهذه مسألةٌ نفسية. ليست ضمن اختصاصي، لذا لا أستطيع التحدث بتهور، لكن في النهاية….تجنب مواقف الضغط والحصول على الراحة هو الخيار الأفضل.”
“شكرًا لكِ.”
“ذلك….إن احتجتِ إلى مساعدة….”
كتبت يوري شيئًا على ورقةٍ وحاولت أن تسلمها إلى فانيسا. لكن قبل أن تمد فانيسا يدها، تقدم فيلياس بخطواتٍ واسعة وانتزع الورقة من يدها.
تفحص ما كُتب، ثم كرمشها في قبضته.
“لا حاجة لتعريفنا بطبيبٍ آخر. سنغادر العاصمة غدًا مباشرة.”
قال ذلك بصوتٍ منخفض، ثم أومأ برأسه نحو الباب.
“اخرجي.”
بدا أن لدى يوري ما تود قوله لفانيسا، لكنها غادرت الغرفة على مضض.
“….سنغادر غدًا؟”
لم تكن فانيسا تنوي البقاء في العاصمة أطول من ذلك، لكن هل كان أسلوب فيلياس دومًا….بهذه الأنانية؟
ثم اقترب فيلياس من الكرسي الذي كانت تجلس عليه،
“نعم. في الأصل لم يكن من المفترض أن نأتي إلى احتفال التأسيس أصلًا. كنتُ متهورًا أكثر مما ينبغي.”
رفعت فانيسا نظرها إليه وهي جالسة.
خلال ساعاتٍ قليلة فقط، كان قد عاد إلى ملامحه المعتادة، المرتبة والهادئة. بدا عليه بعض الإرهاق، لكن آثار اضطرابه قبل قليلٍ اختفت تمامًا.
و ربما بفضل المهدئ الذي أعطتها إياه يوري، كان ذهن فانيسا هي الأخرى أكثر هدوءًا. حتى أن النوبة السابقة بدت كأنها لم تكن.
“في هذه الأثناء، هل يمكنكَ استدعاء نيكولا؟ إن أردنا الاستعداد….”
“إن كنتِ تقصدين وصيفتكِ الخاصة، فقد استقالت قبل قليل.”
“….ماذا؟”
“قالت أن الأمر يفوق طاقتها.”
“يفوق طاقتها.…؟ بسبب ماذا؟”
وإذ رأى الحيرة على وجه فانيسا، تحدّث فيلياس.
“ما حدث قبل قليل….لم يكن وضعًا اعتياديًا. وأنتِ الآن في حالةٍ غير مستقرة، أليس من الأفضل أن تحصلي على رعايةٍ أكثر تخصصًا؟”
فأطلقت فانيسا ضحكةً جافة.
“حتى لو كان هذا صحيحًا، فنيكولا تتقاضى أجرها مني، وهي خادمتي. إن أرادت ترك العمل، فعليها إبلاغي أنا مباشرة.”
“في هذه الحالة….”
انساب نظر فيلياس ببطء، وقد حمل مسحة مقلقة.
“أنا من فصلتها. إنها يدٌ عاملة ستبقى في مقر إقامتي، أليس لي هذا القدر من الصلاحية؟”
“….إن لم تخني الذاكرة، فمَن طلب مني الإقامة في مقرّكَ لم يكن سواك.”
“حديثي معكِ دائمًا ممتع. يمكننا مواصلة هذا التلاعب بالألفاظ، لكن كما قالت الطبيبة، أظن أن عليكِ الآن أن تنالي قسطًا من الراحة.”
“…….”
رفعت فانيسا نظرها إليه بنظرةٍ باردة.
“أحضر نيكولا.”
“ولِمَ؟ هل تحتاجين مجددًا إلى خادمةٍ تفتح لكِ باب المطبخ؟”
“ماذا قلتَ؟”
وحين سألتْه، هزّ فيلياس رأسه بلطف.
“سمعتِ جيدًا. سألتُ إن كنتِ تخططين مرةً أخرى للهرب منّي.”
“مرةً أخرى؟”
أدركت فانيسا فورًا ما يقصده. كان يتحدث عن ربيع العام الماضي، حين غادرت مقر الضيوف متجهةً إلى أرض فالندورف.
