في ذلك اليوم الذي أنهيتُ فيه فسخ خطوبتي الحادية والعشرين، وكنت أتلقى درسًا مملًّا في آداب السلوك. في ذلك اليوم الذي هبّت فيه نسائم الربيع برفق، تداعب وجنتيّ. فجأة، سُمعت أصوات الخدم المنشغلين، وعمّ الاضطراب أروقة القصر. بدا أن أحدهم جاء لزيارة بيت الماركيز.
طرقت معلمة الآداب، التي جرى استقدامها من العاصمة، المكتب بعصبية وهي تطالبنا بالتركيز، لكن بصري كان ينزلق مرارًا نحو النافذة.
كان هو قد دخل بيت الماركيز في ربيع عامه الثامن عشر، بصفته خطيبي الثاني والعشرين. وصل وهو مصاب بسهم اخترق صدره عند ضفة جدول ماء.
كان مختلفًا عن الرجال الآخرين. فعلى عكس خطبائي السابقين الذين نُقلوا فاقدي الوعي على عربات، جاء هو ممتطيًا حصانًا، متماسكًا، وعبر عتبة بيت الماركيز بنفسه. كان ذلك دليلًا على قوة إرادته ورباطة جأشه. فرغم أن سهمًا مكسورًا كان مغروسًا في صدره، لم يذرف قطرة عرق واحدة.
رفض أيدي الخدم الذين عرضوا مساعدته، ومشى بساقه المصابة حتى دخل القصر، ثم فقد وعيه وسقط في بهو الاستقبال. انتشر شعره الأسود على أرضية الرخام الأبيض. خادمات يتهامسن، وطبيب القصر يهرع، وبينهم كان ميلر ممددًا بوجه شاحب.
هكذا كان لقاؤنا الأول.
لم يحاول، بخلاف غيره، أن يتقرب إليّ أو يكسب ودي. كان، كلما وجد وقتًا، يتكئ على النافذة الكبيرة في المكتبة ويقرأ كتابًا. لا أدري كيف كان ينجح دومًا في العثور على أكثر زوايا القصر انعزالًا، متجنبًا نظري.
لكنني لم أكن ممن يتركون الفرص تفلت. في رواق المكتبة نافذة واسعة يمكن الجلوس على حافتها للقراءة، وكانت تلك مكانه المفضل. اختلافه الواضح عن الآخرين أثار فضولي لا محالة.
«ماذا تفعل؟» حين أسأله وأنا أقترب من النافذة، كان يعبس بدلًا من الإجابة، ثم يغلق الكتاب بعنف. «قلت لكِ لا تكلميني.» «ولِمَ؟» «…لأنكِ مزعجة.» «أنا؟ أعلى صوت هنا هو صوتك أنت.»
كان صوته يملأ الرواق، بينما كان صوتي أنا هادئًا إلى حد مبالغ فيه. على عكس الرجال الآخرين، لم يُبدِ أي اهتمام بي منذ البداية. لم يكن سوى متأفف يتأقلم على مضض. كنت أنا من وقعت في حبه أولًا.
في البداية، كان فضولي نابعًا من كونه أول رجل يرفض خطبتي. من يكون هذا الرجل الذي يقرأ بهدوء في بيت الماركيز، وكأنه يستعد للرحيل؟ لذلك، صرت أدور حوله، أقلده، وأراقب تصرفاته.
كما قال والدي، لم يكن يبدو رجلًا عاديًا. حتى الملابس البسيطة لم تستطع إخفاء هيبته النبيلة. كان يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا أسود لا غير، ومع ذلك كانت فرادته واضحة. شعره الأسود كان لامعًا دائمًا دون عناية، وفي عينيه الداكنتين سطوة لا يمكن تفسيرها.
كان حين أخاطبه إما يقطّب حاجبيه أو يلوذ بالصمت. وبصراحة… بدا كأنه يبذل جهدًا هائلًا كي لا يحبني. فحتى وهو يبعدني بصرامة، كان يلتفت إليّ خلسة حين أبدو محبطة.
