“لم تقولي كلمة واحدة، وكل ما فعلته هو تجنّبي، لذلك تصرّفتُ بتلك الطريقة الجبانة. أنا أعتذر.”
فكّر ألبرتو فيما إذا كان يملك أصلًا الحق في الحديث عن الكرامة أمام الدوقة رابيانا.
هو نفسه كان غير ناضج، سمح لمشاعره الشخصية بأن تعمي حكمه، رغم أنه في موقع يتوجب عليه فيه قيادة أسرة نبيلة.
كان يكره هذا الجانب منه.
أمام رابيانا، كان يشعر وكأنه يفقد نفسه.
“آه…”
أطلقت رابيانا تنهيدة قصيرة.
أول شعور غمرها كان الارتياح.
لا تعرف لماذا، لكن كلمات ألبرتو لم تبدُ كذبة.
ربما لأنه تحدث بصوت متعجّل.
ثم جاء الحزن.
حزن شديد لدرجة أن دموعها بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى.
تألّمت، وامتلأت بالمرارة.
لم تدرك أنها تبكي إلا عندما سقطت دمعة على الأرض بصوت خافت.
“آه… آسفة.”
أدارت رأسها كي لا يرى ألبرتو وجهها.
وقف أمامها، ورفع يده ليلامس خدها برفق.
وبإبهامه، مسح دموعها ببطء.
لم تعرف لماذا، لكن يده كانت دافئة جدًا.
وهذا لم يكن عدلًا.
فهو لن يحبها — سيستخدمها فقط.
فلماذا يكون لطيفًا هكذا؟
حتى بعد كل الإهانات التي مرّغها بها، عندما يمنحها ذرة واحدة من الحنان… تنهار تمامًا.
رغم أنها تعرف مسبقًا أنها لا تستطيع الهروب.
ورغم أنها لم تكن تنوي الهرب أصلًا.
بالنسبة لها، كان ألبرتو رجلًا قاسيًا — أقسى من أي شخص عرفته.
“ليس لدي معدة قوية،” قال وهو يمسح دموعها.
“لا أحتمل أن يعود أحد وهو تفوح منه رائحة شخص آخر… هذا يثير اشمئزازي.”
“……”
“لو كانت رائحتك فعلًا مقززة بالنسبة لي، هل تظنين أنني كنت سأشاركك سريري؟”
مسح ألبرتو جفني رابيانا برفق.
دموعها، التي لم تتوقف، كانت اعترافًا صامتًا بكل ما عانت منه.
شعور ثقيل من الذنب ضغط على صدره، وجعله يخرج نفسًا بطيئًا.
شعرت رابيانا بدافع مفاجئ.
مدّت يدها، وبحثت بارتباك حتى أمسكت بطوق ثياب ألبرتو.
وجذبته قليلاً.
ثم ارتفعت على أطراف أصابعها لتطبع شفتيها على شفتيه.
كانت تلك المرة الأولى.
ليس قبلة من ألبرتو — بل من رابيانا.
مبادرتها هي.
كان قلبها يخفق بقوة تكاد تفجّر صدرها.
تجمّد ألبرتو، واقفًا بلا حركة.
لم يغلق عينيه حتى، فقط أنزل نظره إليها.
ارتجاف رموشه، التجعيد الخفيف بين حاجبيه، توتر أنفاسه — كله كان مشدودًا بالارتباك.
ومع ذلك، وهي ترى كل ذلك، شعرت رابيانا برضى غريب يغمر صدرها.
وعندما بدأت بالابتعاد، بعد قبلة بالكاد طُبعت، أمسك ألبرتو بمؤخرة عنقها — وعمّق القبلة.
✦✦✦
“كيف تعمل رائحة الكيس العطري؟”
راقب لورانس وجه رابيانا.
بالأمس فقط كانت تبدو على وشك البكاء، لكن الآن بدت أكثر هدوءًا.
ربما رائحة الكيس العطري حسّنت مزاجها — لكنه مع ذلك قرر أن يسأل.
“لم أجرّبه حقًا بعد. لكن رائحته جميلة. سأحتفظ به جيدًا.”
