أسفل البرج امتلأ بإطاراتٍ زرقاء مربّعة. ضوء أزرق غامض غمر الساحة بأكملها، كأنّ الغيوم قد هبطت إلى الأرض. ومن فوق البرج، استطعت أن أميّز الرجال الذين دخلوا هذا العالم بنظرةٍ واحدة.
الرجال الذين يواصلون ركوب خيولهم وكأنهم لا يرون شيئًا، أو يقرؤون الصحف، أو يكنسون أمام المتاجر بالمكانس، جميعهم شخصيات غير لاعبة (NPC). أمّا الذين لم يستطيعوا أن يشيحوا أبصارهم عن البرج بعد توقّف صوت الجرس، فلم يكونوا سوى الرجال القادمين من عالمٍ آخر.
طنين!
«البرنامج التعليمي – المهمّة الأولى اعثر على الشخصية غير اللاعبة الودودة التي تعلو رأسها علامة تعجّب! شرط الإتمام: حاول التحدّث مع شخصية تحمل علامة تعجّب. الصعوبة: F المكافأة: بدء المهمّة الثانية المهلة: غير محدودة عقوبة الفشل: غير معروفة»
ظهرت رسالة تعلن بداية البرنامج التعليمي. تلك النافذة نفسها التي كان إدوين يتمنّاها حدّ المخاطرة بحياته وتجرّع السمّ من أجلها.
الفارس الذي كان يقود حصانه، والرجل الذي كان يعبر الطريق، وحتى الجندي الواقف للحراسة—جميعهم التفتوا لينظروا إليّ. كان الرجال قد تسلّلوا سرًّا إلى غرينتهايم أثناء مكوث إدوين في قصر الماركيز، متنكرين بهويات مختلفة، يعيشون في كل زاوية من المدينة.
وحين ظهرت علامة التعجّب علنًا، تلألأت عيونهم في لحظة واحدة. لا أدري أكان ذلك بسبب الضوء الأزرق الساطع أمام أعينهم، أم لأنهم عثروا على هدفهم، لكن نظراتهم الموجّهة نحوي كانت واضحة ومتّقدة.
صرير…
انفتح باب البرج، ودخل رجل. وفي اللحظة نفسها، نهضت فينيتا، التي كانت جالسة على الكرسي، واقفةً على عجل. سقط المنديل الذي كان على ركبتيها.
كان منديلًا تعتزّ به كثيرًا، لكنها لم تلقِ عليه نظرة واحدة، بل حدّقت به بابتسامة مشرقة لم أرَ مثلها من قبل.
«لقد أتيتَ؟»
كان الرجل يحمل باقة من الورود البيضاء.
«يا إلهي… وكيف عرفت أنّني أحبّ الورود…؟»
اقتربت فينيتا منه بخجلٍ ووجنتاها متوردتان. لكن يونغشيك لم ينظر إليها. بدا كأنّ شيئًا ما سلب وعيه، فكانت عيناه معلّقتين بنقطة واحدة.
وفي نهاية نظره… كنتُ أنا.
تجاوز الرجل فينيتا بخطواتٍ واسعة، متحمّسًا، واتّجه نحو الطاولة. ثم وقف أمامي. وحين رفعت بصري إليه مائلة، جثا على ركبة واحدة ليجعل مستوى نظره بمستوى عينيّ.
«تشرفتُ بلقائكِ. اسمي رودّي. أين كنتِ تخفين هذا الجمال كلّه؟ يسعدني أنّني استطعتُ لقاءكِ ولو الآن.»
مدّ رودّي الباقة نحوي.
«إن لم يكن في ذلك إساءة، هل تأذنين لي بدعوتكِ إلى موعد؟»
وضعتُ فنجان الشاي ببطء، ونظرتُ إليه. شعرٌ بنيّ عادي، وعينان بنيّتان، وشامة لطيفة تحت العين. مظهره لا بأس به، لكنني لم أشعر بانجذابٍ خاص.
«حسنًا… سأفكّر في الأمر.»
طنين!
«تمّ إنجاز المهمّة الأولى من البرنامج التعليمي! شرط الإتمام: حاول التحدّث مع شخصية تحمل علامة تعجّب. المكافأة: بدء المهمّة الثانية»
«البرنامج التعليمي – المهمّة الثانية يبدا مستوى الألفة مع الشخصيات. ارفع مستوى الألفة إلى 70 نقطة أو أكثر لفتح المسار! شرط الإتمام: الخطوبة مع داميا إيلي الصعوبة: F+ المكافأة: إزالة القيود عن منطقة القرية المهلة: غير محدودة»
«تمّت إضافة شخصية إلى دليل الشخصيات. الشخصية: داميا إيلي»
تتابعت النوافذ في الظهور، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه الرجل. خلفه، كانت فينيتا تقف مذهولة. كان فمها مشدودًا بتشنّج، ووجهها القاسي يتناقض بشدّة مع ابتسامته البريئة.
