لم تَعُد تدري كيف يمضي الوقت، ولا هل ما زالت تتنفّس، ولا حتى إن كانت حيّةً أصلًا.
في وعيٍ طافٍ كالعالق بين النوم واليقظة، جلست ييرينا وقد أسندت وجهها إلى ركبتيها، بملامح شاردة خاوية.
كان الوجه الشاحب الذي يُرى مائلًا يفيض فراغًا.
وحين تُسحَب ستائرُ السرير، وينهمر الضوء، ويتراجع ذلك الشبرُ الضئيل من الظلّ الذي كان يستر جسدها الصغير، بدت كأنّها ستتلاشى في أيّة لحظة.
كان هناك من يمرّ قربها مرارًا، وأحيانًا تمتدّ يدٌ نحوها.
لكنّ ييرينا لم تُبدِ أيّ استجابة.
بل لعلّ الأدقّ أنّها لم تَعُد قادرةً على ذلك.
إذ لم تشعر بأيّ مُثيرٍ أو إحساس.
كانت فقط تجلس ساكنة، تضرب جدارًا غير مرئيّ، وتُحبَس وحدها في جحيم ذلك اليوم.
‘أبي! أمّي!’
كان ذلك اليوم يتكرّر بلا انقطاع، وبفظاعةٍ لا تُحتمل، حتى إنّ ييرينا لم تُبدِ ردّة فعلٍ قويّة حين فقدت بصرها، ولم تتألّم كثيرًا لأجله.
فكلّما أُعيدَ مشهدُ سقوط الأب ثمّ الأمّ أمام عينيها، انهار عقلها، وتفكّك، ثمّ انتهى شبيهًا برملٍ يتناثر مع الريح.
ومع ذلك، وعلى الرغم من شعورها بتفتّت ذاتها، لم يكن أمامها سوى البقاء في الجحيم.
فحين تستيقظ، لا يبقى لها حتّى هذا.
نظرةُ القلق في عيني أبيها وهو يحميها خلف العرش حتى اللحظة الأخيرة، وصوتُ أمّها وهي تكلّمها إلى آخر نفس، لم تكن تراها ولا تسمعها إلّا هناك، في ذلك الجحيم.
وهكذا، وهي تمكث في الجحيم، كانت ييرينا تُنهَش مرارًا بتلك المشاهد المروّعة.
كلّ الذكريات الحيّة في رأسها كانت تُعذّبها في كلّ ثانية.
‘ييرينا… أنا… أنا… صغيرتي.
أنتِ… أنتِ وحدكِ يجب أن تعيشي.
يجب أن تبقي حيّة… مهما كان….’
ومن بين الذكريات كلّها، كانت وصيّة الأمّ الأخيرة هي الأشدّ ألمًا.
أن تعيش.
بعد أن فقدت أمّها وأباها، وإخوتها جميعًا، كيف لها أن تعيش وحدها؟
في الحقيقة، لو كان بوسعها، لكانت ييرينا قد لحقت بعائلتها منذ زمن.
لكن منذ أن أفاقت، لم يكن في وسعها أن تفعل شيئًا بنفسها.
عيناها العاجزتان عن الإبصار لم تستطيعا العثور على أداةٍ واحدة تطعن بها نفسها،
وذراعاها المقيّدتان جعلتا حتى التحسّس بحثًا عن النافذة أمرًا مستحيلًا.
أكان ذلك لأنّ الدموع نفدت؟
انفلتت منها ضحكاتٌ واهنة.
وحين أطلقت ييرينا ضحكًا متقطّعًا كهواءٍ يفرّ من شيءٍ مثقوب، تصلّبت وجوه النساء اللواتي كنّ إلى جانبها.
فقد كنّ جميعًا يُفكّرن في الشيء ذاته.
‘لقد جُنّت الأميرة.’
كانت النساء اللواتي يعتنين بييرينا جميعهنّ من نساء الإمبراطوريّة اللواتي جاء بهنّ الجيش الإمبراطوري.
ومنذ أن فتحت ييرينا عينيها، أُبعِدت مرضعتها وخادماتها القديمات خوفًا من أن يُلبّين رغبة سيّدتهنّ ويُحضِرن لها سمًّا.
كانت نساء الإمبراطوريّة في معظمهنّ ممّن تبعن ساحات الحرب القاسية طلبًا للمال، لذا كنّ أصلب نفسًا وأبرد قلبًا من غيرهنّ.
