الرجال الذين اكتشفهم أحد النبلاء وأنقذهم جاؤوا لزيارة بيت المركيز بمساعدة كفلائهم، أمّا أولئك الذين لم يحصلوا بعد على هوية رسمية، فلم يكن أمامهم سوى الانتظار بصمت علّني أبادر أنا بالكلام.
كان غرينتهايم أقلّ تشدّدًا من العاصمة في مسألة الفصل بين النبلاء والعامة، لكن ذلك لا يعني أنّ عامّيًا يستطيع مخاطبة آنسة نبيلة بحرّية.
واحد… اثنان… ثلاثة… أخذت أعدّ الرؤوس الواقفة خارج النافذة. كانوا جميعًا ستة عشر رجلًا.
حتى الذين لم يتمكّنوا من النظر إلى البرج، يبدو أنّهم سمعوا بالأمر فجاؤوا متأخّرين لرؤيتي، ولذلك كان عدد المستخدمين المقيمين في غرينتهايم معلومًا بدقّة.
حين فشل إدوين في «استراتيجيتي» خلال أسبوع، بدأ النظام يدفع الرجال واحدًا تلو الآخر إلى داخل غرينتهايم، كل يوم أو يومين.
رجال يقفون على أطراف أصابعهم عند سور بيت المركيز المحاط بكروم اللبلاب، يحدّقون في هذا الاتجاه. ورجال آخرون، رغم انتهاء مراسم التعارف، لم يستطيعوا الرحيل، فظلّوا يتردّدون قرب البوابة.
حرّكت بصري ببطء. في فناء القصر كان إدوين هناك.
كان يحصد البطاطا في حديقة بيت المركيز، يجثو على الأرض الترابية ليقتلعها، ويستخدم عصًا طويلة لقطف الفاكهة، ويساعد الخادمات في أعمالهنّ.
الخادمات من حوله كنّ يمسكن بيده محاولات منعه، ومن الأعلى بدا المشهد حميميًا على نحو لافت. وجوه الخادمات الملتفّات حول إدوين كانت غارقة في الابتسام.
«أليس هذا هو نفسه الذي قال إنّه لم يكن يغوي الخادمات ولا يبعثر سحره؟»
صحيح أنّ كل ما أظهره لم يكن سوى شيء من اللطف وابتسامة مشرقة، لكن مستوى إعجاب الخادمات به بلغ الحدّ الأقصى دون أن يشعرن.
لو طلب المال، لسلّمنه كل ما في أحضانهنّ دون تردّد.
كنت أعرف سبب مساعدته لهنّ. إدوين ليس رجلًا يعيش للحبّ أو يتسكّع بلا هدف.
『لقد ارتفع مستوى الخبرة بمقدار 10 نقاط!』
ظهر شريط الخبرة المتراكم فوق رأسه.
كلّ لطفه كان محسوبًا بدقّة. صوته الوديع، وانحناءة عينيه الناعمة، وحتى زاوية فمه المرتفعة قليلًا… لم يكن يصنع أيًّا منها بلا قصد.
قد يراه الآخرون رجلًا طيبًا لا أكثر، لكن تلك الابتسامة كانت تقشعرّ لها أوصالي. رجل يسيطر على كل شيء بتعبير واحد. رجل ينسجم على نحو مرعب مع هذا العالم الافتراضي المسالم.
نظرة عينين توحيان كأنهما ترى كل شيء. لطف لا يصدر إلا عمّن يعرف كيف يحرّك البشر كدمى. كائن أقرب إلى الإله، يطلّ على الجميع من علٍ.
كان مزعجًا. حين أراه، أدرك أنّ حتى الرجال الوسيمين قد يكونون باعثين على الرهبة.
رنّ—!
ارتفعت نقاط الخبرة مجددًا مع مساعدته للخدم، لكن العائد كان ضئيلًا قياسًا إلى الجهد.
بعد أن تراكمت الخبرة إلى حدّ معيّن، صار الارتفاع بطيئًا. مقارنة بالزيادة المرعبة التي حصل عليها حين أكل قبضة من الفاكهة، فإن ثلاث ساعات من العرق والتعب لم تمنحه سوى هذا القدر.