كانت ذات يومٍ خطيبته المستقبلية، تخطّط معه للمستقبل، وها هي الآن ترى من خلف رأسه كيف يقدّم الزهور لنبيلةٍ أخرى أمام عينيها.
شحب وجهها للحظة، ثم بدأ يحمرّ تدريجيًا. امتدّ الاحمرار بسرعة إلى عنقها وأطراف أذنيها.
كانت فينيتا امرأةً شديدة الاعتداد بنفسها. بدت وكأنّ الدموع ستنهال من عينيها في أيّ لحظة، لكنها عضّت شفتها بإحكام، وحاولت—كنبيلة—كبح الغضب، والارتباك، والإهانة التي كانت تغلي في صدرها.
زاوية فمها، التي كانت تسخر منّي قبل قليل، أخذت ترتجف بعنف. وفي النهاية، من دون أن تقول كلمة لي أو لرودّي، فتحت الباب وخرجت.
ألم أحذّركِ يا فينيتا؟ قلتُ لكِ أن تكوني حذرة. خطيبكِ مقدّرٌ له أن يتودّد إليّ.
…وإن لم يكن ذلك لأنّه أحبّني حقًا في النهاية.
كان منديل فينيتا لا يزال ملقى على الأرض. على الرغم من أنّني انتزعتُ رجلها الذي كان يسخر منّي، لم يكن شعوري جيّدًا على الإطلاق.
منذ الفجر، امتلأ قصر الماركيز بالزوّار الذين جاءوا ينتظرونني. غرفة الاستقبال غصّت بالهدايا التي أرسلوها، حتى لم يعد فيها موطئ قدم.
الرجال الذين لم يتمكّنوا من دخول القصر أرسلوا باقات الزهور عبر الرسل. ومن كثرة الزهور، فاح العطر في أرجاء القصر، حتى من جدران وأرضيات الرخام.
أُصيب الماركيز بالذهول من هذا الوضع المفاجئ. شقّ طريقه ببطء في الممرّ متجنّبًا سلال الزهور، ثم فتح باب غرفة الاستقبال بعنف.
«داميا… ما هذا…؟»
تعثّر قليلًا عند المدخل، وقد سُدّ لسانه من شدّة الدهشة. لم يكن العطر الكثيف يربك حاسّة الشمّ فحسب، بل يُدوّخ البصر أيضًا.
«أهلًا بك.»
نهضتُ بهدوء لاستقباله.
«ما معنى هذا كلّه؟»
أجبتُه ببرودٍ وكأنّ الأمر لا يستحقّ الذكر:
«جاؤوا لخطوبتي.»
«كلّهم…؟»
فتح فمه على مصراعيه.
«نعم. أليس هذا المشهد ما كنتَ تتمناه يا أبي؟ كنتَ قلقًا من تأخّر خطوبتي.»
«لكن… رغم ذلك، كيف يمكن…»
كان كلّ شيء متوقّعًا: سيل دعوات المواعدة، وارتباك أبي. رفعتُ فنجان القهوة وارتشفتُها على مهل.
عطر القهوة الحلو لفّ أنفي، وطغى دفء البنّ على رائحة الزهور التي ملأت القصر. كانت الزهور تبعث رائحة نفّاذة مصطنعة، ونضارتها مفرطة حدّ المبالغة.
كأنّ هناك متجر زهور مخصّصًا فقط لنجاح التودّد إلى الشخصيات غير اللاعبة. بتلات يعلوها الندى، وسيقان مصقولة بلا أشواك، وأزهار حيّة نابضة بالحياة حتى من دون ماء—حيويّة مخيفة.
كانت تلك الزهور الغريبة تذكيرًا واضحًا بأنّ هذا عالمٌ مصنوع.
«هل نعيدهم؟»
تردّد الماركيز قليلًا. بدا حائرًا بين ترك هذا المشهد يحدث لابنته التي فاتتها سنّ الزواج، أو إيقافه.
ضغط على ما بين حاجبيه، ثم قال:
«إن كانوا ضيوفًا، فاستقبليهم. لكن أزيلي الزهور.»
أدخلنا الرجال الذين اصطفّوا منذ الفجر أمام القصر واحدًا تلو الآخر إلى غرفة الاستقبال. وبسبب طول الطابور، قرّرنا أن يقتصر الحديث مع كلّ رجل على عشر دقائق فقط.
«هل تعلمين معنى هذه الزهرة؟ إنّها تعني الحبّ الأوّل.»
كان هذا الرجل سابع خاطبٍ أستقبله اليوم.
كان الأمر مملًّا. جلستُ على الأريكة، بينما تقوم الخادمة بالعناية بأظافري، أستمع إلى همسات التودّد بملل، وعيناي مثبتتان على روايةٍ كلاسيكية.
التعليقات لهذا الفصل " 27"