في ذلك اليوم، وبفضل أن نيكولا فتحت لها الباب مخالفةً أوامر فيلياس، استطاعت فانيسا إنقاذ مايسون في الوقت المناسب.
“لو لم تحبسني أصلًا في الغرفة بذريعة حمايتي، لما اضطررتُ إلى كل هذا العناء. ومع ذلك، تأتي الآن لتقول مثل هذا الكلام؟ يبدو أن لديكَ جانبًا حقيرًا أكثر مما توقعت.”
وحين سخرت منه فانيسا، ابتسم فيلياس وأمال رأسه.
“آه، تقولين هذا الآن؟ بعد أن تحملتُ طوال هذا الوقت….تصرفاتكِ غير المتحفظة.”
“أنا….أي تصرفاتٍ غير متحفظة تتحدث عنها؟”
“حياتكِ الخاصة.”
“تحدث بوضوح. ماذا فعلتُ بالضبط؟”
فارتسمت على وجه فيلياس ابتسامةٌ فاترة.
“تغاضيتُ حتى عن لهوكِ مع صديق طفولتكِ الذي لا يعرف قدره، ومع الأحمق كونراد. وكذلك الأمر مع ولي العهد. لم ترفضي مضايقاته لكِ مرةً واحدة بوضوح. لأنكِ، في الحقيقة، تستمتعين بتلك المواقف بينما تتظاهرين بالحرج.”
تجمدت فانيسا في مكانها، كأن ضربةً أصابت رأسها.
“ما الذي أسمعه الآن؟”
“أكرر كلامي، لقد سمعتِه بوضوح. الاستمتاع باهتمام الرجال ليس أمرًا يستحق اللوم. فأنتِ شخصٌ جديرٌ بأن يُعبَد. وفوق ذلك….”
وضع فيلياس كلتا يديه على مسند الكرسي، وانحنى محدقًا في وجه فانيسا مباشرة.
“مهما رغبوا بكِ….فالوحيد الذي يحق له أن يلمس جسدكِ هو أنا.”
كانت الابتسامة لا تزال على وجهه، لكن عينيه كانتا تلمعان بعاطفةٍ مظلمة كثيفة.
“….أنتَ مجنون.”
“نعم، فانيسا.”
مدّ فيلياس يدًا واحدة وراح يعبث بشعر فانيسا، فالتفّت الخصلات الحمراء حول أطراف أصابعه في دوائر.
“حتى الآن، الجميع فعلوا ما أردتِه. انبطحوا عند قدميكِ، قبّلوا ظاهر قدميكِ، وأطاعوا أوامركِ كأنها أمرٌ مُطلق. فإلى أي حالٍ أوصلني ذلك؟”
طخ-
ثم سقط شيءٌ خفيف فوق ركبتي فانيسا.
كان صندوق خاتم صغير، ذاك الذي كان في جيب سترته مساء البارحة.
“…….”
رفعت فانيسا رأسها من جديد.
“في النهاية، كان كل شيء….بسبب هذا إذًا. أفهم أنكَ غاضب. لكن لا بد أن لي، على الأقل، حق رفض طلب زواج الدوق الأكبر.”
“لا أعلم كيف ترين الأمر، لكنني لستُ رجلًا وضيعًا إلى حد أن أغضب لمجرد أن يُرفض طلبي للزواج. غير أن….”
توقّف فيلياس لحظةً كأنه يفكر، ثم تابع.
“كما قلتِ، أنا دوق الإمبراطورية الأكبر. وأنتِ مجرد ابنةٍ لأسرة كونتٍ منهارة. قد يقول قانون الإمبراطورية أن لكِ حق الرفض، لكن المطالبة بذلك ستقع على عاتقكِ وحدكِ.”
كانت تلك هي الحقيقة. لم يكن لفانيسا بيتٌ يدافع عنها، ولا وصيّ يسندها، وبالواقع لم تكن لديها وسيلةٌ عملية لرفض طلب الدوق الأكبر.
و طبعًا، لم تتخيل يومًا أن توضع في مثل هذا الموقف.
“إذًا، هل تنوي أن تأخذني قسرًا؟”
قالت فانيسا ذلك ببرود، فابتسم فيلياس ابتسامةً خفيفة.
“بالطبع لا، يا حبيبتي. لكن سماع مثل هذا الكلام من فمكِ….مثيرٌ إلى حد ما.”
“….لم أكن أظن أنكَ ستهينني بهذه الطريقة.”
