“آه، على أيّة حال، يبدو أنّني بعد ذلك صرتُ أجتهد قليلًا في العيش مغمضةَ العينين، مع أنّه لم يكن أكثر من تحمّل يومٍ أو يومين في سنٍّ صغيرة…… لكن عندما فقدتُ بصري فعلًا، تبيّن أنّ ذلك التدريب القليل قد نفعني، فعلى الأقلّ أستطيع أن أغرف الحساء دون عناء.”
“…….”
“ومنذ ذلك الحين، أظنّ أنّني كنتُ أتهيّأ لا شعوريًّا لإمكانيّة أن أفقد بصري يومًا ما، يقولون إنّ من يُصاب بالعمى فجأة يختنق ضيقًا إلى حدّ الرغبة في الموت فورًا، لكنّني لم أشعر بذلك القدر من العذاب.”
“…….”
“طبعًا، قد يكون السبب أنّ ثمّة ما كان أشدّ إيلامًا فلم يكن لديّ متّسع للتفكير في أمرٍ كهذا…… آه!”
كان قلب ييرينا يخفق بقوّةٍ تكاد تُسمَع، وبينما كانت تتحدّث بسرعةٍ، باغتتها أفكار عائلتها فاختنق صوتها وفقدت تركيزها مرّةً أخرى وترنّحت، فسارع الرجل كعادته وأمسك بها مانعًا سقوطها.
“أنا آسفة، لا يبدو أنّني أتحسّن أبدًا، مرّ أكثر من أربعة أيّام، وأشعر أنّني أضيّع وقتك سُدًى.”
تمتمت ييرينا بصوتٍ واهن وقد فقدت ثقتها بعد خطأين متتاليين في وقتٍ قصير، فنظر إليها الرجل قليلًا ثم لاحظ ضوء الشمس المنعكس على وجهها الشاحب وفتح فمه قائلًا.
“ألا تشعرين به؟”
تساءلت ييرينا بوجهٍ مستغرب، تشعر بماذا؟
وحين انتبهت، أدركت أنّ جسدها دافئ، بل يكاد يكون حارًّا، عندها فقط لاحظت الرجل الملتصق بها، إذ كان قد اقترب خطوةً إضافيّة ليمنع سقوطها، ولا يزال يمسك خصرها دون أن يُبعد يده.
شعرت ييرينا بأنّ وجهها ازداد احمرارًا، وبشقّ الأنفس فتحت فمها لتطلب منه أن يبتعد قليلًا، لكنّه سبقها بالكلام.
“ستشعرين بأنّ الربيع أقرب هذا العام.”
ومع كلماته اللطيفة، مرّت نسمةٌ دافئة بمحاذاة أذن ييرينا، نسمة ربيعيّة خفيفة يليق بها وصف التمايل.
أدارت ييرينا رأسها وهي تفكّر في مصدر الريح، ثم توقّفت فجأة عندما اشتدّ العطر، رائحة منعشة تنبض بالحياة الخضراء، تتخلّلها هنا وهناك أنفاس الزهور، إنّه عبير ربيعٍ مكتمل.
قال الرجل وهو يراقب فم ييرينا المنفرج قليلًا.
“لقد شارفنا على الوصول، لم يتبقَّ سوى ثماني درجات.”
“حقًّا؟”
سألت ييرينا بدهشة، فقد كان هذا السلّم ممّا عجزت عن النزول منه كاملًا طوال الأيّام الأربعة الماضية رغم تدريبه.
“نعم، أأبدو لكِ ممّن ينطق بالكذب؟”
“لا، أبدًا!”
هزّت ييرينا رأسها على عجل وقد ارتسمت على وجهها ملامح غامرة، كان أمرًا تافهًا قد يثير سخرية غيرها، لكنّها شعرت بالفخر لأنّها تجاوزت سلّمًا ظنّت أنّها لن تنزلَه أبدًا.
“جرّبي أن تنزلي وحدكِ الآن.”
قال الرجل متراجعًا خطوةً إلى الخلف، فتردّدت ييرينا وبدت عليها الرهبة، ثم ما لبثت أن خطت بحذر، فلامست قدمها الدرجة التي تحتها مباشرة، وحينها لم يبقَ أمامها أيّ درج.
“أحسنتِ.”
قال الرجل الذي كان يتبعها من الخلف مصفّقًا بخفّة، وهمست ييرينا بصوتٍ خافت وملامحها مذهولة.
“شكرًا لك، الفضل لكَ لأنّك علّمتني جيّدًا.”
على الرغم من انتهائها من النزول، ظلّ خفقان قلبها مستمرًّا، وأدركت أنّ النزول لا بدّ أنّه استغرق ساعاتٍ طويلة، ومع ذلك بدا لها الزمن قصيرًا على غير العادة.
“هل تودّين الخروج إلى الخارج؟”
سألها الرجل، فهزّت رأسها نفيًا، كانت متعبة، وهو كذلك بعد ساعاتٍ من المساعدة، ثم إنّهما سيعودان غدًا أيضًا، فلم تكن مستعجلة.
استدارت ييرينا نحو السلّم، لا تزال لا ترى درجاته، لكنّه لم يعد مخيفًا، كانت تظنّه بلا نهاية ولن تخرج من هذا البرج أبدًا بإرادتها، وحين خطت خطوةً بابتسامةٍ هادئة، تبعها الرجل فورًا.
“بما أنّكِ تمرّنتِ كثيرًا في النزول، فما رأيكِ أن تصعدي براحةٍ أكبر؟”
كان كيان يتحدّث إلى ييرينا حين سُمع من الخلف صوت ارتطامٍ خافت، ثم صرير بابٍ خشبيّ يُفتح.