كلما ارتفع المستوى، طالبَت اللعبة المستخدم بأشياء أشدّ إثارة وأقسى حدّة. أن يطمع فيما لم يتمكّن من إخضاعه بعد.
تدحرجت قطرة عرق من جبين إدوين حتى طرف ذقنه. أخرج من جيبه منديلًا ومسح بها جبينه.
المنديل الذي اشتريته له تحوّل، دون أن أشعر، إلى خرقة يستخدمها لمسح العرق أثناء العمل.
بدا وكأنّه تخلّى تمامًا عن فكرة «استراتيجيتي». كأنّه يخطّط لمغادرة بيت المركيز بعد أن يجمع الخبرة بصبر واجتهاد.
انحنى مجددًا، وبدأ هذه المرة في اقتلاع الأعشاب الضارّة.
حين رأيت ذلك، أفلت منّي زفير لا إرادي.
«إدوين… هل تظنّ حقًا أنّ اقتلاع الأعشاب سيتيح لك مغادرة الإقطاعية؟ كنت أظنّك أذكى من ذلك.»
لا بدّ أنّه يعرف هوية الرجال الذين يتردّدون على بيت المركيز يومًا بعد يوم. كنت أتوقّع أن يواجهني بهذا الأمر بحدّة، لكنه كان صامتًا إلى حدّ مخيف.
لم يشتكِ من نكثي بالوعد، ولم يأتِ ليطالبني بشيء. حتى دخوله غرفتي عبر النافذة، أو طرقه باب مخدعي ليلًا، صار يبدو كأنه محض وهم.
المخالب التي شحذها يومًا من أجل «الاستراتيجية» بهتت منذ زمن، وها هو يستخدمها اليوم ليقلب تراب الحديقة.
في الحقيقة… أنا وهو نعرف الطريقة الأسرع لرفع المستوى. وهي ببساطة: استراتيجيتي.
لكن ذلك مستحيل. الخطوبة هي آخر حصن. الورقة الوحيدة التي تمكّنني من إبقاء المستخدمين في غرينتهايم، وإبقائهم تحت سيطرتي.
حتى لو أمسكت بيده يومًا، فلن أمنحه إعجابي بسهولة.
واضح أنّ جمع الخبرة بقطف الفاكهة وقطع الأعشاب أمر غير مجدٍ.
『مؤشّر الخبرة: 740 / 1,000,000』
تلألأ شريط الخبرة فوق رأسه.
لا يزال الطريق طويلًا حتى يمتلئ. بهذا المعدّل، سيحتاج إلى ما يزيد على ثمانين عامًا ليغادر غرينتهايم.
في لعبة محاكاة مواعدة، لا لعبة تربية، فإن العمل الجاد وحده لا يضيّع سوى الوقت. الهدف الحقيقي للعبة هو رفع مستوى إعجاب شخصيات الاستراتيجية.
ابتسم إدوين ببراءة وهو يمسح العرق، وفوقه ظهر شريط الخبرة يومض مجددًا.
『مؤشّر الخبرة: 750 / 1,000,000』
حين يمتلئ هذا الشريط، إلى أيّ مكانة سيتحوّل؟ تساءلت فجأة عن الخوارزمية التي تحدّد مستقبل هؤلاء الرجال.
كيف تُرسم هوياتهم، وإلى أي مسار تنتهي؟ وبالمناسبة… هل كان ميلر قد كُتب له أن يكون وليًّا للعهد منذ البداية؟
ربما حين دفعني جانبًا ورحل إلى مقاطعة الكونت، كان قد رأى مستقبله سلفًا.
ما إن خطر ميلر في بالي حتى عاد الحزن ليخنق صدري. بعد رحيله، وبعد عدد لا يُحصى من فسخ الخطوبات، ظننت قلبي قد تبلّد، لكن مكانه ظلّ هناك، في زاوية لا تُملأ.
فراغ لا يسدّه أحد.
ذلك الفراغ الذي كدت أنساه، عاد ليعلن عن وجوده بوضوح بعد حفل الآنسة هيلين.
أبعدت نظري عن النافذة، وعدت إلى تصفّح الوثائق.
قائمة الداخلين إلى غرينتهايم التي جمعها جاستن بدأت أخيرًا تثبت فائدتها.
