كان الأمرُ مُرعِبًا.
أن تتفوّهَ بمستقبلٍ مُفزِعٍ بعينين ميتتين، خاصّتين بعمياء، جعل الرهبة أشدّ وقعًا.
شعرت بيانكا بقشعريرةٍ تسري في ظهرها.
وبغرابةٍ مخيفة، تراءى لها المشهد الذي وصفته ييرينا بوضوحٍ غير طبيعيّ.
وفي اللحظة نفسها، لمحت شيئًا عابرًا.
أشخاصًا يحدّقون بها وهم ينزفون دمًا…….
وكان بينهم ملكُ سيداس وملكته الراحلان، وكذلك الأمراء.
شهقت بيانكا وهي تهزّ رأسها وقد شحب لونها.
ولحسن الحظّ، تلاشت تلك الصور الغريبة والمرعبة التي كانت تومض أمام عينيها.
صرخت كالمجنونة محاولةً طرد ما تبقّى من خوفها.
“أأنتِ، أنتِ مثلكِ، تظنّين أنّكِ قادرة على مخاطبة الإمبراطور؟”
“كنتِ دائمًا تقولين إنّ ما أملكهُ فقط هو هذا الوجه الذي يشبه أمّي.
ولهذا كنتُ أتلقّى حبًّا مفرطًا، وأحصل بسهولة على ما يفوق قدري.”
“…….”
“وكما قلتِ يا خالتي، لم يبقَ لي الآن سوى هذا.
أفلا يجدر بي أن أستعملهُ جيّدًا؟
ثمّ احذري.
لأنّي لا أرى بعينيّ، لكنّي أرى أشياء أخرى…….
هناك أشخاصٌ مصطفّون خلفكِ.
كلّهم ينزفون دمًا……. آه!”
“…….”
“……تلك الأيادي تبدو وكأنّها ستطبق على عنقكِ.
الدمُ يتقاطر فعلًا مِن عُنقكِ، قطرةً قطرة.”
في الحقيقة، لم تكن ييرينا ترى شيئًا سوى عالمٍ أسود بلا نهاية.
لم تكن ترى أرواحًا ولا أشباحًا.
لكن بيانكا، وقد اعتقدت أنّها رأت شيئًا، تحسّست عنقها لا إراديًّا، وأخذت تنظر حولها بذعر.
نظر فريدريك إلى ييرينا المواجهة لبيانكا بوجهٍ مصدوم.
كان المشهد صادمًا.
الأميرة التي ظنّها ضعيفة، ساذجة، لا تجيد سوى البكاء والارتجاف، كانت تقف أمامه الآن بوجهٍ آخر تمامًا.
ولم يكن وحده من شعر بذلك.
من خلف الباب، كان رجلٌ يحدّق بالأميرة بعينين حمراوين متّقدتين.
كان ذلك النظر قويًّا إلى حدٍّ جعل ييرينا، دون وعي، تُدير رأسها نحو الباب.
لكن قبل أن تدرك حركتها، انفجر صراخٌ أمامها مباشرة.
“أيتها اللعينة…… آااه!”
إذ حاولت بيانكا، وقد فقدت السيطرة من الخوف والغضب، أن تصفع ييرينا، لكنّ فريدريك قيّدها في اللحظة نفسها.
قال لها ببرودٍ لاذع وهي تتلوّى محاولة الإفلات منه:
“الابنُ وأمّه، وقاحةٌ لا تُطاق فعلًا.”
“أنت! أيّها الفارس الوضيع! اتركني! اتركـني!”
“حتى أسلوب الكلام متشابه.”
“آاه! ماذا تفعلون واقفين هكذا!”
حين عجزت عن الإفلات من قبضة فريدريك، صبّت بيانكا غضبها على وصيفاتها اللواتي وقفن بعيدًا، عاجزاتٍ عن رفع رؤوسهنّ.
لكنّهنّ، مثل خدّام بريك، لم يجرؤن على الاقتراب من فريدريك.
تردّد فريدريك لحظةً وهو يفكّر بما سيفعله بها، ثمّ تلقّى إيماءةً من سيّده خلف الباب، فسحب بيانكا نحو الخارج.
