أوقفتُ الرجل الذي كان يحمل قُبَّعةً رجاليةً في يده.
“أعذرني. إلى أين أنت ذاهبٌ اليوم؟”
“إلى كاتدرائية غرين. الليلة سيقام حفل التتويج، ألا تعلم ذلك؟ البلد كله في ضجةٍ بسبب ذلك.”
أجابني وهو يضع القبعة على رأسه، وكأنه يستغرب جهلي بالأمر.
“…أليس حفل التتويج مقررًا بعد أسبوعين؟”
كان التاريخ مكتوبًا بوضوحٍ على الدعوة التي قدمها إليّ أليك وفي الصحف: بعد أسبوعين.
“قبل أسبوع، تلقى كبير الكهنة وحيًا وغيّر الموعد. يبدو أن شيطانًا وقحًا يحاول أن يلقي بظلاله على البروج الملكية. بسبب تقديم الموعد المفاجئ، واجهت النقابات التجارية متاعبَ كبيرة.”
نظر بطرف عينه إلى السكين الموضوعة على الطاولة.
“يبدو أنك من حملة السيف، فإذا كنت تفكر في الحصول على عمل حراسة، فبادر بالذهاب. حتى لو ذهبت الآن، سيكون المنافسون كُثُرًا.”
بهذه الكلمات غادر النزل.
“إدوين، آش.”
ناديتُ الرجال الجالسين بجانبي واحدًا تلو الآخر.
“نعم.”
“نعم، سيدتي داميا.”
“يجب أن نسرع.”
كاد أن يحدث كارثة لو تأخرنا قليلًا.
وصلنا إلى العاصمة في اللحظة الأخيرة حقًا.
حفل التتويج كان قد أُقيم في وقتٍ أبكر مما قرأنا في الصحف سابقًا.
توقفنا أمام المعبد الضخم.
معبدٌ فخمٌ وباذخٌ يليق بعظمة الإمبراطورية.
كانت كاتدرائية غرين التابعة للقصر الإمبراطوري.
بناءٌ جميل، لكن هيبته الساحقة أخافتني.
كانت واجهة المعبد مزينةً بأنوارٍ زاهية.
قد تتحول هذه الأنوار إلى مشاعلَ تُضيء ساحة الإعدام. عند هذه الفكرة، شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
خاصةً أن ساحة الإعدام كانت قريبةً، ورؤية شفرة المقصلة في طريقنا جعلت شعورًا غريبًا يتملكني.
“أنت هناك، إدوين.”
“نعم.”
أخذت نفسًا عميقًا وتلفظت بالكلمات.
“هل تخلَّيتَ عن جميع الأسلحة حقًا؟ الحراسة مشددة، حتى سن قلم حاد قد يُسبب مشكلةً عند التفتيش.”
يجب أن ينجح المخطط حتمًا.
فأنا هنا قد تخطيتُ حدود النظام لأصنع تاريخًا جديدًا.
“أعلم ذلك.”
“إذا حاول أحدٌ أن يقودك إلى باب خلفي، فلا تتبعه واهرب.”
“…”
“يُقال إن أفراد العائلة المالكة إذا ارتكبوا جريمةً يُعطون السمَّ في البرج ثم يُعدمون، أما العامَّة فيُقطع رؤوسهم بالمقصلة. لذا، إذا ساءت الأمور لا سمح الله ووصلنا إلى ساحة الإعدام، سأحاول بأي طريقة…”
“داميا.”
قاطعني كلامه.
وكأنه يعلم ما أقلق بشأنه.
دون أن أشعر، كنتُ أتحدث عن الأمور التي يجب أن نفعلها في حال الفشل.
“بدلًا من ذلك، أود أن أسمع منك كلمات تشجيعٍ على النجاح.”
حتى وأنا أودعه، وأفكر أن هذه قد تكون آخر مرة أرى هذا الوجه، لم تستطع كلمات “عد سالما” الخروج من فمي.
مهما كانت اللعبة سلمية، ألا يوجد نهاية سيئة يسقط فيها رأس اللاعب؟ إذا لم تسر الأمور على ما يرام، سأقطع خيط الخاتم وأهرب إلى غرينثيم.
وإذا حُبسَ، فسأظل أطوف حوله.
تناولتُه بنظري.
عكس ما توقعت، لم يبدُ إدوين متوترًا.
فهو الذي دخل غابة الموت وهو يبتسم، لذا لا يمكن الوثوق بتعبير وجهه الهادئ.