ومع ذلك، فإنّ مجرّد النظر إلى حال الأميرة كان يوقظ الشفقة في القلوب.
“عليكِ أن تشربي قليلًا من الماء على الأقلّ…….”
لم تحتمل إحدى النساء رؤية شفتي ييرينا اليابستين، فجلبت لها ماءً.
لكن ما إن شعرت ييرينا بدخول أحدٍ إلى حيّزها، حتى ثارت بعنف.
طَقّ.
“آه!”
صفعت ييرينا اليدَ الممدودة.
وتحطّم الكأس مصحوبًا بصوت رنّة حادّة.
وفي اللحظة نفسها، خدش أحدُ الشظايا ظهرَ يد المرأة الواقفة، فسال الدم.
كما خُدِشت المرأة التي كانت تُقدّم الكأس بخدشٍ طويل من أظافر ييرينا.
رأت النساء الدم، فأمسكن أيديهنّ بوجوهٍ باكية.
ومع ذلك، لم تغضب أيٌّ منهنّ.
بل إنّهنّ رأين في هذا التفاعل، مقارنةً بخمولها السابق، أمرًا يُبعث على الارتياح.
وبينما تبادلت النساء النظرات وتنهدن وبدأن بتنظيف الشظايا،
دخل فجأة فارسٌ إلى الغرفة، وقد بدا أنّه سمع الضجيج من الخارج.
كان الفارس، ذو الشعر الأشقر الداكن المترف، رجلًا، لكنّه بدا جميلًا كزهرة.
قامته ممشوقة، وبنيته قويّة كما يليق بفارس، إلّا أنّ الانطباع الأوّل كان جمالًا أنثويًّا طاغيًا.
غير أنّ عينيه الزمرديّتين المائلتين قليلًا إلى الأعلى كانتا باردتين كالجليد،
ووجهه، وهو يتنقّل بنظره بين الكأس المكسور، والنساء الجريحات، ثمّ الأميرة، كان متجهّمًا قاسيًا.
“نُعاملك بلطف، فتتصرفين بوقاحة، يا صاحبة السموّ.
هل تعلمين ما هو وضعكِ الآن؟”
كانت الكلمات الخارجة من شفتيه الحمراوين حادّة كالنصل.
وحين حاولت إحدى النساء إيقافه، لم يُبدِ أيّ اكتراث.
“السير فريدريك!”
لم يرمش فريدريك بعينه.
تقدّم بخطواتٍ واسعة، وتوقّف أمام ييرينا، ثمّ عقد ذراعيه متكئًا على ساقٍ واحدة.
“سمعتُ أنّكِ لا تتناولين الطعام جيّدًا.
لكن مهما يكن، فأنتِ لا تستطيعين الموت، أليس كذلك؟
إذًا كُفّي عن إزعاج الآخرين، وافعلي ما يُؤمَر به.
منظر العناد الفارغ قبيح.”
ورغم أنّها لم تكن ترى، فإنّ ييرينا استطاعت أن تشعر بوجود فريدريك قرب السرير.
رفعت وجهها قليلًا عن ركبتيها، كاشفةً عن تمرّدها.
لكن عينيها الخاليتين من التركيز أضعفتا هيبتها.
ضحك فريدريك بصوتٍ مسموع.
ولأنّها لا ترى، كانت الأصوات تبلغها أشدّ حدّة.
اشتعل الغضب في رأسها، فعضّت شفتها السفلى بقوّة.
كانت الشفاه اليابسة سهلة التمزّق، فسال الدم.
ما إن رأى فريدريك قطرة الدم تنحدر، حتى تغيّر وجهه فجأة.
ارتعشت حاجباه، وهمس بصوتٍ منخفضٍ مثقل:
“……مثيرٌ للشفقة.
لا عجب أنّ أهل سيداس ضعفاء هكذا، ما دامت أميراتهم على هذه الحال.”
وحين خرج ازدراءُ شعب المملكة من فم العدوّ الذي دمّر البلاد وقتل والديها،
طغى الغضب على اليأس.
شدّت ييرينا قبضتها حتى انغرست أظافرها في راحة يدها.
“اخرس.”
“ولِمَ؟
أقلتُ شيئًا خاطئًا؟
هذا هو الواقع.
قومٌ عاجزون لم يقدروا حتى على حماية وطنهم.”
