1
1. ما أُريد أن أسأله
إمبراطورية سفيرغن، السنة ٣٢١. السنة السابعة من حكم بولشتاك الثاني، في الربيع.
على ورقة شتلة الريحان ذات اللون الأسود الداكن التي بدأت للتوّ في الإنبات، تساقطت قطرات دمٍ حمراء لامعةٍ واحدةً تلو الأخرى.
“يا إلهي!”
قبل أن تصل يد فريدا المذعورة إلى أنفها، تجمّع الناس من حولها يصرخون ويثيرون الضجيج.
“سـ… سيدتي! هل أنتِ بخير؟”
“يا للهول، ماذا نفعل؟ دم، الدم يسيل!”
رمى ريكاردو مولي الشتلة التي كان يحملها على الأرض،
وركض مذعورًا وجثا على ركبتيه أمامها.
كانت يد الرجل الذي تجاوز الخمسين، والذي قضى حياته ممسكًا بالسيف، متّسخةً بالتراب وتلوح في الهواء دون هدف.
الخدم، الذين كانوا يزرعون الأعشاب حولها، نهضوا فجأةً وأخذوا يتململون حولها في ذعر.
فكّ دومينيك، ابن ريكاردو، الذي اقترب دون أن يُلاحَظ، بسرعة القماش الذي كان ملتفًّا حول عنقه وقدّمه لها.
“استخدمي هذا أولًا للضغط. وأنتم، لا تقفوا مكتوفي الأيدي، أحضروا ماءً على الأقل!”
“نـ نعم. سأذهب حالاً.”
انطلق الخدم بسرعةٍ خارج الحقل بناءً على تعليماته.
“أبي، ماذا تفعل؟ ألن تستدعي الطبيب؟”
تحت ضغط ابنه، استدار ريكاردو ليهرع نحو القلعة.
لكن فريدا أمسكت بطرف معطفه المتمايل، فتوقّف مكانه عاجزًا عن الحركة.
هزّت فريدا رأسها، فتأرجحت قبعة الشمس الطويلة التي تغطّي جبهتها برشاقة.
“لا بأس، سيد ريكاردو. مجرّد نزيف أنفٍ بسيط. لا شيء يُذكَر، فابقَ هنا.”
نظر ريكاردو إليها كشخصٍ سمع أن الشمس تشرق مساءً وتغرب صباحًا، ثم صرخ.
“سيدتنا الغالية جدًا، زوجة الدوق، تنزف من أنفها وتقول إنه لا شيء يُذكَر؟! هذا أمرٌ جللٌ بكل المقاييس! انتظري قليلًا فقط. سأُحضر الطبيب فورًا.”
حرّك جسده بسرعة، لكن اليد التي أبعدت يدها عن معطفه كانت حذرةً كمَن يتعامل مع طفلٍ صغير.
كرّر ريكاردو نصيحته بأن تتحمًل قليلًا، ثم اختفى داخل القلعة كالسهم.
“سيدتي الدوقة، ابقي هادئة. قد تسقطين مرّةً أخرى كما حدث من قبل. اجلسي هنا. هيا.”
خلع دومينيك معطفه الذي يرتديه، وضعه على الأرض وألحّ عليها بالجلوس فورًا.
“ذلك كان منذ زمنٍ بعيد …”
تنهّدت فريدا تنهيدةً طويلة، ثم مدّدت ساقيها وجلست على معطفع.
وإلّا، لكان الرجل قد حملها على ظهره وهرع بها إلى داخل القلعة على الفور.
في الحقيقة، حدث ذلك مرّةً واحدةً فقط.
خلال السنوات الثلاث الماضية، سقطت أمامهم مرّةً واحدةً فقط حقًا.
لأن فريدا، المنحدرة من الشمال، لم تتأقلم بعد مع شمس الجنوب الحارقة القوية.
ومع ذلك، منذ ذلك اليوم، بدأ كلا الأب والابن عائلة مولي يعاملانها كأنها امرأةٌ مريضةٌ تسقط مغشيًّا عليها كلّ يوم.
كانا من ميلابو الجنوبية الشهيرة بوعورتها، ونشآ كمرتزقة.
ربما في عيونهما، حتى مجرّد مشي فريدا – التي لا يتجاوز حجمها نصف حجمهما – يبدو أمرًا مذهلًا.
ضغطت فريدا على أنفها بالقماش الذي أعطاها إياه دومينيك، ورفعت قليلًا قبعة الشمس المزعجة.
