“إذا كان هناك متسلل، كان بإمكانك استدعاء الخدم بصوت عالٍ، أليس كذلك؟ وماذا لو لم يكن رجلاً جديداً بل شخصاً شريراً؟ ماذا كنّا سنفعل حينها؟”
أطلق إدوين، على غير عادته، ملاحظات تافهة ونقداً سخيفاً. “في غرينتهايم لا يوجد شرير.” “لكن لا يمكن الجزم بذلك. فهنا بيت ماركيز غني، قد يتسلل لص صغير.” “من يكسر السلام هو دائماً غريب يظهر فجأة، فلا تقلق.”
ألقى إدوين نظرة خاطفة على آيش، وكأن وجوده لم يكن مرغوباً على الإطلاق. “يبدو أن لصاً صغيراً موجود بالفعل.”
لحظتها، شعر آيش بالقلق، وارتجف جسده. بدا في غاية الانزعاج. اقترب آيش، الذي كان يرمقنا بتبادل النظرات، منّي، جالساً على طرف السرير، وفرك وجنته في يدي.
كان تصرفه يشبه حيواناً عاشباً مولوداً للتو. حتى بدا لي وكأن من رقبته يخرج صوت خفيف يشبه الهمهمة. وعندما فرك وجنته، لمع وجهه الناصع البياض برقة.
رأيت إدوين، فابتسم باستهزاء خفيف. “لو تجاوزت الجدار، كنت ستعرف كل شيء. تتظاهر بالبراءة.”
خفض إدوين صوته عن عادته، وكان واضحاً أن مشاعره قد ظهرت بطريقة طريفة. لم أرَ له مثل هذا الموقف من قبل. “إدوين، هل تشعر بالغيرة؟”
ارتجف قليلاً وتصلب، ثم انطفأت حدّته في عينيه، وفك ذراعيه المتشابكتين. ثم أطلق تنهيدة قصيرة وأجاب مختصراً: “أخشى أن تغيري رأيك، بالرغم من أنك قلتِ إن خطيبك القادم هو أنا.” “لكن ألم تكن واثقاً من نفسك؟” “…لا زلت واثقاً. ما زلت كذلك.”
بدت كلماته أقل حدة من قبل.
نظر إدوين إلى يدي وأنا أمدها بين خصلات شعر آيش الفضي، وسأل: “هل هذا ذوقك؟” “ماذا تقصد؟” “…المداعبة.” “نعم؟” “أقصد، هل يروق لك شخص بالغ، ذو مظهر قريب من القاصر، ضعيف لدرجة يعتمد على الأقوى منه؟”
قشعر إدوين أنفه بتعجب. “لا أعلم.” أجبت بطريقة غامضة ونظرت إلى آيش، الذي لا يزال مغلق العينين ويرتسم على وجهه ابتسامة خفيفة.
بلا شك، وجهه يثير غريزة الحماية. آيش، الذي يبدو بريئاً، جعلني أفقد الحذر بحضوره وحده. بل وأكثر من ذلك، كان يشبه الكلب الأبيض الذي ربّيته ومات، فلا يمكن تجاهله.
بينما كنا نتحدث، دخلت شعاع ضوء الفانوس الذي يحمله أحد الخدم من نافذة الغرفة مرة أخرى. لفتت الغرفة للحظة إلى سطوع كنهار مشرق.
لكن الضوء كشف أمراً غريباً: السرير أصبح مغطى بظلال حمراء، على الرغم من أن أغطية السرير البيضاء بالكامل. لم ألحظ ذلك بسبب ضوء الفانوس والموقد، لكن الدماء كانت حقيقية.
حرك آيش يده على المكان الذي جلس عليه، فكان غطاء السرير مبتلاً. رفعت البطانية، وظهر الدم بوضوح على ثيابه الخفيفة وعلى سرواله وصدره.
رغم كل هذا الدم، لم يُبدِ آيش أي ألم؛ اكتفى بالارتجاف قليلاً. مددت يدي لمسه، فارتد قليلاً بحذر، لكنه سرعان ما سمح لي بالاقتراب.