“لا تظني أن قلبي لا يتألم لذلك.”
ثم، وهو يهمّ بالالتفات، أضاف كمن تذكّر أمرًا فجأة.
“من الآن فصاعدًا، ستشاركينني الغرفة.”
“……؟”
“بما أنكِ لا تريدين قيدًا قانونيًا، فلا بد من القرب المباشر. لا تقولي لي أنكِ تنوين التظاهر بالتحفّظ الآن.”
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ملتوية، ثم غادر الغرفة. ولم تستطع فانيسا النهوض لوقتٍ طويل.
كان من العجيب أن تعصف بكل هذه المشاعر في قلبٍ هادئ إلى هذا الحد.
***
كانت الرياح البحرية تجعل الأسنان تصطكّ من تلقاء نفسها.
“حقًا….إنه….بردٌ قذر….”
كان برد أشوكا بعد العودة مختلفًا تمامًا عمّا عرفته فانيسا من قبل.
لا المعطف الشتوي السميك، ولا القبعة الفروية، ولا القفازات الجلدية كانت مجدية. والأشد فظاعة أن الشتاء الحقيقي لم يأتِ بعد.
“أ، أ، ألم أقل أننا سنـ، نـ، نتحدث داخل الـ، الـ، الـ، القلعة؟”
قال شان ذلك بشفاهٍ مزرقة. فهو ابن القارة الجنوبية الدافئة، وكان يقول أنه لا يخرج من القلعة إلا في الصيف.
أسرعت ليا وأحضرت لكلٍّ منهما كوب قهوةٍ ساخن. فألصق شان الكوب الكبير بوجنتيه بالتناوب وتابع كلامه.
“أعلم أنكِ غاضبة من السيد، لكن المكان هذا ليس بلا عيونٍ تراقب. ألا تزالين تجهلين أن المدينة كلها قلعة؟”
“أعرف. كيف لا أعرف وهم يلاحقونني بهذه الوقاحة.”
رمقت فانيسا الجنود الجالسين على درج مكتب شركة التجارة. الذين كانوا قد كفّوا حتى عن التظاهر بدوريات الميناء، وصاروا يراقبون فانيسا صراحة.
“على الأقل، لنجعلهم يعانون من البرد، لعلّ ذلك يخفف غيظي.”
عند كلامها، ضرب شان جبهته بكفه.
“نحن فقط من نشعر بالبرد هنا يا آنسة! هؤلاء وُلدوا في هذا المكان!”
“آه….إذًا ماذا أفعل؟ لا يسمحون لي بالذهاب إلى أي مكانٍ غير الميناء! لم أرد أن أبقى محبوسةً داخل القلعة!”
انفجرت فانيسا غيظًا.
صحيحٌ أنها لا تملك وجهةً محددة غير القلعة والميناء، لكن الفرق بين ألا تذهب، وألا يُسمح لكَ بالذهاب، فرقٌ شاسع.
“بما أنكِ لا تريدين قيدًا قانونيًا، فلا بد من القرب المباشر.”
‘إذًا كان هذا ما قصده….’
كان حديث ذلك اليوم فظيعًا بحق. لولا المهدئ، لربما نهضت وضربته في الحال.
“أتعتقد أن توجيه لكمةٍ واحدةٍ قد يكون حلًا؟ ربما يستعيد عقله.”
“….هل أكون صريحًا؟”
أومأت فانيسا برأسها، فتحدّث شان.
“سيعجبه الأمر على الأرجح، فذلك الرجل مجنون.”
______________________
اكيد بيعجبه بيقول عطيني ثانيه بعد😭
المهم شخصية فيلياس الجديده نص عاجبتني ونص لا عاجبني انه صار صريح ومطلع كلش وماعجبني دامك بعد ماتبي تهين ليه تهينها طيب؟ ام عيالك ياقليل ادب!
ونيكولا بعد ايه طردها خيييييير
هو شاف انها كشفته قال خل خلاص يارجال قدها عارفه وطلع كل شي بس ياخي رجع وضعكم الكيوت الاول😔
المهم يومه يقول لابوه المجنون بأقطع نسلك يعني مايبي يجيب عيال؟🌝 بس وقت مراهقته كان مجنون اكثر زين انه حي للحين اصلا Dana
التعليقات لهذا الفصل " 100"