لكن… صحيح. لا فائدة من كل هذا بعد وصولنا إلى هنا.
“أتمنى لك النجاح.”
في النهاية، تفوَّهت بهذه الكلمات.
ليس لدي دعوة، لذا لا يمكنني حضور حفل التتويج.
يجب أن أترك ما يلي بالكامل لإدوين.
ابتسم إدوين ابتسامةً خفيفة.
“لا تقلقي. سأعود حتمًا.”
أخذ يدي. شعرت بدفءٍ في ظهر يدي.
درجة حرارة جسمه المعتادة، تنفسه المنتظم.
بفضله، هدأت ثورة مشاعري قليلًا وأنا المتجهمة.
أسرع فقبَّل ظهر يدي قُبلةً خفيفة، وهمس بخفاء:
“سأعود إليك كـ إدوين أهيستر عندما نلتقي مرة أخرى.”
أومأتُ برأسي ببطء.
نظر إليّ، ثم اختفى داخل المعبد.
“…ماذا أفعل الآن؟”
بقي ثلاث ساعات على حفل التتويج.
على الأقل، من المقرر أن يبقى إدوين هناك لمدة ثلاث ساعات.
حتى لو سارت الأمور حسب الخطة وحاول كبير الكهنة إلغاء حفل التتويج بنفسه أولاً، فسيستغرق ذلك على الأقل ساعة.
“هل نتجول ببطء؟ لم تنتهي من مشاهدة المعالم من العربة بعد. لقد لاحظتُ أن نظرك ظلّ مرتكزًا على متجر العطور لفترة طويلة.”
“أتفعل؟”
ربما يكون هناك وقت للتجول في الشوارع.
“حسنًا. لنذهب.”
قبضتُ على قبضة يدي.
انتهت الحيرة.
على أي حال، عندما أدخل القصر الإمبراطوري، فإما أن أُدعى كزوجة للأمير، أو أن أُحاكم بتهمة إهانة العائلة المالكة وأصعد إلى المقصلة. لنستمتع بثقافة المدينة ورفاهيتها عندما تسنح الفرصة.
عندما فكرت بهذه الطريقة، شعرت بالراحة وانسابت ضحكة مكتومة.
أمسكتُ بيد آش بنية استيعاب المناظر الأنيقة بعنف.
بدأنا نتفحص المحلات القريبة من المعبد واحدة تلو الأخرى.
أصدر الجرس المعلق في متجر التحف الصغيرة صوتًا نقيًا وهو يهتز.
وبينما كنت ألعب بالجرس المعلق في الهواء، أدركت فجأة أن هذا المكان يختلف عن غرينثيم.
“إنه هادئ.”
لا أحد ينظر إليّ.
النظرات التي كانت تلاحقني دائمًا عندما أزور المتاجر.
لم أشعر بتلك النظرات الجشعة التي كانت تثقبني كأنني سلعة موضوعة على منضدة.
“هل تريدين مشاهدة تلك الجهة أيضًا؟”
أمسك آش بمعصمي وسار بي نحو سوق المدينة.
مجرد حقيقة أنني أستطيع التجول بحرية تامة جعلتني أشعر بالحرية.
“آش؟”
في تلك اللحظة، أطلت امرأة كانت في عربة رأسها من النافذة.
كانت العربة متجهة نحو كاتدرائية غرين.
المرأة التي حَنَت رأسها بابتسامة، نطقت باسم آش بصوت خافت ثم فتحت عينيها على اتساعهما.
“أواه! إنه أنت حقًا. آش! متى عدت إلى العاصمة؟”
نساء العاصمة متحمسات جدًا. لا يبالين حتى بوجودي بجانبه الذي يبدو كرفيقة.
لا، حتى في غرينثيم، كانت هناك نساء يغازلن إدوين، لذا في النهاية الأمر نفسه.
على أي حال، بدت كنقطة بداية جيدة.
كانت المرأة كبيرة في السن بعض الشيء لكنها جميلة، والأهم من ذلك أنها تمتلك سلطة عالية.
المكان الذي كانت تقف فيه عربتها كان ممر الـ VVIP.
طريق يمكن الدخول منه بحرية دون تفتيش.
كان الخادم يفتح الباب الجانبي المغطى بالبلاتين بمجرد التحقق من اسم العائلة.
يبدو أن مبلغ التبرع الذي قدَّمته للمعبد كان ضخمًا.
أو أنها تمتلك سلطة قوية.