كان فريدريك قد رأى بوضوح وجوه نبلاء سيداس حين نُصّب الملك الجديد.
أغلبهم كانوا مطأطئي الرؤوس بلا حيلة،
وبعضهم شدّ قبضته وكاد يندفع، لكن توسّلات الآباء أفرغتهم من القوّة،
فوقفوا كالجثث.
وكان المشهد في نظره مثيرًا للسخرية والاشمئزاز.
“لو كان لهم أدنى وفاء، لانتحروا بعد موت سيّدهم،
لا أن يقفوا يبكون كالأطفال.
تفو.”
“قلتُ لك أغلِق ذلك الفم القذر!”
طَنَق.
تحرّكت ييرينا كما لو أنّها ستنقضّ على مصدر الصوت،
لكن السلسلة المربوطة بالسرير قيّدت حركتها.
طَنَق. طَنَق.
مع علمها باستحالة كسر القيود، ظلّت تهزّ ذراعيها بعنف.
وكأنّ كلّ المشاعر المتراكمة انفجرت دفعةً واحدة،
فتصرّفت كحيوانٍ جريحٍ عالقٍ في فخّ.
غير أنّ اندفاعها بكلّ قوّتها لم يكن في نظر فريدريك سوى رفرفة جناح طائرٍ صغير.
اقترب منها، وأدخل وجهه المنحوت قربها ساخرًا:
“أوه؟
على غير ما يبدو، لديكِ بعض الصلابة.
ظننتكِ فاقدة العقل، فإذا بكِ واعية تمامًا، أليس كذلك؟”
“فريدريك، كفى.”
وفيما كانت ييرينا تصرّ على أسنانها، شعرَت بيدٍ تمسك كتف فريدريك بقوّة.
كان فارسٌ آخر قد دخل الغرفة.
“هايدِن؟”
التفت فريدريك متأفّفًا، وما إن رأى مَن أوقفه حتى تراجع.
هايدِن غيلتا، ذو الشعر الفضيّ الطويل والعينين الرماديّتين المزرقّتين،
كان صديق فريدريك، وأحد القلّة القادرين على ردعه.
“أمرُ صاحبِ السموّ هو مراقبة الأميرة، لا استفزازها.”
“همف.
وهل تُستفَزّ بمجرّد كلمات؟”
تراجع، لكن لسانه لم يهدأ.
تفحّص ييرينا التي كانت تلهث، ثمّ قال وكأنّه يحدّث نفسه بصوتٍ مسموع:
“لا بدّ أنّها لا تفكّر بما يعانيه من هم دونها.
هكذا هم من نشؤوا كأزهارٍ في الدفيئات…….”
“كفى.
توقّف عند هذا الحدّ، فريدريك.”
وبّخه هايدِن، ثمّ أشار للنساء أن يخرجن.
فسارعن إلى المغادرة تحت وطأة الجوّ المشحون.
راقب فريدريك خروجهنّ، ثمّ نظر إلى صديقه الذي كان قد اقترب من الأميرة يتفحّصها،
فارتسم على وجهه تعبيرٌ غريب.
“هايدِن، لستَ كعادتك.
أترى أنّك مهتمٌّ بالأميرة أيضًا؟
صاحبُ السموّ، ونوكس، والآن أنت.
حقًّا، هذه المرأةٌ ستُهلِك البلاد.”
“……كُفّ عن الاستفزاز، واستخدِم ألقاب الاحترام مع الأميرة.
المنظر غير لائق.”
“أميرة؟
بل أسيرة مُغلّفة بلقب، وعبدة سرير لا أكثر.
وبالمناسبة، كنتَ أنت أيضًا فظًّا جدًّا مع ملك سيداس الجديد هذا الصباح.”
“فريدريك!”
عند التذكير بما جرى في مراسم تنصيب الملك، رفع هايدِن صوته،
ونظر دون وعي إلى ييرينا.
لكن لم يكن ذلك همسًا، وكان مستحيلًا ألّا تسمعه.
كانت ييرينا ترتجف من الغضب،
وحين بلغها هذا الخبر الجديد، سألت بصوتٍ متردّد:
“……ملك سيداس الجديد؟”
“طبعًا لا تعرفين.
تسدّين أذنيكِ وتفقدين وعيكِ.
يا صاحبة السموّ،
صباح اليوم نُصّب أخوكِ غير الشقيق ملكًا جديدًا على سيداس.
التعليقات لهذا الفصل " 5"