مرّت بضعة أيام على الزواج الذي لم يحمل من معناه إلا الاسم.
عاشت جين في روتين ثابت، ممل، يفتقر لأي شعور بالحياة.
كل صباح، كانت تستيقظ مبكرًا، ترتدي ثوبًا أنيقًا يليق بمقامها الجديد كدوقة، ثم تتجه إلى قاعة الطعام، حيث تجلس بصمت على طرف الطاولة، تقابلها نظرات باردة من أوتيس الجالس في الطرف المقابل.
لم يتبادل أي منهما كلمة واحدة.
لم يكن هناك شجار، ولا حتى مجاملات زائفة… فقط صمت ثقيل يشبه المقابر.
بعد الفطور، يغادر أوتيس القصر متجهًا إلى مهامه كدوق، بينما تبقى جين تتجول في أرجاء القصر بلا هدف.
أحيانًا تقف مطولًا أمام إحدى اللوحات الفخمة، وأحيانًا أخرى تتأمل الأثاث المذهّب وكأنها تحاول استيعاب أنها تعيش فعلًا في هذا المكان الغريب.
ثم تصبح الحديقة الخلفية ملاذها الصغير. تجلس على أحد الكراسي تحت شجرة توت وارفة الظلال، تحتسي الشاي بصمت، تُراقب الطيور أو تتحدث مع نفسها بصوت خافت.
في بعض الأحيان، تتسلل خلسة إلى ساحة تدريب الفرسان.
من خلف أعمدة الرواق الحجري، تراقبهم بصمت.
أجسادهم المتمرنة، عضلاتهم التي تتلوى تحت أشعة الشمس وهم يتبارزون بالسيوف، كانوا مثيرين للإعجاب بطريقة فنية خالصة. كانت تضحك بخفة وهي ترى بعضهم يلتفت ناحيتها خلسة، ليحييها بتحية مرتبكة حين يلاحظ وجودها.
أما في الليل، فكانت جين تقضي معظم وقتها على الشرفة الملحقة بغرفتها، تُحدق في القمر، تُفكر في حياتها الجديدة… عن “جين” الأصلية… عن مصيرها القادم.
لاحظت شيئًا واحدًا خلال هذه الليالي ، الدوق دائمًا ما يخرج من القصر في ساعة متأخرة، يمتطي حصانه بصمت ويغادر دون أن يُعلِم أحدًا.
لم تعرف إلى أين يذهب، ولم تكترث.
ربما كان هذا الجانب الغامض فيه أكثر ما يجعلها متحفزة للبقاء حذرة.
وفي صباح هذا اليوم، بينما كانت تجلس في الحديقة تحتسي شايها المعتاد، جاءت إحدى الخادمات بسرعة وخجل.
“سيدتي، هذه رسالة وصلتكِ.”
أخذت جين مظروفاً من الورق الفاخر مغلقاً بختم شمعي أزرق ، فتحتها بهدوء، وورقة عطرة انزلقت بين أصابعها. وقرأت.
كانت مكتوبة بخط أنثوي أنيق، وبتحايا لطيفة
*عزيزتي الدوقة جين،
أتمنى أن تجدي هذه الرسالة وأنتِ بخير. أنا إيريس ال دوفريه ، صديقة طفولة الدوق أوتيس. أود دعوتكِ لتناول الشاي معي غداً في قصرنا.
سيكون شرفاً لي أن أتعرف على الزوجة الجديدة لأعز أصدقائي.
بانتظار ردكِ
إيريس ال دوفريه *
تجمدت يد جين، واتسعت عيناها برعب مفاجئ.
(إيريس!)
تذكّرت ذلك الفصل في الرواية جيدًا.
“جين” الأصلية تلقت نفس هذه الدعوة وغضبت جدا من ايريس وقربها من الدوق اكثر منها فذهبت واخذت معها كعكة فراولة من صنع الطهاة… لكن الكعكة كانت مسمومة،
ايريس تسقط مريضة بعد ساعات، تكاد تموت، والدوق جنّ جنونه.
فتح تحقيقًا واسعًا، وحين عرف أن الكعكة كانت من عند “جين”. تم سجنها في الزنزانة المظلمة للقصر، حيث قضت أيامًا من العذاب و الجلد .
أحست جين بقشعريرة تسري في جسدها.
لكنها سرعان ما التقطت أنفاسها. “لا… أنا لست جين الحقيقية. ولن أرتكب نفس خطئها الساذج.”
نهضت من مكانها، وعادت إلى غرفتها.
جلست على المكتب، أمسكت بورقة وقلم، وبدأت في كتابة الرد.
*السيدة إيريس ال دوفريه المحترمة،*
أشكركِ على دعوتكِ الكريمة، لكن للأسف لدي التزامات عاجلة تمنعني من الحضور.
أعتذر وأتمنى أن تتكرر الفرصة في وقت آخر.
مع خالص التقدير ،
جين إلينور فالدور*
طيّت الرسالة وسلّمتها للخادمة.
“وهكذا… لن يحدث هذا الجزء من الرواية.”
ابتسمت بثقة، وهي تعود إلى الشرفة لتكمل شايها.