فحصت كاحله، فوجدت النزيف يتسع تدريجياً. آثار الفخاخ واضحة، وكأن فكي وحش قد عضاه، وكانت هناك جروح مزدوجة متقاربة بشكل واضح. حتى الآن، كان يتصبب عرقاً بارداً من رأسه، وحرارته مرتفعة.
قلت: “يجب أن نستدعي طبيباً.”
آيش لم يئن، لكن كان ضعيفاً مستسلماً للنعاس والجهد. لم يكن تصرفه تدليلاً بل نقصاً في القوة؛ أي كلمة من فمه كانت ستصبح صراخاً من الألم.
أجاب إدوين: “بهذه الجروح لن يموت، وسيستعيد قوته سريعاً.”
لم يفسح لي الطريق، وظل واقفاً أمام الباب، يراقب آيش. “ألم يكن مؤلماً؟” “يمكن تحمّل الألم.” “إذا لم نعالجها الآن، قد تبقى أضرار دائمة.” “هذا شأن الكاتب.”
قلت بإصرار: “إدوين.” لكنه ظل متكئاً على الباب، غير مهتم. يبدو أنه كان يراقب الموقف عن بعد منذ البداية.
قال وهو يفحص آيش بعينين حادّتين: “ألم تكن تنوين قتله؟ لماذا التردد الآن؟”
أجاب إدوين بلا رحمة: “إذا كنت ستعالج جروحاً لأسباب إنسانية ثم تقتله، سأساعدك. فالجلاد يعالج السجناء قبل تنفيذ حكم الإعدام.”
كانت نظرته حادة، لا مكان للرحمة فيها، فقط لمنافس محتمل. “تذكري أن هذا الرجل أيضاً مستخدم مستهدف ومنافس محتمل لخطيبك.”
تذكرت الحقيقة. لكنه، كما بدا، لا يمكن تركه معرّضاً للموت، حتى لو بدا ضعيفاً كجرو مبتل.
حاولت الإمساك بحبل التثبيت، لكن إدوين اقترب سريعاً وأمسك يدي. “داميّا.” تنهد وهو يهز رأسه قليلاً: “لا تستدعي أحداً. كنتِ حذرة كي لا تتلفّي سمعتك. سأتعامل أنا مع الأمر.”
أخرج إدوين قارورة صغيرة من جيبه، مليئة بسائل أخضر. سألت: “ما هذا؟”
فتح القارورة ورش بضع قطرات على جروح آيش، فانبعث عبير عشبي منعش في الغرفة.
راقبت التحسن، فكان واضحاً: تورّم كاحله بدأ يختفي تدريجياً. أجاب إدوين بعد إغلاق القارورة: “جمعتها من الأعشاب المحلية، ويمكن تركيب وصفة تعطي قدرة شفاء جيدة. كنت قد أجريت بعض التجارب، لم أعد استخدامها هكذا، لكن أنسبت لها هذه اللحظة.”
بفضل هذا، خفّت حدة توتر آيش، وأخذ يغط في النوم على السرير.
أمسكته وأرقدته بطريقة صحيحة، ثم تنفّس إدوين بارتياح كما لو لمس شيئاً متسخاً. قلت لنفسي: “لابد أن نخفيه بطريقة مقنعة إذا أردنا إبقاؤه في القصر.”
اقترحت: “إدوين، ماذا لو قلنا إنه صديقك؟ رجل فقد وعيه ودخل معك غرينتهايم.” “صديقك؟” فتح فمه بدهشة، “لا أقصد صداقة حقيقية.” “أرفض ذلك.”
لم أستطع إعادة المحاولة. واضح أن إدوين الآن لن ينخرط في دور ‘الصديق القادم من الخارج’. سيكتشفه الماركيز سريعاً.
قلت: “ماذا لو قلنا إنه قريب بعيد؟ من فرع أمه المتوفاة، جاء للزيارة.” تململ إدوين، لكنه أطلق تنهيدة صغيرة. ثم قال ببطء: “أفضل أن يكون تابعاً لي، أو نتركه في الغابة وفق السيناريو المعتاد ليجده الماركيز.”
تقدم إدوين بسرعة نحو السرير، وجهه متجهم. خشيّت أن يترك آيش في الغابة كأنه حمولة ثقيلة. حمل آيش بعناية، وهو يتدلى على كتف إدوين.
التعليقات لهذا الفصل " 21"