#8. كانت شخصية غير لاعبة (NPC). لا، حتى الأمس فقط (6)
إن وجوده في تلك البقعة العشبية وهو يحمل أوراق الهيبوتا لم يكن صدفة أبدًا، بل فعلًا محسوبًا بعناية، وتمثيلًا متقنًا.
لقد انتظر بهدوء، من دون أن يلفت انتباهي، مترصّدًا اللحظة المناسبة.
كان يدرك تمامًا أنني، حين أسمع حفيفًا متعمّدًا فألتفت لأراه يستنشق السم بنفسه، سأضطر في النهاية إلى مناداته.
حتى هذا كان جزءًا من خطته.
شعرتُ بالفراغ.
غرورٌ أعمى حكمي. ظننت أنني أتجنبه بإتقان، فاسترختُ، لأكتشف أنني في الحقيقة كنت أنقاد خطوة خطوة وفق ما أراده.
كنت أعتقد أنني في موقع التفوق، فإذا بي أُسحب بلا مقاومة إلى داخل مخططه.
أفاقتني الخادمة من شرودي. كانت تحمل المظلّة التي طارت من يدي.
«آنستي، هل أنتِ بخير؟»
حدّقتُ في المظلّة بصمت.
لم أعد بحاجة إليها الآن. لقد انكشف رمز التعجب.
بل في الحقيقة… كان إدوين يعلم أصلًا أنني أملكه.
«لا تقفي هنا، تفضّلي وادخلي القصر. سيهطل المطر قريبًا.»
رفعتُ بصري إلى السماء.
سحب سوداء كثيفة غطّت الأفق، وكلامها بدا صادقًا. المطر وشيك.
«ادخلي أنتِ أولًا. أحتاج إلى ترتيب أفكاري قليلًا.»
«تفكير؟»
سحبت يدها التي كانت تمدّ المظلّة نحوي. بدا الارتباك على ملامحها.
ثم سألتني، وهي تنظر إليّ بقلق واضح:
«آنستي… لماذا كنتِ هناك معه؟ لم تحاولي منعه، ولم تطلبي النجدة حين سقط. هل… هل أنتِ من اقترح عليه تلك الأوراق؟»
«… ولمَ تعتقدين ذلك؟»
«لأنكِ بدوتِ وكأنكِ لا تستلطفين ذلك الشاب. إن كنتُ قد تجاوزتُ حدودي، فأنا أعتذر.»
إنها ذكية.
على عكس بقية من في القصر، الذين ارتفعت درجة إعجابهم بإدوين إلى حد أنهم لم يعودوا يلتفتون إلى مشاعري أصلًا.
بولين.
خادمة ترتدي الزي نفسه الذي أرتديه.
قرأتُ الاسم المعلّق على صدرها.
لم أهزّ رأسي نفيًا.
ربما كانت محقّة.
فهو استنشق تلك الأوراق السامّة رغم علمه بخطورتها… لأنني لم أقع في حبه. لأنني لم أنخدع به.
نظرتُ إلى الباب الكبير الذي أُدخل عبره محمولًا.
هل كان مجنونًا؟ أن يراهن بحياته من أجل هدفٍ في لعبة تعليمية؟ كاد أن يفقد حياته حقًا.
ما إن أدركت ذلك حتى اجتاحني قشعريرة من أخمص قدميّ حتى رأسي.
رجل يغامر بحياته إلى هذا الحد… لا بد أنه قادر على جري خلفه وسحبي كيفما شاء.
كان عليّ أن أتوخّى الحذر.
وإلا فسأجد نفسي، كما في المرة السابقة، أكرر دوّامة الخطوبة ثم فسخها بلا وعي.
لم يكن خصمًا سهلًا.
خلف مظهره الهادئ تختبئ حدّة خطيرة. ولم يعد يكفي مجرد تجنّبه.
حلّ الليل.
وبينما كنت أرتّب أفكاري، أعددتُ أمتعتي على عجل. أخرجتُ حقيبة صغيرة، وضعتُ فيها بعض الطعام البسيط، ومدخراتي القليلة، وملابس متواضعة تشبه ما يرتديه العامة. وفي آخر الأمر، علّقتُ فانوسًا صغيرًا بجانب الحقيبة.
أخرجتُ حجر الإشعال وأوقدت النار. ما إن اصطدم الحجر بالحجر حتى اشتعل الضوء داخل الفانوس الأسود.
اعتمدتُ على نوره وتحركتُ بسرعة.
عليّ أن أغادر. قبل بزوغ الفجر. وقبل أن يستيقظ إدوين.
كنت أخطط للهروب ليلًا.
قفزتُ من النافذة بعد أن جمعتُ حاجياتي.
كان كل شيء ساكنًا. إقطاعية ريفية لا تعرف غزوات الأعداء، فلا حراسة ولا دوريات. ظروف مثالية للفرار.
في هذا المكان الهادئ، كنت الوحيدة التي ينهشها القلق.
كيف انتهى بي المطاف هكذا، أنا التي كان ينبغي لها أن تعيش حياة مترفة لا ترى إلا الجميل؟
أسرعتُ نحو غابة غرينتهايم. وما إن تجاوزتُ السور حتى وجدت نفسي أركض دون وعي.
أردت الخروج بأي ثمن، في أسرع وقت.
الهروب من الخطوبة التي تقيدني، ومن أبي الذي يقدّس قوانين النبلاء.
كان قد هدّدني بحرماني من الميراث إن غادرتُ دون إذنه، لكنني لم أعد أحتمل الانتظار. فالانتظار بلا موعد يعني أن أُترك مجددًا.
هذه المرة، حتى لو تخليتُ عن كل شيء، لن أسمح لنفسي بأن أُرمى مجددًا كشخصية قابلة للاستبدال في مسار اللعبة.