“حسنًا. طالما أنه أعجبك، فهذا يكفيني.”
ارتشفت رابيانا القهوة.
حتى ضوء الشمس كان لطيفًا عليها اليوم.
جاءت لمقابلة لورانس بقلب خفيف.
وعندما فكّرت بالأمر، أدركت أنها كانت — دون وعي — متحفظة قليلًا أمام ألبرتو.
بالأمس، أخبرته بكل شيء.
أن لورانس جاء إلى الشمال.
وأنه تواصل معها، وطلب رؤيتها.
وعندما سأل ألبرتو لماذا لم تخبره—قالت إنها لم ترغب في إزعاجه—ولذلك تلقّت ضربة خفيفة على جبينها.
“لا أستطيع حتى أن أقول كلمة واحدة لسيدتي؟”
“…مؤلم.”
“ينبغي أن يؤلم قليلًا.”
بعدها صمت ألبرتو، غارقًا في التفكير للحظة.
ثم بعد توقف قصير، أجاب بجملة خفيفة:
“ادعيه إلى القصر.”
“لورانس؟”
وافقت رابيانا على الاقتراح.
كانت تفكر بالفعل أن الوقت قد حان لإخبار ألبرتو وإحضار لورانس إلى الداخل.
لا يمكنهما الاستمرار في اللقاءات الخارجية للأبد.
كانت مقبولة الآن، لكن لو استمرّا في اللقاء علنًا، فسيبدأ الناس نسج شائعات غريبة.
ألبرتو استطاع رؤية هذا الخطر فورًا.
لكن سبب دعوته للورانس لم يكن مجرد تجنب الشائعات.
كان يريد أن يرى بنفسه — رأي العين — ما الذي يخطط له لورانس حقًا.
وبالطبع، لم تكن رابيانا تعرف أي شيء من هذا.
“لورانس، لدي شيء لأخبرك به.”
“شيء لتخبريني به؟”
خفق قلب لورانس قليلًا.
كان متأكدًا أن هذا هو — اللحظة التي انتظرها مرارًا وتكرارًا.
تخيّل رابيانا ترتمي في حضنه، وتقول إنها لم تعد تستطيع كبت مشاعرها.
هذه الفكرة وحدها جعلت صدره يتمدد بنشوة.
فتحت رابيانا شفتيها الحمراء.
وجاء صوتها صافياً، هادئًا.
“من الآن فصاعدًا… ما رأيك أن نلتقي في قصر روين بدلًا من هنا؟”
“…ماذا؟”
انكسر صوته من الصدمة.
لم يستطع استيعاب ما سمعه.
وقبل أن يستجمع نفسه، سأل مجددًا.
أُربكت رابيانا بنبرته الحادة، فانكمشت كتفاها.
أخذ لورانس رشفة من الشاي بسرعة، محاولًا تهدئة صوته.
لم يكن يحتمل خسارة الصورة التي بنى عليها علاقته — ليس بسبب لحظة واحدة.
“ماذا قلتِ، رابيانا؟ لم أسمع جيدًا.”
حاولت رابيانا تجاهل الشعور الغريب الذي راودها.
لورانس لا يغضب عادة. لابد أنني أتخيّل…
“أريد أن أدعوك إلى قصرنا.”
هاه.
لم يستطع لورانس منع زفرة ساخرة من الإفلات.
“قصرنا؟”
الكلمة لوّت أحشاءه.
قصر نا؟ نا؟
الشخص الذي يُفترض أن يكون مربوطًا بها بكلمة نا لم يكن ذلك الحقير ألبرتو روين — بل لورانس كارتر.
لقد فعل الكثير للوصول إلى تلك المرحلة.
والآن، كل جهوده بدت كأنها تُجرف بعيدًا، ولم يستطع لورانس أن يبقى هادئًا.
“لورانس؟”
“……”
“ما الأمر؟”
شعرت رابيانا بشيء غريب مجددًا.
هل قلت شيئًا خاطئًا؟
“أنا مجروح، رابيانا.”
خرجت كلماته ببطء، محمّلة بزفرة.