توطدت علاقتنا تدريجيًا. لم يتحدث بعد عن الخطوبة، لكنه تأقلم مع العيش في بيت الماركيز، وعيّن له والدي معلمًا لفنون السيف. كنت أعدّ الطعام وأذهب إلى الغابة لمشاهدة تدريبه. جلست على صخرة أراقبه وهو يتدرّب. كان مملًا، لكنني استطعت تحمله.
كانت قطرات العرق الغليظة تتساقط مع كل ضربة سيف، تاركة أثره في الغابة الكثيفة. كان جسده يزداد صلابة، وعضلات ذراعيه بارزة وهو يمسك السيف.
ثم في أحد الأيام، أخبرني ميلر بخبر صادم. «هل صحيح أن بيت الكونت عرض عليك التبني؟»
في الحقيقة، لم أسمع ذلك منه مباشرة، بل تنصّتُّ عليه خلال عشاء مع والدي. لم يكن لدى الكونت يوميفيان ورثة، وكانت زوجته قد توفيت منذ زمن بعيد. وكان ميلر موهبة مغرية بما يكفي لكونت بلا وريث.
«أهذا صحيح؟» استدار ميلر نحوي. لم تمضِ سوى أشهر، لكنه بدا أطول وأكثر نضجًا. اسمرت بشرته قليلًا واتسعت كتفاه، وبرزت العروق في ذراعيه.
«وما شأنكِ أنتِ؟» كان قاسيًا حتى النهاية. فأجبته دون تراجع: «أليس مطلوبًا خطاب من والدي؟ تحتاج إلى وصي وكفيل لتُسجَّل في بيت الكونت.»
منذ لحظة سماعي خبر طلبه، بحثت في الكتب المتخصصة عن إجراءات التبني بين النبلاء. لم يكن قادرًا على دحض ذلك. كان الوصي ضروريًا، ولم يكن يعرف نبيلًا غير والدي.
«أستطيع تدبير الأمر دون مساعدتكِ.» «حقًا؟»
لم يُجب. كان واضحًا أنه غير واثق. فالانضمام إلى بيت الكونت يعني إدارة الظهر لبيت الماركيز الذي دعمه بسخاء.
«تريد إذنًا من والدي، أليس كذلك؟» أدار ظهره، فأمسكت بذراعه. «اخطبني أولًا، ثم اذهب.»
«…ماذا؟» «سأساعدك في الحصول على الخطاب.»
كان والدي لا يريد التفريط فيه، وإن كنتُ أنا أصرحت برغبتي في الخطوبة منه، فسيغتنم الفرصة بلا شك. ولو تزوجنا، لاتحد البيتان، وكان بيت الكونت هو الذي سيُضم. كان والدي ينتظر هذه اللحظة بشغف، وإن لم يجبر ميلر صراحة.
ورغم ذلك… أردتُ هذه المرة أن أتمسك به.
«لقد أمضيتَ هنا خمسة أشهر كاملة. ووالدي عيّن لك معلم سيف بنفسه. أتظن أنه سيسمح لك بالرحيل ببساطة؟ كل ما قُدم لك كان استثمارًا، على أمل أن تقبل أن تكون خطيبي.»
لم أشأ أن أظهر مشاعري. بدل الاعتراف بحبي، عرضتُ شرطًا.
«وعد واحد فقط. لا تفسخ الخطوبة حتى أطلب ذلك أنا. لن أستعجل الزواج. سمعتي تهمني، ليس أكثر.»
نظر إليّ طويلًا، ثم قال أخيرًا: «داميا… لم أكرهكِ يومًا. ولا مرة واحدة.»
كانت كلماته كزفرة، حملها الهواء إلى أذني.
أُقيمت الخطوبة ببساطة. ركعنا بخشوع أمام كاهن غرينتهايم نستمع لعظة الزواج. رأيته أكثر من خمس عشرة مرة، ومع ذلك ركعت بأدب.
لم أرتدِ فستان زفاف أبيض ولا تاجًا، لكن ذلك لم يكن مهمًا. ما كان بجانبي كان أكثر إشراقًا من أي زينة.
نظرت إليه خلسة. كان ميلر مغمض العينين، شفتاه مطبقتين بإحكام، وملامحه الهادئة لا تزال كما هي… جميلة كما كانت يوم لقائنا الأول.
التعليقات لهذا الفصل " 24"