“ألم يتوقّف النزيف؟”
نظر دومينيك تارّةً إلى القماش الذي يتلوّن باللون الأحمر تدريجيًا، وتارّةً إلى فريدا، وأخذ يتجوّل ذهابًا وإيابًا كأبيه، حائرًا لا يدري ماذا يفعل.
كم كميّة الدم التي في هذا الجسد الرقيق حتى يتدفّق بهذا الشكل؟
ورؤية وجهها الصغير، الذي لا يتجاوز كفّ يده، يتحوّل كلّه إلى اللون الدموي، جعل قلبه يعتصر شفقةً حتى ارتعشت يداه لا إراديًا.
بدت له الفكرة سيئة، فاستدار دومينيك بسرعةٍ وأعطاها ظهره.
“هذا لا ينفع. اركبي على ظهري. سيكون أسرع من انتظار الطبيب. هيّا بسرعة، سيدتي.”
بدلًا من أن تركب على ظهره، لمعت عينا فريدا البنفسجيتان الخافتتان، ونظرت إليه وهي تحذّره.
“دومينيك. ليكت هذا سرًّا من ميورييل. إذا علمت، ستحبسني في الغرفة أيامًا عدّةً مرّةً أخرى.”
“إذا كنتِ تريدين الحفاظ على سرّ، لما أرسلتِ إنسانًا صاخبًا مثل قائد مولي إلى القلعة الداخلية.”
من خلف كتف فريدا، جاء صوت امرأةٍ ثقيلٌ وباردٌ بشكلٍ غير عادي.
كان دومينيك يعلم بالفعل أن ميورييل قد وصلت، فهمس في أذن فريدا بهدوء.
“قولي لها إنكِ ستبقين داخل القلعة ثلاثة أيامٍ دون حراك. هذا أفضل من أن تُحبَسي أسبوعًا كاملًا كما حدث سابقًا.”
غمز دومينيك بعينه وتراجع، فاستدارت فريدا ببطء وهي ترفع كتفيها.
كانت ميورييل روشفالت، فارسة الحراسة التي تبعت فريدا معها من منزل عائلتها، تحدّق بها بعينين رماديتين باردتين كصوتها.
“لقد قلتُ بوضوحٍ إن خروجكِ للخارج لا يجوز أكثر من يومين في الأسبوع …”
“ابتعدي قليلًا. الأمر مستعجل، لمَ تعيقين الطريق؟”
وصل ريكاردو دون أن يدرك أحدهم، فدفع بقوّةٍ الفارسة المعروفة ببرودها وعدم رحمتها جانبًا.
ألقى الطبيب الذي حمله على كتفه مباشرةً على أرض الحقل الترابي، ثم صرخ بصوتٍ يهزّ القلعة.
“افحص الدوقة بسرعة! إن حدث لسيدتنا مكروه، سأكسر عنقكَ أولًا!”
هبّت نسمةٌ ربيعيةٌ دافئةٌ تحمل عبير الزهور، تتسلّل بلطفٍ وسط الضجيج والصخب.
* * *
بفضل توقّف النزيف بسرعة، انتهت حادثة نزيف أنف الدوقة بحظر خروجٍ قصيرٍ لثلاثة أيام.
“ثلاثة أيام، داخل القلعة، بهدوءٍ تام.”
“حسنًا، حسنًا، فهمت.”
كانت فريدا تملأ السلة بزهورٍ ملوّنةٍ متنوّعة، وتومئ برأسها فقط بلا مبالاة وهي تسمع توبيخ ميورييل.
“كيف يمكن أن تتفتح هنا كلّ هذه الزهور المتنوعة؟ في الشمال لم أرَ مثلها أبدًا، إنها موجودةٌ في كلّ مكانٍ هنا. ألستِ ترينها لأوّل مرّةٍ أنتِ أيضًا، ميورييل؟”
“لا، لقد رأيتُها كثيرًا.”
“حقًا؟ مستحيل. أنا أراها لأوّل مرّة.”
“لأنكِ يا آنسة كنتِ دائمًا داخل المنزل فقط.”
“آه …”
صحيح، هذا ما كان عليه الأمر.
تمتمت فريدا لنفسها، ثم رفعت السلّة الممتلئة بالزهور وابتسمت بلطف.
“أليس جميلًا، ميورييل؟ أظن أن الدوق سيحبّها أيضًا.”
كانت تريد أن توافقها في العادة، لكنها لم تعرف ماذا تقول لهذا السؤال تحديدًا.
