كان مُروِّعًا.
“أه، أُمِّي، لا أُريد، لا أُريد، أنا أيضًا…….”
كان المكان الذي بدا حقيقيًّا يُظلِم في لحظة، وتختفي الناس والخلفيّة معًا.
لكنّ الأُمَّ في حضنها ظلّت كما هي.
كانت ييرينا، في ذلك الفضاء المُعتم، تعانق أُمًّا لحقت بالأب، وتصرخ.
قالت الملكة، وهي بين ذراعيها، تبصق دمًا:
‘يِي، ييرينا…… أنا. أَنا…… صغيرتي. أنتِ…… أنتِ وحدكِ يجب أن تعيشي. لا بُدَّ أن تبقي حيّة…….’
كانت الأُمُّ القاسية تعصر صوتًا لا يخرج، وتُلحّ عليها أن تعيش مهما كلّف الأمر.
هزّت ييرينا رأسها كما في ذلك اليوم، وصرخت رافضة.
توسّلت ألّا يتركوها وحدها.
لكنّ دفءَ الأُمِّ بدأ يَخبو شيئًا فشيئًا، ثمّ تلاشى جسدها تدريجيًّا، حتّى اختفى في النهاية.
‘أبي! أُمِّي! أخي أَلِآن! أخي أَنْطونيو!’
تفجّرت من فم الأميرة توسّلاتٌ مُلحّة لا تُحصى.
نادَت أُمَّها التي اختفت وخلّفتها، ووالدها، وإخوتها.
لكنّ الذين مضَوا إلى عالم هادِس لم يعودوا قادرين على الإجابة.
“لا تتركوني وحدي!”
صرخت ييرينا، محاولةً الإفلات من ذلك الفضاء الخالي من أيّ صدى، وفتحت عينيها.
رفرفت رموشها الذهبيّة، بلون شعرها، وهي تدفع الدموع.
“آه…….”
لكنّ الظلام استمرّ.
فضاء أسود لا يتغيّر.
رمشت ييرينا بعفويّة، غير أنّ عينيها الزرقاوين لم تُبصرا شيئًا.
‘ستفقدين بصركِ أنتِ أيضًا. لن تري شيئًا.’
دوّى من مكانٍ ما ضحكٌ مُقزِّز، ثمّ همس صوتٌ هزليّ في أذن الأميرة.
ومع الرعب الذي اندفع فجأة، اجتاحتها حقيقة الأمس الجحيميّة، التي يستحيل تقبّلها، كموجةٍ عاتية رفعتها ثمّ طرحتها أرضًا.
طَرق.
اهتزّ القيد في معصمها بصوت احتكاك الحديد، حين رفعت جذعها فجأة.
وهي عاجزة عن النهوض تمامًا، أطلقت الأميرة صرخةً حادّة.
“آآه!”
—
“هناك! أحضروا مزيدًا من الخمر!”
“ألم يَرَ الجميع كيف قطعتُ عنق ذاك الوغد يومها؟”
تردّدت الأصوات الصاخبة من بعيد.
كان روشان يمرّ في أحد أروقة الطابق الأوّل من القصر، المطلّ بوضوح على الحديقة، فنظر إلى الخارج.
الحديقة، المزروعة بكثافةٍ من الزهور، تضرّرت كثيرًا تحت أقدام جنود الإمبراطوريّة، لكنّ بعض جمالها ظلّ قائمًا.
غيّر روشان مساره ودخل الحديقة.
كانت المملكة الواقعة في شمال القارّة الشرقيّ أكثر اعتدالًا في الطقس، على خلاف مركز الإمبراطوريّة، رغم أنّه فصل الصيف.
ولهذا لم تكن أزهار الصيف قد تفتّحت بعد، بل ظلّت براعمها تتمايل مع الريح.
وبينما يتأمّل روشان الأزهار المتجمّعة حسب أنواعها، استقرّ بصره على زهرة زنبق أبيض مزدوج، متفتّحة بخجل بين البراعم.
كانت طبقات بتلاتها المتراكبة تمنحها هيئة أنيقة ونقيّة في آنٍ واحد.
لم يكن روشان يومًا مهتمًّا بالزهور، لكنّها علقت ببصره على نحوٍ غريب، فقطعها بلا تردّد.
هكذا انكسر الزنبق الذي كان يتباهى بجماله وحيدًا، في عبثٍ عابر.
دار في أنفه عطرٌ كثيف، مألوف على نحوٍ ما.
استعاد روشان ذاكرته، باحثًا عن موضعٍ شمّ فيه هذا العطر، ثمّ ما إن وجد الجواب حتّى ارتسم على وجهه تعبيرٌ ملتبس.
