كان فرسانُ الإمبراطوريّة يلتزمون استخدامَ ألقابِ الاحترام بدقّة، لكن يِيرينا كانت تعلم جيّدًا أنّها لا تذهب إلى الإمبراطوريّة زواجًا سياسيًّا، ولا بوصفها عضوةً في وفدٍ دبلوماسيّ.
كانت تُساق بوصفها غنيمةَ حرب، تُدفع إلى مخدع الإمبراطور وهي مكبّلةٌ بنيرِ الأسْر.
وبالتعبير السيّئ، كان يمكن تسميتها عبدةَ فراش.
ومع ذلك، كيف لها أن تأخذ معها أولئك الذين عاشوا معها منذ الطفولة إلى مكانٍ كهذا.
لم يكن ذلك ممكنًا ليِيرينا أبدًا.
“ليلي ستتزوّج قريبًا، أليس كذلك.
يجب أن تبقى هنا وتعيش بسعادةٍ مع خطيبها.
وأنتِ يا جينا، لديكِ ابنةٌ لم تتجاوز الثالثة.
إلى أين تظنّين أنّ أمًّا يمكنها الذهاب وهي تترك طفلها؟”
“صاحبةَ السموّ…….”
الذهاب إلى الإمبراطوريّة سيكون شاقًّا شقاءً مضاعفًا، لكنّ نظرات الناس هناك كانت أوضح من أن تُتَجاهَل.
حتّى وإن كانت بلادُها صغيرة، فإنّ وصيفاتِ أميرةٍ سابقًا كنّ في مملكةِ سِيداس من بناتِ العائلات المرموقة أو زوجاتِ النبلاء.
فكيف لهنّ أن يتحمّلن نظراتِ الاحتقار والازدراء في الإمبراطوريّة.
وفوق ذلك كلّه، لم تكن يِيرينا تريد أن يُظهر أحدٌ من مملكةِ سِيداس صورتها وهي تؤدّي دورَ محظيّةِ الإمبراطور.
هدّأت يِيرينا الوصيفاتِ اللواتي تعلّقن بها باكيات، ووزّعت على بعضِ الموثوقين معظمَ ما تملكه من الحُليّ والقطعِ الذهبيّة.
كانت الكنوزُ والأملاكُ الكثيرة داخل القصر الملكي قد آلت إلى جيشِ الإمبراطوريّة، لكن لسببٍ ما أُعيدت إليها بضعةُ صناديقَ صغيرة من حُليّها الخاصّة.
“قبل كلّ شيء، خذوا هذا…… اعتنوا به جيّدًا، واستخدموه حيث يلزم.
سيكون شتاءُ هذا العام قاسيًا، وأتمنّى أن يقلّ عددُ الجائعين ولو بواحد.”
ستُرهق تعويضاتُ الحرب البلادَ بأسرها على الأرجح.
وإذا كان النبلاء تُنتزع أملاكُهم قسرًا، فكيف سيكون حالُ العامّة دونهم.
كانت يِيرينا تعلم أنّ صناديقَ حُليّها لن تُحدِث فرقًا كبيرًا.
ورغم أنّها اختارت بعناية، كانت تدرك أيضًا أنّ الوصيفاتِ قد يستخدمن ما أُعطي لهنّ لأغراضٍ شخصيّة.
لكن أليس ذلك أفضلَ من أن تبقى الأشياءُ معها بلا جدوى.
سألت يِيرينا فريدريك، وأبدت رغبتها في أن تُعطي بعضَ من متعلّقاتها لأشخاصٍ تحدّدهم بنفسها، باستثناء ما سيُصادَر تعويضًا للحرب.
وذهب فريدريك ليستأذن روشان، ثم عاد سريعًا ليُبلِغها أنّ الأمر مسموح.
“أتمنحينهم حتّى ما تلبسينه الآن؟”
نظر فريدريك بنظرةٍ غريبة إلى يِيرينا وهي تخلع حتّى الأقراط التي كانت ترتديها.
فأجابت بصوتٍ أبرد بكثير ممّا خاطبت به الوصيفات.
“لن أراه بعد الآن.
إنّه شيءٌ لا فائدةَ لي منه.”
عند هذا الموقف، شعر فريدريك بشيءٍ من الخيبة، ثم أطلق ضحكةً جافّة.
بدا له أنّ ملازمته لامرأةٍ واهنة طوال اليوم جعلته يرقّ ويغدو عاطفيًّا مثل النسوة التافهات.
ومع ذلك، ورغم هذا التفكير، وجد نفسه يرغب بلا سببٍ في سماع ذلك الصوت اللطيف الذي كانت تُكلّم به الوصيفات.
“صاحبةَ السموّ.”
تردّد فريدريك قليلًا إلى جانبها، ثم، بعد أن خرجت وصيفةٌ أخرى حاملةً العقد الذي كانت يِيرينا تضعه وكيسًا من الذهب، فتح فمه أخيرًا
أمالت يِيرينا رأسها قليلًا نحو صوته، وكأنّ النداء يثقل عليها.
“مع ذلك، أليس من الأفضل أن تأخذي معك شيئًا واحدًا على الأقلّ من متاعِ المملكة؟
كشيءٍ من تَرِكة والدتك، أو ما شابه…….”
حين خرج ذكرُ الأمّ الميّتة من فمِ فارسٍ إمبراطوري، شدّت يِيرينا ذقنها لحظةً وعضّت شفتيها بقوّة.
لكنّها ما لبثت أن أرخَت قوّتها، وتمتمت بصوتٍ أخفض.
“إذًا، واحدٌ فقط…….”
“…….”
“هناك زوجُ خواتمِ خطوبةٍ صنعه أبي وأمّي في شبابهما.
هو موجودٌ في غرفةِ أمّي، في أسفل درجٍ أبيض صغير…….
إذا ضغطتَ قليلًا على أرضيّته يظهر مخبأٌ سرّي.
أريد أن آخذه معي.”
“سأستأذن ثم أجلبه.”
كان فريدريك واثقًا من أنّه سيتمكّن من إحضار الخاتم، إذ إنّ سيّده روشان كان يُبدي اهتمامًا بالأميرة ويلبّي معظم طلباتها.
وكما توقّع، وافق روشان بسهولة، وإن كانت نظرته إلى فريدريك عند الإذن باردةً على نحوٍ جعله يتوتّر.
التعليقات لهذا الفصل " 10"