زوج فريدا، الدوق ريتشارد، أصيب في رأسه قبل ثلاث سنواتٍ ودخل في غيبوبة.
منذ ذلك اليوم وحتى الآن لم يستعد وعيه. فكيف يمكن لهذا الرجل أن يشمّ رائحة هذه الزهور أو يحبّها بأيّ طريقة؟
قرأت فريدا اللامبالاة في تعبير ميورييل، فزمّت شفتيها ومشت متجاوزةً إياها.
“حتى لو لم يكن واعيًا، فهو يتنفّس. ربما يستطيع شم الروائح أيضًا.”
“حسنًا … ربما.”
“أحيانًا أشعر أنه يفهم كلامي. ليلة أمس، أصابعه … انظري، تحرّكت هكذا وهكذا.”
نظرت ميورييل بحنانٍ إلى فريدا وهي تحرك إصبعها السبابة ببطء.
نعم. حتى لو كان أملًا واهيًا، فلتتمسّك به لتعيش.
مهما كان حاله، الزوج يبقى زوجًا.
لكي تحرس جانب الدوق الفاقد للوعي، من الأفضل أن يكون لديها ولو أملٌ كاذبٌ بدلًا من لا شيء.
عندما وصلت أمام غرفة النوم، خلعت فريدا قبعة الشمس التي كانت ترتديها حتى تلك اللحظة.
بشرةٌ بيضاء شفافةٌ تظهر من خلالها عروقٌ دقيقة. شعرٌ أبيضٌ ناصعٌ مذهل. عينان بنفسجيتان غامضتان ظهرتا أخيرًا.
“ميورييل. أنا حقًا بخيرٍ تمامًا. صدّقيني.”
“ثلاثة أيام. لا أقل من ذلك أبدًا. تذكّري جيدًا. أنتِ يا آنسة… مختلفةٌ عن الناس العاديين.”
كانت تعلم أن فريدا تكره كلمة ‘مختلفة’، لكن ميورييل لم تستطع تجنّبها.
لأن الحقيقة تبقى حقيقة.
لكي تُوقف هذه الفتاة المتهوّرة الشجاعة بشكلٍ مفرط، يجب ألّا تتجاهل الحقيقة، حتى هي.
“حسنًا، فهمت.”
انزعجت الدوقة من كلام ميورييل، ولم تُخفِ ذلك.
“مَن قال إنني لا أعرف؟ تسك …”
أغلقت فريدا الباب بقوّةٍ مع همهمة احتجاج.
“آه!”
نظرت فريدا من باب العادة إلى السرير أولًا، ففوجئت وأسقطت سلّة الزهور من يدها.
تناثرت الزهور من السلّة التي سقطت على الأرض بشكلٍ فوضوي.
“سـ … سيدي الدوق؟”
* * *
عاد دانيال ريتشارد، الدوق، الذي ظل نائمًا ثلاث سنوات، إلى وعيه فجأةً دون سابق إنذار.
“أمم …”
أول ما عاد هو حاسة الشم؛ شمّ رائحةً خفيفةً للخشب المحترق.
ثم حاسة اللمس؛ نسيمٌ لطيفٌ يحمل دفئًا خفيفًا داعب أنفه بلطفٍ متكرّر.
مع الحاستين، اخترق صوتٌ رقيقٌ كان مختبئًا في أعماق الذاكرة رأسه.
“… ستيا. هيستيا … هيك، هيك.”
بكاء طفلةٍ صغيرةٍ تتذمّر اختلط للحظةٍ مع أصوات المحيط التي التقطها سمعه الذي عاد للتوّ، ثم اختفى.
“توقّفي عن البكاء. البكاء لا يُعيد الميت.”
لو لم يتبع ذلك صوته في شبابه وهو يردّ بغلظة، لكان قد نسيه تمامًا في لحظة.
ثم دفع صوت أمًه الراحلة فجأةً إلى ذهنه.
“ابْقَ على قيد الحياة، دانيال. المهم أن تبقى حيًّا. مهما حدث، حافِظ على نفسك.”
لكن شظايا الذكريات التي تدفّقت بلا ترتيبٍ تشتّتت وغادرت جانبه دون أثر.
في الوقت نفسه، بدأ جفنا دانيال، اللذان لم يرتعشا ولو مرّةً خلال ثلاث سنوات، يرتفعان ببطء.
أصبحت الرؤية الضبابية تدريجيًا أوضح، واتّخذت الأشياء من حوله شكلاً.