***
في صباح اليوم التالي وبعد الروتين المعتاد كانت جين تجلس في الشرفة، كتاب مفتوح بين يديها، لكن عيناها لم تتحركا على السطور. قلبها يخفق بإيقاع غير مريح، وهي تراقب من الأعلى عربة فخمة ذات شعار ذهبي يتوقف أمام بوابة القصر.
فجأة، انفتحت أبواب القاعة الكبيرة ودخلت فتاة بشعر بني ذهبي، ترتدي فستاناً اصفر بسيطاً لكنه أنيق، عيناها البنيتان الواسعتان تلمعان بالفضول.
دخلت الخادمات في ارتباك لإعلام الدوقة بوصول الضيفة. وما هي إلا لحظات، حتى وصلت واحدة منهن إلى الشرفة، تتنفس بسرعة.
“سيدتي! السيدة إيريس هنا، لقد حضرت فجأة وتطلب مقابلتك.”
أخذت جين نفسًا عميقًا، ثم زفرته بثقل.
“دعيها تنتظر في غرفة الضيوف. سأبدل ثيابي وأنزل حالًا.”
أومأت الخادمة وانسحبت، بينما أسرعت جين إلى جناحها.
ضحكت جين بخفة. “أجل، كان ذلك لطفًا منكِ. لكن في الحقيقة، لم أكن أشعر أن الوقت مناسب للقاءات.”
“أفهم.” ردّت إيريس بنبرة تفيد العكس تمامًا. ثم أمالت رأسها قليلًا. “لكنني كنت متحمسة جدًا للتعرف على من استطاعت أخيرًا أن تُقيّد أوتيس.”
ابتسمت جين وقادتها الى الحديقة الخلفية
***
في مكتب الدوق أوتيس، كان كل شيء مرتبًا بدقة، الأوراق مصفوفة بعناية فوق مكتبه العريض، والستائر نصف مفتوحة، تسمح لضوء الشمس بالانسياب بلطف عبر الزجاج الملوّن. كان يجلس هناك، منكفئًا على وثيقة مهمة تتعلق بإحدى القرى التابعة لدوقيته، يراجع الأرقام والختم.
لكن صوت طرق خافت على الباب قاطعه.
“ادخل.” قال دون أن يرفع عينيه.
دخل أحد الخدم بانحناءة خفيفة، وصوت متهدج.
“سيدي… الضيفة السيدة إيريس وصلت قبل قليل، وهي الآن في الحديقة مع السيدة جين.”
توقف القلم في يد أوتيس فجأة. رفع عينيه ببطء، وحدّق بالخادم.
“ماذا قلت؟”
بلع الخادم ريقه. “السيدة جين… تستقبل الآن السيدة إيريس في الحديقة. إنهما تجلسان هناك، تتحدثان.”
في لحظة، نهض أوتيس من مكانه، دافعًا الكرسي بقوة جعلت الخادم يرتجف.
“من الذي دعاها؟”
“لا أعرف سيدي… لقد وصلت فجأة.”
لم يجب أوتيس. سحب معطفه وألقى به على كتفيه، ثم خرج بخطوات غاضبة من المكتب، متجهًا نحو الحديقة الخلفية.
‘ما الذي تخطط له ؟ هل تحاول التلاعب بإيريس؟’
كانت الغيوم تتسلل إلى السماء ببطء حين وصل إلى الحديقة، لكن ضوء الشمس لا يزال يلمع بين أوراق الشجرة التي تجلس تحتها جين وإيريس. كانتا تضحكان، تتبادلان أطراف الحديث بمرح واضح. شعر بشيء ثقيل في صدره، لكن ملامحه بقيت جامدة.
رأته جين أولًا. سكن ضحكها فورًا حين وقع نظرها عليه. كانت تعابير وجهه حادة، ونظراته تشبه السكاكين.
لحظة صامتة عبرت بينهما، كأن الزمن توقف.
ثم انتبهت إيريس، فنهضت بسرعة.
“أوتيس!” صاحت، وقفزت من مقعدها وركضت نحوه. “أوتيس!”
احتضنها بحرارة، لكن عينيه كانتا مثبتتين على جين التي جمدت في مكانها، فنجان الشاي يرتجف بين أصابعها.
“ما الذي تفعليه هنا، إيريس؟” سأل وهو يمسك بيدها.
“جئت لأتعرف على زوجتك!” ضحكت إيريس، “ألم تخبرها عني؟”
ألقى أوتيس نظرة حادة على جين. “لم أجد الفرصة المناسبة.”
توقفت جين عن التنفس لثانية، وهي تراقب المشهد.
عاد الجميع للجلوس.
جاءت الخادمات يحملن صينية من الشاي الفاخر والكعك الطازج، وضعنها بعناية على الطاولة الصغيرة، ثم انسحبن.
جلس أوتيس أمام إيريس، بينما جلست جين على الجانب الآخر، تحاول أن تتماسك.
ابتسمت جين بلطف، وقالت: “لا بد أنكما قريبان جدًا من بعضكما البعض.”