وقبل أن تتّجه الأنظار إلى الباب، تنحّى روشـان بسرعةٍ إلى جانب الجدار وأخفى وجوده.
“حتى أنتَ رجلٌ، وقد افتُتنتَ بتلك؟
لهذا تجرؤ على معاملتي، أنا أمّ الملك، بهذه الطريقة؟!”
كانت بيانكا تصرخ وهي تُسحَب، فيما تبعتها وصيفاتها بوجوهٍ مرتجفة.
كنّ يعرفن أنّ غضبها، إن عادت هكذا، سينصبّ عليهنّ كلّه.
خرجت آخر الوصيفات.
انحنى فريدريك لسيّده بعينيه، ثمّ عاد إلى الداخل.
دُوّيَ إغلاقُ الباب.
كانت بيانكا قد دُفِعَت بعنفٍ فسقطت فاقدةً توازنها، ثمّ نهضت مسرعةً محاولةً الاندفاع نحو الباب.
لكنّها لم تستطع الاقتراب.
وقف أمامها رجلٌ طويل عريض.
ظنّتْه فارسًا، فرفعت يدها لتصفعه، لكنّها ما إن رأت وجهه حتّى تجمّدت في مكانها.
“جـ، جلالتك.”
ألقى روشـان نظرةً على يدها المرفوعة نصف رفعة.
أدركت بيانكا ما كانت على وشك فعله، وحاولت إنزال ذراعها بسرعة.
لكنّ جسدها لم يتحرّك.
كان الإحساس أشبه بمن قُيّد بحبالٍ كثيفة كالمجرمين.
“السيدة بيانكا.
أنا أكره الضجيج.”
على الرغم من خروجه لقب “السيدة” من فم روشـان، لم تصرخ بيانكا كما فعلت مع ييرينا.
بل خفّضت رأسها الذي بالكاد كان قد انحنى، وأسقطت ذراعها المرتجفة.
تأمّلها روشـان بلا اكتراث، ثمّ قال بهدوءٍ ثقيل:
“لذا من الأفضل أن تحذري كلامكِ وأفعالكِ.
وإلّا، فقد أرسلكِ اليوم نفسَه إلى السراديب.”
“…….”
“إن فهمتِ، فانصرفي.”
“آه…….”
ارتمت بيانكا على الأرض عاجزةً عن الاحتمال.
كان الفستان الذي كان يخصّ الملكة الراحلة، ثمّ صار لها، مجعّدًا بشكلٍ قبيح.
نظر روشـان إلى جسدها الملقى، ثمّ إلى التاج فوق رأسها.
كان التاجُ البلاتينيّ الأنيق من مقتنيات الملكة الراحلة، يحمل اثني عشر قرنًا،
وفي أطرافه زُيّنت زهرة الزنبق المزدوجة بسافيرٍ أزرق بديع.
شعر روشـان بانزعاجٍ غير مبرّر من كونها ترتديه.
إنّه، في النهاية، مجرّد زينة نسائيّة.
بل هو، مقارنةً بما يملكه، متواضع إلى حدٍّ مثير للسخرية.
لم يفهم روشـان نفسه، لكنّه مدّ يده وقال لها:
“ذلك الشيء الذي على رأسكِ.”
“…….”
“سآخذهُ إلى الإمبراطوريّة.
فالتعويض لا يزال ناقصًا.”
—
كان القصرُ العظيم قمّةً في الفخامة.
الأرض، والجدران، والسقف، كلّها صُنِعت من رادمان، أندر الرخام الأبيض في القارّة،
ونُقِشَت الزخارف كلّها بالذهب الخالص.
الأعمدة الطويلة المصطفّة، والأقواس التي تُشكّل الفضاء، كانت تحفًا بحدّ ذاتها.
النقوش الغائرة أبدعها أمهر الحرفيّين،
والنوافذ الزجاجيّة الملوّنة، على تنوّع ألوانها، حافظت على جمالٍ هادئٍ وأنيق.
كان كلّ عنصرٍ في المكان فنًّا وكنزًا.
غير أنّ أكثر ما لفت الأنظار كان مذبحًا صغيرًا تحت سقفٍ مقوّس شاهق.
لم يكن المذبح كبيرًا، ومادّته الأساسيّة الذهب،
لكنّه بدا أبيض من بعيد، لكثرة الجواهر المرصّعة عليه.