نقشُ السقف المألوف، ذي رسمة شجرة الدردار، أصبح أكثر وضوحًا.
رمش … رمش …
بعد أن فتح وأغلق عينيه مرّتين أو ثلاثًا، أدرك أخيرًا.
أنه يرقد في غرفة نومه داخل قلعة موينهام، في دوقية أوترخت.
‘هاه، إذًا … نجوتُ مرّةً أخرى.’
بهذا المستوى، أليس قريبًا من مرتبة الخالدين؟
أعجب بحيويّة جسده العنيدة، وحاول رفع كتفيه، لكنه تفاجأ بردّة فعل جسده الغريبة.
ما هذا الجسد المتيبًس الثقيل، كأنه حذاءٌ جلديٌّ مبلّلٌ بالماء؟
حسب ذاكرته، لم يشعر بهذا الإحساس من قبل، فصعب عليه إيجاد كلمةٍ مناسبة.
مُتعَب؟ مُؤلِم؟
لا … كأن جسدي ليس جسدي؟
حتى عندما قضى شهرًا تقريبًا في العراء بجبال ألتاس الشهيرة ببردها القارس في منتصف الشتاء، لم يكن بهذا السوء.
بل كان يستيقظ أوّل الجميع، ويفقز بحيوية رغم قضاء الليل على أرضٍ باردة.
كان حسّاسًا لدرجة أنه يسمع رفرفة أجنحة عصفورٍ صغيرٍ بين أوراق الشجر.
حتى أن قائد المرتزقة ريكاردو كان يمزح قائلًا إن دم لصٍّ وليس دم نبيلٍ ما يجري في عروق سيده.
حاول دانيال تحريك ذراعه التي تبدو له وليست له في الوقت نفسه، فشدّ أصابعه بقوّة.
حرّك أصابعه عدّة مرّات، ثم قبض يده وفتحها، فبدأت الحركة تتحسّن تدريجيًا وعادت الحساسية إلى ذراعه.
حرّك كاحليه ببطءٍ أيضًا. لحسن الحظ، عاد الإحساس سريعًا هناك.
استند دانيال بكفّ يده على السرير، ثم دفع بقوّة.
“آغ…”
مع صوتٍ متحشرج، ارتفعت كتفاه، ثم استقام ظهره.
“ها … ها … هف …”
يبدو أن النافذة مفتوحة.
حملت نسمةٌ عبير زهورٍ خفيفًا بردّت العرق على عنقه ولامست بشرته.
“مم …”
حاول مرّةً أخرى بجهد، فرُفِعت ذراعه بصعوبةٍ هذه المرّة.
غطّى دانيال جبهته بيده التي رفعها بصعوبة، وبدأ يتذكّر بيأس.
ما آخر مشهدٍ يتذكّره؟
آه، اللعنة … رمى آرثر نوتينغن رمحًا نحو دومينيك.
عندما رأى ذلك، قفز من على الحصان دون تفكير.
ثم ارتطم رأسه بشيءٍ ما …
بوم!
فُتِح الباب فجأةً دون صوت خطوات، فوضع دانيال يده غريزيًا على خصره ورفع رأسه.
للحظة شعر بالحيرة لأنه لا يحمل سيفًا لمواجهة الدخيل الغريب.
لكن عندما رأى الشخص الذي دخل الغرفة، ضيّق عينيه.
امرأةٌ بيضاء ناصعةٌ بشكلٍ مذهلٍ ظهرت أمامه، حتى خشي أن يفقد بصره مجدّدًا من شدّتها.
‘ما هذا … هل مِتُّ حقًا بدلًا من أن أنجو؟’
للحظة، ظن أنه رأى ملاكًا وتساءل عن حياته أو موته.
“سـ… سيدي الدوق؟”
لكنه لم يسمع أبدًا أن الملائكة تتحدّث بلغة سفيرغن.
“يا إلهي … هل استيقظتَ حقًا؟”
عندها تذكّر.
قبل أن يتلقّى خبر العثور على ابن الدوق نوتينغن الهارب، كان هو في مكانٍ آخر.
كان دانيال في حفل زفافه هو نفسه.
وربما مع تلك المرأة التي دخلت تحمل رائحة العشب المنعش من غابة ألتاس.
عندما أدرك مَن هي، أمسك جبهته المتألّمة وأجاب ببرود.
“هذا بالضبط ما أُريد أن أسأله.”
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 1"