صحيح أنني خائفة قليلًا، لكنني أستطيع العيش دون اسم عائلة الماركيز.
الغابة لم تكن بعيدة. كنت ألهث.
ما إن أتجاوزها حتى أرى القرية المجاورة.
تشبثتُ بحزام الحقيبة بقوة، وشققتُ طريقي بين الشجيرات.
دخل أنفي عبير الصنوبر الكثيف والمنعش.
في الداخل، كانت الأدغال غير مشذبة، وقد ارتفعت حتى مستوى الصدر لقلّة مرور الناس.
أشواك صغيرة خدشت معصمي بقسوة، وأوراق حادة لامست جلدي مرارًا، فأوجعتني.
لكنني واصلت التقدم، متحملة الألم.
وعندما هممت بمغادرة الإقطاعية…
『تحذير!』
ظهرت الكلمة فوق رأسي.
«هاه؟»
ومعها، اندفعتُ إلى الخلف وكأن يدًا خفية دفعتني.
حاولت إدخال يدي مجددًا، فظهرت نوافذ زرقاء واحدة تلو الأخرى.
『لقد خرجتَ عن المسار!』
『لقد خرجتَ عن المسار!』
『لقد خرجتَ عن المسار!』
وفي كل مرة، كانت يدي تُصدّ بلا قوة.
غريب… لا أستطيع الخروج من القرية.
كأن جدارًا شفافًا يقف أمامي. مهما مددت يدي، اصطدمت بشيء غير مرئي وارتددت.
كنت أرى الخارج بوضوح. لم يكن أمامي شيء.
لكن كأن ريحًا عاتية تدفعني إلى الخلف.
سحبت يدي وأدخلت رأسي. لا فائدة.
خطوت خطوة أخرى. النتيجة ذاتها.
كان هناك شيء يطردني.
تحسست بيدي ما أمامي…
حاجز شفاف، مائل قليلًا، دائري، يطوّق الغابة كلها.
شعرت به غريزيًا.
«هذا هو…»
هذا هو الحدّ الذي يُسمح لشخصية غير لاعبة بالتحرك ضمنه.
الخطر يمنعك من مغادرة الإقطاعية.
تذكّرت أبي وهو يربّت على رأسي في طفولتي ويقول ذلك.
لم أزر العاصمة قط، فقد نشأت على الخوف، وزاد الأمر بعد وفاة أمي المبكرة.
كنت الوحيدة التي سترث العائلة، فاعتبرتُ حمايته المفرطة أمرًا طبيعيًا.
لم أتخيل أن السبب هو أنني ببساطة… لا أستطيع أن أخرج خطوة واحدة.
انهرتُ جالسة.
تناثرت الأغراض من حقيبتي على الأرض.
رأيت آثار العشب المدهوس. كنت أضغط بقدميّ محاوِلة اختراق الحاجز، فانسحقت الأعشاب.
وبفضلها، ظهر بوضوح الحدّ الذي يمكنني الوقوف عنده.
لم يكن مقدرًا لي أن أتجاوزه.
عاجزة.
في الأفق، بدأ الفجر يلوح.
الشمس تشرق وتغيب كل يوم من الموضع ذاته بين الجبال.
كل شيء محسوب.
حتى الشمس… ليست من أجلي.
ولا نبتة واحدة في هذه الغابة نبتت لأجلي.
…هذه الغابة خُلقت من أجله هو.
حساسيتي للفواكه، وسقوطي السريع في الحب مع الخطيب، كلها تصميم مقصود.
ربما حتى وفاة أمي المبكرة، وحبي لزهرة زهرة الربيع الليلية… كل ذلك.
كان الأمر قاسيًا.
أن تكون ثقافتي، وذوقي، وكل ما يشكّلني… مجرد بيانات كتبها النظام.
قرفصتُ على الأرض، ودفنت وجهي بين ركبتيّ.
عشب أوائل الشتاء كان باردًا، والرطوبة تسللت إلى ثوبي، لكنني لم أعبأ.
إن كان كل هذا من صنع النظام، فلن أموت حتى لو أصبتُ بالمرض.
وبينما كنت جالسة هكذا، سمعت وقع خطوات.
اقتربت سريعًا… ثم توقفت أمامي.
«داميا.»
رفعت رأسي.
وجهٌ تمنيتُ ألا أراه مجددًا.
لقد نجا.
كما يليق ببطل هذا العالم، وبمتقمّصه.
وها هو يقف أمامي.
«إدوين…»
اقترب خطوة.
«انهضي يا آنسة. الأرض باردة.»
مدّ يده. يد كبيرة، بيضاء.
لم أمسكها. بل فتحت فمي ألومه:
«لم تتعافَ بعد. لماذا خرجت إلى الغابة؟ أنت حقًا…»
عضضت شفتي.
حتى هذا كان مهذبًا أكثر مما ينبغي.
لم أرد أن أكون “الشخصية اللطيفة”.
أردت أن أقول شيئًا… أي شيء لا يشبه تصرّفات NPC.
«هل جننت؟»
لكن للأسف، كان هذا أقسى ما استطعت قوله.
لو كنت أعلم، لاستمعـتُ شتائم حدّادي الإقطاعية، وتجولتُ في أزقة الغجر.
الندم جاء متأخرًا.
«إن كان هذا ما شعرتِ به، فلا بد أن الأمر كذلك.»
حتى توبيخي، استقبله بلطفه المعتاد.
حدّقتُ في وجهه.
كانت شفتاه مزرقتين، وبشرته شاحبة توحي بأنه على وشك السقوط…
ومع ذلك، ظلّ مظهره جميلًا على نحوٍ مزعج.
التعليقات لهذا الفصل " 8"