‘……الأميرة؟’
الأميرة ييرينا سيداس، المشهورة.
أسيرةُ دولةٍ مهزومة، والمرأة التي ستُقدَّم لأخيه غير الشقيق.
السببُ الظاهريّ لهذه الحرب.
أصدر روشان حكمه السريع عليها، وهو يلقي الزهرة التي بيده على الأرض بلا اكتراث.
طَق.
تناثرت بعض البتلات مع صوتٍ خافت، وتبعثر العطر في الهواء.
وفي تلك اللحظة، ارتسم في ذهنه بوضوحٍ مشهد لقائه الأوّل بالأميرة.
حين قطع روشان رأس ملك سِيداس، لمح الأميرة مختبئة خلف العرش، في الفراغ الوجيز بين الرأس والجسد.
كانت مشدودةً بقوّة إلى امرأة بدت كمرضعة، بعينين مذعورتين، تحدّق وقد فتحت عينيها إلى أقصاهما، تطلق صرخةً بلا صوت، بينما يُفصل عنق أبيها.
‘أبي!’
كان وجهها الشاحب حدَّ البياض، وتعابير الصدمة والرعب، حاضرة أمامه كأنّها على بُعد أنفاس.
وحين بدأت الدموع الكبيرة تنهمر من عيني الأميرة، تراخى، دون وعي، قبضة يده على السيف.
لم يكن غافلًا عن اندفاع الملكة صارخة.
لكنّ نظره المثبّت على الأميرة جعل كلّ ما حولها مجرّد خلفيّة باهتة.
‘أُمِّي!’
لم يستعد روشان وعيه إلّا بعد أن شعر بحرارة الدم المتناثر من خاصرة الملكة على وجهه.
حينها شدّ قبضته مجدّدًا.
عاد الزمن الذي كان يسير ببطءٍ إلى وتيرته الطبيعيّة، واستعاد العالم وضوحه.
وعندما رأى الأميرة تندفع نحو أُمّها، عقد حاجبيه بلا وعي، ورفع يده ليأمر أتباعه بالكفّ عن اعتراضها.
وتلاقَت الأعين.
استعاد روشان تلك اللحظة، فتصلّب جسده دون قصد.
لم يعرف السَّبب، لكنّ صدره اضطرب ونفسه تعكّر.
كان ذلك أمرًا نادرًا، فازداد عبوسه.
قبض يده قليلًا، ثمّ داس الزنبق الأبيض الملقى على الأرض، وسحقه ملتويًا.
هدأت حالته قليلًا، غير أنّ تغيّر مشاعره الغامض استمرّ، فأثار ضيقه.
رأى أنّ الأفضل أن ينفرد بنفسه، يشرب الخمر، ويخلد إلى النوم باكرًا.
رفع قدمه عن الزنبق المحطّم، واستدار عائدًا إلى مخدع الملك، الذي صار من نصيبه.
وكان عبق الزنبق المدمَّر يلاحقه في اضطراب.
“آآه!”
كان قد صعد الدرجة الأولى المؤدّية إلى الرواق، حين اخترق أذنه صراخٌ باكٍ، ضعيف، شقّ صخب قاعة الولائم.
الصوت نفسه الذي سمعه مرارًا بالأمس.
استدار نحو مصدره، ثمّ مال بقدميه إليه بلا وعي، قبل أن يتوقّف فجأة.
نظر إلى موضع قدميه، وتجمّد وجهه ببرود، محاولًا الاستدارة إلى الجهة الأخرى.
لكنّ صرخةً أخرى، يتبعها بكاء، شدّته من جديد.
وبعد تردّدٍ قصير، توجّه أخيرًا إلى حيث ينبعث الصوت.
كانت خطواته أسرع قليلًا من المعتاد.
لكنّه لم يُدرك ذلك، ولا انتبه إلى أنّ نظرته القرمزيّة ظلّت متّجهة إلى موضعٍ واحد.
—
“آآه!”
في ساعةٍ متأخّرة من الليل، ضجّت غرفة صغيرة في أحد أركان القصر.
كان الطبيب يُسقي الأميرة الدواء قسرًا، فيما دلّكت الوصيفات، اللواتي يخدمن الغزاة، أطراف سيّدتهنّ الشاحبة.
وسط تلك الفوضى، جلست امرأةٌ ترفع جذعها، تُسدِل شعرها الذهبيّ الطويل، وتحاول التحرّك بأيّ طريقة.
غير أنّ أطرافها المرتجفة بعنفٍ كانت تقابلها شفتان حمراوان شاحبتان كأنّ الموت ظلّلهما، يتسلّل بينهما خيط دمٍ رقيق.