من يراه لأوّل مرّة يكاد يفرك عينيه من فرط البذخ.
ومع ذلك، كان هناك من ينظر إليه كأيّ شيءٍ عاديّ.
ككاهنٍ مسنّ يقف داخله، وشابٍّ راكعٍ خارجه.
“بالهدايةِ يتبدّد لعنُ الأرواح الشرّيرة كضبابٍ زائل،
ولا يبقى في دربك سوى نور المجد.”
أنهى الكاهنُ الأعظم سيناكس كلماته، ولوّح بثوبه الفاخر ثلاث مرّات.
عندها، انحنى الشابّ ذو الشعر الأسود بعمقٍ، صلّى، ثمّ نهض ببطء.
كشفتْ عيناه البنفسجيّتان، المتلألئتان كالجواهر، عن جمالٍ آسر،
لكنّ بريقهما كان مشوبًا بجنونٍ مقلق.
“يا صاحب الجلالة.
ما أصدقَ صلاتك اليوم أيضًا.
الإلهة ستباركك.”
قال الكاهن العجوز مبتسمًا برفق للإمبراطور كيدريك فيستيوس.
جمع كيدريك كفّيه بانضباطٍ وأدّى التحيّة.
“لا شكرَ على واجب.
إنّه واجب المؤمن.”
كان يرتدي ثوبًا بسيطًا نسبيًّا، تونكًا أبيض طويلًا،
غير أنّ نسيجه لم يكن عاديًّا،
ولا سيّما التطريز الفضّيّ الدقيق على هيئة حمامٍ عند أطراف الأكمام.
صلّى مرّةً أخرى .
ثمّ التفت مبتسمًا بلطف وقال:
“يا كاهنَ الأعظم،
يبدو أنّ ما أخذتُه في المرّة الماضية لم يعد فعّالًا.”
“أتقصد البخور الذي قُدِّمَ لك بسبب اضطراب أحلامك؟”
“نعم.
كان فعّالًا في البداية، لكنّه لم يعد كذلك مؤخرًا.”
نقر الكاهن لسانه في سرّه.
كان الإمبراطور يطلب جرعاتٍ أقوى فأقوى.
“همم……
سأعدّه مجدّدًا وأرسله إلى القصر.”
رغم قلقه من الآثار الجانبيّة، منح الكاهن الإجابة التي أرادها الإمبراطور.
أشرق وجه كيدريك سرورًا.
“يا جلالتك.”
قبل أن يشكر الكاهن، اقترب أصغر الخدم بتردّدٍ واضح.
تلألأت عينا الإمبراطور بنورٍ غامض.
“ما الأمر؟
ألم آمُرْ أن تُؤجَّل الأمور غير العاجلة إلى ما بعد خروجي من المصلى؟”
“أعتذر، لكنّك أمرت سابقًا بأن يُبلَّغ أيّ خبرٍ فور وصوله…….”
ارتسم الترقّب على وجه الإمبراطور،
لكنّه ما لبث أن خفَتَ حين رأى هيئة الخادم.
“……فشلٌ آخر؟”
“نعم.
هذه المرّة أيضًا…….”
“تبًّا!”
تحطّم.
“آااه!”
في لحظةٍ خاطفة، أمسك الإمبراطور بشمعدانٍ من فوق المذبح وقذفه.
أصاب وجه الخادم، ثمّ ذاب الشمع وأحرق عينيه.
سقط الخادم يئنّ على الأرض.
“آه…….”
“متى سيموت ذلك الوغد!
متى! متى!”
نزف الدم من وجه الخادم وهو يتحسّس الأرض بعينين مغمضتين.
كان يمكن أن يأمر بعلاجه،
لكنّ الإمبراطور فقد السيطرة تمامًا.
“مُت!
قُلْتُ مُت!”
“ارحمني……
يا جلالتك……!”
بدأ الإمبراطور يركل الخادم الساقط،
وحين رأى الدم، ركّز ضرباته على وجهه بجنون.
صمت الخادم أخيرًا،
وفقاعاتُ دمٍ حمراء تخرج من فمه، في مشهدٍ مروّع.
التعليقات لهذا الفصل " 13"