أومأت إيريس برأسها بحماس. “نعم! أوتيس وأنا نشأنا سويًا. كنا لا نفترق، نلعب ونتشاجر ونتصالح. علاقتنا قوية جدًا، حتى أنني كنت أعرف ما يفكر به من نظرة واحدة.”
“إيريس.” قطعها أوتيس بنظرة تحذيرية وعيناه لم تفارقا جين. كانت نظرته مشوبة بالريبة، كأنها تفضح داخله المضطرب.
تابعت إيريس الحديث، “حين سمعت بخبر زواج أوتيس، لم أصدق الأمر! شعرت بالدهشة، لكنه أخبرني بأن كل شيء كان سريعًا ومفاجئًا.”
“لا بد أن الخبر كان صادمًا فعلاً.” ردّت جين بابتسامة متوترة.
“صدمة حلوة.” قالت إيريس وضحكت. “فأنا لطالما تمنيت أن يرى أوتيس السعادة.”
لمعت عينا جين للحظة. ‘يا لها من روح طيبة…’تمتمت في داخلها.
ابتسمت جين ابتسامة لا تصل إلى عينيها. “كم هذا لطيف. يجب أن تكون صداقتكما ثمينة جداً.”
“أجل!” ضحكت إيريس، “حتى أنه ما زال يتسلق إلى شرفتي كل ليلة كما كان يفعل منذ كنا أطفالاً! أليس هذا ….. ” ثم صمتت عند رؤية ردة فعل جين
تجمد وجه جين، وفتحت فمها قليلًا دون وعي، وهي تحدق بها.
لاحظت إيريس توترها، فرفعت يديها بسرعة، “آه! أقصد… ظننت أنك تعرفين! لم أقصد شيئًا سيئًا، فقط… كانت عادة طفولية قديمة!”
تلعثمت جين للحظة، ثم ردت بصوت منخفض: “لا بأس… لا يهم.”
‘هذا هو سبب خروجه كل ليلة… كان يذهب إليها؟’
أخفضت عينيها، تحاول أن تبتلع الغصة.
ثم، لتكسر التوتر، قالت جين: “هل تودين تجربة الكعك؟ يبدو شهيًا.”
ابتسمت إيريس بحماس. “بالطبع!.”
تناولت قطعة صغيرة، وبدأت بأكلها.
لكن لم تمر سوى ثوانٍ، حتى تبدلت ملامحها.
وضعت يدها على فمها، ثم على بطنها، واتسعت عيناها.
“أوتيس…” تمتمت بصوت ضعيف، قبل أن تنهار من على الكرسي، فاقدة وعيها.
قفز الدوق من مكانه، وأمسك بها بسرعة.
“إيريس!” صرخ. “إيريس، هل تسمعينني؟!”
جين وقفت مذهولة.
‘هذا لا يمكن أن يكون حقيقياً… أنا لم أفعل أي شيء!’
“ما الذي فعلتِ بها؟!” زمجر أوتيس، عيناه تحترقان بالاتهام.
“أنا… لم أفعل شيئاً!” ردت جين، صوتها يرتفع، “لم ألمس حتى طعامها!”
أوتيس لم يصدقها.
هرعت الخادمات عند سماع الصراخ، لكن أوتيس كان قد حملها بين ذراعيه.
“إذا حدث لها أي مكروه…” لم يكمل تهديده، فقط أدار ظهره وركض نحو القصر،
“أحضروا الطبيب فورًا! الآن!” صرخ وهو يركض بها .
تجمدت جين في مكانها، وجهها شاحب، ويداها ترتجفان.
‘لا… لا… لم أضع شيئًا في الكعك! هذا مستحيل… كيف تعود القصة إلى نفس مسارها؟’
نظرت إلى الطبق، إلى قطعة الكعك التي تناولتها إيريس… ثم رفعت عينيها، لترى الدوق يختفي وهو يدخل القصر، يحمل بين ذراعيه صديقة طفولته,وحب حياته .
‘كيف؟ من؟ لماذا الآن؟’
ضغطت جين على صدرها، قلبها يكاد يتوقف.
‘هل قدري أن أعيش نفس النهاية، رغم كل محاولاتي؟’
___________________________________
ملاحظة :
اذا وجدتك كلام بين هاتين ” فمعناه حوار مسموع سواءا تمتمة او مع شخص اخر . اما اذا وجدتم كلام بين هاته ‘ فمعناه حوار داخل عقل الشخصية اي لا تتحدث مع شخص اخر بل مع نفسها داخليا .
ارجو ان تعطوني رايكم في الفصل وانتقاداتكم المحترمة لاتطور اكثر 🦋
دمتم فرعاية الله وحفظه
سبحان الله وبحمده
سبحان الله العظيم
استغفر الله واتوب اليه
لا تنسو الدعاء لاخواننا في فلسطين وكل المسلمين المظطهدين من الدعاء
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
📢 المنتدى العام
عـام
مجتمع تفاعلي يضم منتديات لمناقشات الروايات، تحليلات المانهوا، الاقتراحات، والإعلانات. هنا يشارك الأعضاء أفكارهم، يتبادلون الآراء، ويصنعون بيئة حوارية حيّة تعكس شغفهم.
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 5"