قلّبت الأوراق. مهما انتقيت واخترت، كان إدوين يتصدّر القائمة. أمر يثير الغيظ، لكنه أفضل عريس متبقٍّ في غرينتهايم.
مظهره: ممتاز. قدراته: من الطراز الأعلى.
لكن هناك عيبًا قاتلًا واحدًا. هل سيخونني أم لا… غير معلوم.
«أظنّ أنّ لقاء اليوم يجب أن ينتهي هنا. هلّا استدعيتِ العربة؟»
أسدلت الستائر.
بولين، التي كانت ترتّب فناجين الشاي الباردة، رفعت رأسها عند سماع كلامي، ثم أومأت بهدوء.
طرقت نافذة الخدمة المغلقة.
كان بنكًا صغيرًا لعامة الناس في أطراف الإقطاعية. وحين لمحني مدير البنك من خلال الفتحة الضيّقة، اتّسعت عيناه دهشة.
وبعد أن تأكّد من شعار بيت المركيز المعلّق على العربة، فتح النافذة وهرع إلى الخارج.
«يا آنسة! لم أتوقّع أن تزورينا بنفسكِ. لو أخبرتنا لأتيتُ أنا إلى بيت المركيز.»
«العيون كثيرة.»
جلست على الأريكة التي دلّني إليها، وأسندت ظهري، ونقرت على مسند الذراع بأصابعي.
«كم يبلغ إجمالي ثروة هذا البنك؟»
«أم… حوالي خمسين ألف قطعة ذهبية.»
كان يبحث عن الدفاتر، ثم وقف أمامي متردّدًا. بدا أنه أدرك أنّ زيارتي اليوم ليست من أجل الاستثمار.
«جئت اليوم لسحب المال. هل تفتح لنا الخزنة؟»
«…نعم. حاضر.»
فتح مدير البنك باب الخزنة الكبيرة.
ما إن انفتح الباب حتى ظهرت أكوام الذهب المكدّسة. كانت أقلّ من نصف ما رأيته في البنك السابق. لا غرابة، فالبنك بعيد عن مركز غرينتهايم.
«كم ترغبون في السحب؟»
قلت بلا مبالاة:
«كلّه.»
«…عفوًا؟»
«سأسحب كل المال. أخرجوه كلّه.»
أشرت للفرسان بينما كان المدير واقفًا وفمه مفتوح.
بعد أن مررتُ بهذا المشهد خمس مرات، لم يعد يدهشني شيء. أخذ الفرسان يكنسون الذهب في الأكياس ويضعونها على الميزان.
تراكمت أمامي رزم الذهب، وربطتُها بإحكام كي لا تنفرط.
هذا لا يكفي لسحب كل ما ادّخرته. سأحتاج إلى بنك آخر.
في غرينتهايم، وبما أنها لعبة إغواء، كان هناك كثير من الوريثات الثريات. لكن هناك حقيقة واحدة واضحة: كنت أملك من المال ما يجعلني لا أتأخّر عن أيٍّ منهنّ.
الأموال التي جمعتها من الأعمال كانت طائلة. إلى حدّ أنّ نهب كل بنوك المنطقة لن يكفيها.
كان هذا خامس بنك.
الأموال النقدية في كل بنك كانت محدودة. وبعد أن طفتُ على بنوك المركز واحدًا تلو الآخر، وجدت نفسي في أطراف بعيدة عن قلب المدينة.
هذه الأموال هي رأس مال مشاريعي القادمة. لكن حين أفكّر أنني قد لا أغادر غرينتهايم أبدًا، تبدو القطع الذهبية مجرّد زينة جميلة لا أكثر.
سأستثمر هذا المال في خطيبي القادم.
إذا اعتبرته مجرّد تغيير في مجال الاستثمار، فلن أشعر بالأسف.
«هل يمكنكم كتابة سند دين للمبلغ المتبقّي؟»
كان مدير البنك لا يزال يحدّق بي من الزاوية، كمن واجه لصًا اقتحم البنك.
مع أنني لم أفعل سوى سحب مالي بشكل قانوني. ومع ذلك… شعرت كأنني سارقة.
التعليقات لهذا الفصل " 28"