“تسك.”
نقر الطبيب بلسانه، وضغط بقوّة ليُدخل الدواء كاملًا في فم ييرينا، ثمّ سدّه بإحكام.
طَق.
وأخيرًا ابتلعت الدواء، فارتخت أطرافها، وتهدّل جسدها.
بدت، وهي تسند جذعها إلى رأس السرير بوجهٍ فارغ، كدميةٍ انقطع خيطها.
تقدّم الرجل أسود الشعر، الذي كان يراقب المشهد من طرف السرير، ببطء نحو ييرينا.
ما إن رأت الوصيفات روشان حتّى انحنين مسرعات، وتنحّين جانبًا.
كان الطبيب لا يزال يسدّ فمها، لكنّه سحب يده سريعًا حين واجه نظرةً حادّة.
كان خفقان قلبه شاهدًا على شدّة توتّره.
“حالُ الأَميرة سيّئ، فاستخدمتُ مُهدِّئًا قويًّا. لن تكون في وعيها.”
أشار روشان للطبيب أن يبتعد.
فانصاع الأخير فورًا.
بوجهٍ متصلّب، رفع روشان يده فجأة، وأمسك بذقن ييرينا بخشونة.
لم تُبدِ أيّ مقاومة، وقد كانت تتنفّس أنفاسًا خفيفة متقطّعة تحت تأثير الدواء.
“هـه…….”
خرج أنينٌ متألّم من عنقها الأبيض المشدود.
لكنّ روشان تجاهله، وحرّك رأسها بعنف، متفحّصًا عينيها الزرقاوين المعتمتين، اللتين لم تعودا تعكسان شيئًا.
لم تتحرّك العينان رغم تقلّب الرأس.
ومع انعدام أيّ استجابة، تركها كأنّه يرمي دمية.
ارتطم مؤخر رأسها برأس السرير بخفّة، فأنّت ألمًا، ثمّ أمالت رأسها قليلًا.
وبدا كأنّها تعي وجود روشان الأقرب إليها، فثبّتت وجهها نحوه.
كانت عينان بلا نظرة، ساكنتين كعيني ميت.
لكنّ روشان وقع في وهم التقاء العيون.
حدّق فيها بعينين مغمضتين جزئيًّا.
وهكذا، فجأة، بدأت ييرينا تبكي دون سببٍ ظاهر.
وقبل أن تنحدر دمعةٌ على خدّها، ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ هادئة.
ابتسامة ضبابيّة، كالحلم.
لحظةً قصيرة، لكنّها كانت كالصاعقة، دخلت من رأسه وخرجت من قدميه.
وخز جلده، وأصاب قلبه الأيسر ألمٌ لاذع.
وبينما كان يترنّح تحت إحساسٍ لم يعرفه من قبل، انهارت الأميرة بهدوء.
جعلته عيناها المغمضتان ورأسها المتدلّي تبدو كجثّة، فقبض روشان على جذعها بيدٍ واحدة، ثمّ التفت إلى الطبيب.
“يبدو أنّها نامت بسبب المُهدِّئ.”
تلعثم الطبيب في إجابته أمام نظرة روشان غير المتوقّعة.
تركها روشان، وتراجع خطوة.
ثمّ، ولأوّل مرّة منذ دخوله الغرفة، تكلّم.
“……وعيناها؟”
“كما ذكرتُ سابقًا، يبدو أنّها فقدت بصرها.
لا نعلم إن كان ذلك مؤقّتًا أم دائمًا، لكنّ ما رأيناه حتّى الآن يرجّح الثاني.”
استمع روشان حتّى النهاية، ثمّ لم يُجب.
ألقى نظرةً سريعة على الأميرة الغارقة في النوم، واستدار بحدّة متّجهًا إلى الباب.
كان وجهه لا مُباليًا، لكنّ الطبيب شهق دون وعي عند رؤية جانبه.
كأنّ الهواء خانق.
وكذلك شعرت الوصيفات، فانحنين أكثر وارتجفن.
دَوِيّ.
أُغلِق الباب، واختفى روشان.
تنفّس الطبيب الصعداء، ومسح عرقه البارد، ثمّ تذكّر المريضة والتفت إليها.
كانت الأميرة، وهي فاقدة الوعي، تذرف الدموع وتنادي عائلتها الراحلة.
بدت بائسة إلى حدٍّ موجع، فاحمرّت عينا الطبيب، وتمتم:
“……لعلّ عدم الرؤية أَرحم.
فأن تُساقي وتُجبَري على رؤية وجه عدوّك كلّ يوم، عذابٌ لا يُحتمل.”
التعليقات لهذا الفصل " 3"