“أشعر أننا أصبحنا بعيدين.”
“……”
“ألم نعد نحن بعد الآن؟”
تجمدت رابيانا، مرتبكة.
فهي، في النهاية، زوجة ألبرتو رسميًا — وتعيش في قصره.
وربما لهذا بدا من الطبيعي أن تقول قصرنا: قصرها وقصر ألبرتو.
لكن ما لم تدركه إلا الآن هو:
أن حياتها لم تعد تدور حول لورانس وحده.
لقد أصبحت أوسع، أعمق، أكثر حيوية ممّا كانت.
شعرت بالأسف.
كان لورانس لا يزال مرتبطًا بها برباط الذنب والواجب الذي لم تعد تشعر به —
بينما هي مضت لتعيش حياة جديدة تمامًا.
“……ليس هذا ما قصدته. أنت تعرف ذلك.”
“هل أعرف حقًا؟”
“نعم.”
كان جوابها فوريًا.
لم يكن كذبة.
لورانس لا يزال مهمًا بالنسبة لها.
ولهذا السبب كانت تأتي لرؤيته كل يوم.
“أنت عائلتي يا لورانس.”
“……”
“وإذا كان الأمر لا يزعجك… أرغب في أن نستمر برؤية بعضنا. لن يكون الأمر سهلًا بما أننا نعيش بعيدين، لكن أتمنى أن نطمئن على بعضنا بين حين وآخر. وأن نلتقي هكذا أحيانًا.”
كلما واصلت رابيانا الحديث، ازداد الشرخ في ابتسامة لورانس.
وتحوّل تعبيره إلى شيء لم تره يومًا—شيء مخيف.
لكن رابيانا لم تلاحظ ذلك. لقد حبس لورانس أنفاسه حتى لا تشعر بأي شيء.
“أتحبين ذلك القصر؟”
“…ماذا؟”
“فقط… يدهشني كم أنتِ بخير بدوني.”
“آه…”
حكّت رابيانا عنقها بارتباك.
كانت تشعر بعدم الارتياح أمام لورانس.
كانت تستمتع بوجوده سابقًا، أما الآن—حتى الجلوس وجهًا لوجه صار ثقيلًا وصعبًا.
“ليس هذا—”
“أنت تكذبين، أليس كذلك؟”
قاطعها صوته الحاد، القاطع.
“أنت دائمًا تعبثين بيديك عندما تكذبين.”
ارتجفت رابيانا من الصدمة.
لم تدرك حتى أنها كانت تعبث بأظافرها.
نعم… هذا هو. هذا ما أصبح مزعجًا.
قضيا عشر سنوات معًا، ولورانس يعرف حتى العادات التي لم تكن تعرفها عن نفسها.
ما كان يمنحها شعورًا بالطمأنينة… أصبح الآن عبئًا ثقيلًا.
“لماذا تكذبين؟ أنتِ تجعلين الأمر يؤلمني أكثر.”
“ليس الأمر كذلك… فقط— أشعر بالذنب… تجاهك.”
“ولمَ تشعرين بالذنب؟”
أخفضت رابيانا رأسها كالمذنبة.
كان قلبها مثقلًا.
لم تتوقع أن تتغير حياتها كثيرًا بعد الزواج.
“فقط…”
لم تستطع إكمال كلامها.
كان هناك الكثير مما تشعر بالذنب حياله تجاه لورانس.
في ذلك الوقت، عندما وقع الحادث، كانا كلاهما صغيرين جدًا.
خائفتين، تشبثت رابيانا بلورانس—الذي كان في عمرها وضائعًا مثلها.
ومع مرور الوقت، كانت تخشى أن يتركها هو الآخر.
كانت تريد منه البقاء بجانبها عندما تهاوى كل شيء من حولها.
فكانت تئن، وتتشبث، وتتوسل.
والنتيجة؟
لورانس خسر كل العلاقات الأخرى التي كانت لديه.
لم يبقَ له سوى الفراغ.
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعله، حتى بعد أن ودّعها إلى زواجها، يبقى في الشمال لأيام طويلة.
التعليقات لهذا الفصل " 47"