اندفعت أشعّة الربيع من الباب المفتوح، فرسمت ظلًّا طويلًا داخل البرج، فتوقّفت ييرينا الحسّاسة للأصوات عن الصعود واستدارت طبيعيًّا، ثم ناداها صوتٌ صار مألوفًا.
“السيّدة ييرينا؟”
“جين! متى جئتِ؟”
ابتسمت ييرينا بفرحٍ عارم، أمّا جين فكانت على وشك أن تبادلها البهجة، لكنّها ما إن لمحت الرجل المختبئ في الظلّ حتّى تجمّدت.
“جين؟”
اقتربت ييرينا منها، فتعثّرت بالأرض غير المستوية وكادت تسقط، حاول الرجل الإمساك بها، لكنّها استعادت توازنها بنفسها وضحكت بخجل.
“سيّدتي، انتبهي.”
قالت جين بقلق وهي تسرع نحوها، فكان مشهد إمساكها بكتف ييرينا طبيعيًّا، وكذلك سماح ييرينا بذلك، غير أنّ جين شعرت فجأة بقشعريرةٍ باردة تسري في مؤخرة عنقها.
“جين، ألم تقولي إنّكِ ستأتين بعد يومين؟”
سألت ييرينا دون أن تلاحظ حبس أنفاس جين، رفعت جين رأسها والتقت بعيني الرجل، فأجابت بسرعة بإيماءةٍ منه.
“انتهت أمور البيت باكرًا……
لكن ما الذي أخرجكِ إلى هنا؟”
“آه…… كنت أتدرّب على صعود السلّم ونزوله، وقد ساعدني الفارس كيان كثيرًا في الأيّام الماضية.”
أجابت ييرينا بخجل، فعضّت جين شفتها لا شعوريًّا عند رؤية احمرار وجه الأميرة، ثم خفضت رأسها بعد أن التقت عيناها بعيني الرجل.
“كنّا على وشك الصعود، وصادفتُكِ في الوقت المناسب.”
كانت ييرينا تلاطف جين أكثر من المعتاد لفرحتها بلقائها بعد أيّام، وكلّما ابتعد تركيزها عنها واتّجه إلى خادمتها، ازداد وجه الرجل الذي كان لينًا برودًا وقسوة.
“حسنًا، سأرافقكِ أنا في الصعود.”
قالت جين أخيرًا وقد نفد صبرها، فسارت ييرينا معها مطيعة، ثم التفتت ونادت الرجل.
“سيدي.”
لم يكن النداء سوى دعوةٍ قصيرة للمرافقة، لكن حين انحنت عينا الأميرة العمياء وانفرجت شفتاها الحمراوان قليلًا، بدّد الرجل ملامحه الجامدة وتبعها، كما لو كان كلبًا يتبع سيّده.
—
ازداد القصر المركزيّ بهاءً مع حلول الربيع، فستائر النوافذ الحمراء طال تطريزها الذهبيّ، وتدلّت منها أحجارٌ كريمة، بل إنّ الحدائق والداخل وحتى المباني الصغيرة والتماثيل استُبدلت كلّها بزينةٍ فاخرة تليق بالربيع.
“مولاي، من هنا.”
كان روشان في هذا البذخ مظهرًا نشازًا، بثوبه الداكن البسيط الذي لم يكن رخيصًا، لكنّه خلا من الزينة، ومع ذلك فإنّ هيبته الفطريّة طغت على المكان، فخفض الخدم رؤوسهم رهبةً وهم يرمقونه خلسة.
“مولاي، الرجاء الانتظار قليلًا.”
وصل روشان إلى وجهته، فانطلق الخادم مسرعًا نحو بابٍ ضخم، لكنّ خادمًا آخر هزّ رأسه بوجهٍ متردّد.
“جلالة الأمير، إنّ الأمر…….”
عاد الخادم بوجهٍ شاحب وعرقٍ بارد وهو ينحني مرارًا، فحدّق فيه روشان بامتعاض ثم قال.
“إن كان جلالة الإمبراطور مشغولًا، سأنتظر هنا.”
“نعم، نعم، نعتذر.”
حاول الخادم التخفيف عنه، لكنّه ظلّ مضطربًا، أمّا روشان فأعرض عنه تمامًا، فهذا أمرٌ يتكرّر كثيرًا، إذ اعتاد أخوه غير الشقيق أن يُبقيه منتظرًا، بل إنّ الإمبراطور أزال الأرائك كي لا يجلس أحد، فكان الوزراء الكبار يتألّمون وهم واقفون.
غير أنّ الوقوف لم يكن شاقًّا على روشان، لذا لم يُبدِ ضيقًا حتّى الآن، لكنّ شيئًا ما اليوم أزعجه.
نظر إلى الساعة، وبعد ساعةٍ وعشر دقائق ستكون الثانية، لم يكن الجوع ما يقلقه، بل خشية أن يُبقيه الإمبراطور واقفًا بعد ذلك.
‘……لِمَ لا أرحل ببساطة؟’
قرّر وهو يراقب عقرب الدقائق، فأخوه لم يكن مخيفًا، وإن ثار فذلك إزعاجٌ لا أكثر.
وبينما هدأ باله، تذكّر خصلاتٍ تشبه شمس الربيع كان يرسمها وحيدًا في أوقات فراغه، حين دوّى فجأة صوت تحطّم من الداخل، تبعه صوت الإمبراطور الغاضب يخترق أذنه.
التعليقات لهذا الفصل " 38"