لكن المشكلة أنني لم أستطع معرفة هويتها الدقيقة.
( ؟؟؟ (الرقم التسلسلي 2136، أنثى، 41 عامًا) )
كانت معلومات مجهولة تطفو فوق رأسها.
“آش. يبدو أنها معجبة بك، هل نتعرف عليها وندخل إلى المعبد معها؟”
همستُ منخفضة وأنا أنظر إلى المرأة المقبلة نحونا.
“…كيف؟”
“افعل كما كان إدوين يفعل مع النساء.”
“آه…”
ابتسم آش لي بابتسامةٍ لطيفة.
“تقصدين أن أتودد دون تمييز بين المقدمة والمؤخرة.”
يتودد…؟
خرجت كلمةٌ لم أتوقع أن تخرج من شفتيه الحمراوين.
“نعم، صحيح.”
طالما فهمت، فهذا يكفي.
أثناء حديثنا، اقتربت المرأة ووقفت أمامنا.
سيدة أنيقة بلا تجاعيد رغم تقدمها في السن.
واضح أنها نبيلة رفيعة الشأن. إذا حالفنا الحظ، ربما نتمكن من مرافقتها.
رأيت رجلًا في منتصف العمر داخل العربة مما أثار قلقي بعض الشيء، لكن النبلاء يمارسون الخيانات الزوجية سرًا بينما يتظاهرون بعدم العلم بذلك.
بل إن أمثال أبي أو الكونت يوميفيان هم من الفئة النادرة. بل إن الكثيرين يهزأون ممن يلتزمون بالأخلاق والنزاهة واصفين إياهم بالمملين.
هذا كله إعداد من أجل اللاعب.
تسهيلات اللعبة للتعامل مع شخصيات القصة المتعددة كما يحلو للاعب.
في عالم فاسد كهذا، سأكون الخاسرة وحدي إذا عشتُ بطريقة منطقية.
“لقد مر وقت طويل. اشتقتُ إليك.”
مدت المرأة يدها ولطفت شعر آش برقة.
يبدو أنها تحب آش كثيرًا.
“نعم، سيدتي، لم أرَكِ منذ مدة.”
ابتسم آش بشرٍّ وكأنه يرد على ابتسامتها.
ثم أمسك بيدها وقبّلها بأدب.
“ما زلتِ جميلة كما كنت. لدرجة أنني أتمنى لو استطعت أن أتخذك زوجةً لي لو لم يكن لديك زوج. أشعر دائمًا بالأسف كلما رأيتكِ. ليتني وُلدت قبل عشر سنوات.”
امم. كان عبارة إغواء مقبولة رغم أنها محرجة بعض الشيء.
لكن في اللحظة التي نطق بها تلك الكلمات، تجمّد تعبير وجه السيدة بشكل ملحوظ.
يبدو أن هذا خطأ.
“لأنها سيدة في منتصف العمر، ربما تفضل الأدب. حاول أن تكون أكثر وقارًا.”
مالتُ بجسدي نحو آش وهمستُ له بسرعة.
لتفادي الجو المتوتر، أضاف آش كلامًا:
“لقد خرجتِ مع زوجك لحضور حفل التتويج. إنكما ثنائي متناغم.”
وجّه آش تحيته للرجل الواقف بجانب السيدة.
“أنا لست الزوج. أنا السكرتير المرافق للسيدة.”
صحح الرجل الخطأ بسرعة.
كلها محاولات فاشلة. بسبب الأخطاء المتتالية، تصلب جسم آش.
“اعذرني على الوقاحة.”
“آه، نعم… زلة لسان… يمكن أن يحدث أي شخص… لكن، إلى أين كنتما في طريقكما؟”
رفعت السيدة زاوية فمها وهي تنظر إلينا بتعبير وجه متجمد.
لكن الطرف الخارجي كان يرتجف.
“سمعنا أن حفل التتويج يقام اليوم فجئنا، لكننا نعاني لأننا تركنَا دعوة الحفل في القصر. سيدتي، أتجرؤ على أن أطلب منكِ أن ندخل معكِ إلى حفل التتويج؟”
“إذن لماذا لم تعد إلى القصر… أمن الصعب العودة إلى القصر؟”
“نعم. إنه بعيد جدًا من هنا.”
“…آه، حسنًا.”
كلما تحدث آش أكثر، ازدادت حيرة السيدة وتشوشت ملامحها.
التعليقات لهذا الفصل " 101"