1
“مرحبًا، أيّها المُنقذ.”
في تلك الليلة، كانت النجوم ساطعة على غير العادة.
“ماذا كنتَ ستفعل… لو أنّ العالم لم ينتهِ؟“
كانت ليريان ممدّدة على العشب، فأمالت رأسها وسألت.
في كلّ مرّة تهبّ فيها ريح مشوبة برائحة الدخان اللاذعة، كانت أضواء صغيرة تومض عند سفح التلّ—كأنّها نجوم.
لكنّهما كانا يعلمان تمامًا ما هي في الحقيقة. قنابل دفاعيّة مدفونة تحت الأرض، مشحونة بقوّة مقدّسة.
ويعلمان أنّه لم يبقَ منها الكثير.
ويعلمان أنّ تلك القنابل هي خطّ الدفاع الأخير للبشريّة.
ثماني سنوات—طويلة إن عُدَّت طويلة، وقصيرة إن عُدَّت قصيرة.
في تلك المدّة، خُرِّب العالم تدميرًا شاملًا بالحرب ضدّ الوحوش المعروفة باسم ‘الهاوية‘.
إلى حدٍّ لم يبقَ معه أيّ كهنة قادرين على تطهيرها.
“همم؟“
“توقّفي عن قول أشياء غريبة، وانظري إلى النجوم فحسب. أنتِ قلتِ إنّك تريدين ذلك.”
“تشه، إنّها ليلتنا الأخيرة—ألا يحقّ لي أن أسأل شيئًا كهذا؟“
“لا وجود لشيء اسمه ‘ماذا لو‘. كلّه محض أوهام ينسجها الحالمون.”
على أيّ حال، كانوا سيعرفون النتيجة بحلول الغد.
وحين تكلّم إيلاي بصوت جافّ، عبست ليريان.
“أنتَ بارد جدًّا، أيّها المُنقذ!”
على الرغم من حملها عبئًا ثقيلًا يتمثّل في حماية عالم يحتضر في آخر حربٍ مقدّسة تخوضها البشريّة، كانت هذه المرأة دومًا مشرقة.
كان شعرها الأسود أشعث، وعيناها البنفسجيّتان، المرفوعتان إلى السماء المرصّعة بالنجوم، صافيتين كنظرة طفل.
كانت هي ‘شبح السيف‘.
ومع ذلك، وبصراحة، لا تبدو حادّة إلى هذا الحدّ.
وفي الحقيقة، لم تكن كذلك فعلًا.
اليوم يُطلَق عليها عبقريّة سيف لا تتكرّر في الجيل، وأمل البشريّة الأخير، وبطلتها.
لكنّها في الماضي تصرّفت بطفوليّة مفرطة قياسًا إلى عمرها، حتّى لقّبها الناس بـ“الأميرة الساذجة“.
يبدو أنّ وراء ذلك سببًا ما، لكنّه لم يعرفه قطّ.
ومع ذلك، فقد تحسّنت كثيرًا.
عندما التقيا للمرّة الأولى، كانت ليريان تعاني الخرس.
لكن بعدما داوم على الحديث معها وعرّفها بالعالم من جديد، بدأت تتكلّم. ومع ذلك، بقيت شخصيّتها الطفوليّة على حالها.
حاول مرارًا أن يكشف جذور ذلك، لكن في عالمٍ مدمّر، لم يكن بوسعه أن يفعل سوى القليل.
“لو حدث شيء كهذا فعلًا…”
“وماذا لو حدث؟“
“كنتُ سأنام… من شروق الشمس إلى غروبها.”
“يبدو ذلك جميلًا.”
أومأت ليريان بوقار.
إيلاي سيريفيا ليونهارت.
وُلد في أنبل وأمجد سلالة.
آخر أفراد العائلة الامبراطورية الباقين، وقائد تنظيم نجمة الفجر، والقائد الأعلى للقوّات المتحالفة.
كانت أمنيته صغيرة ومتواضعة لرجلٍ بمثل مكانته—لكنّها لم تسخر من حلمه قطّ.
“إذًا… هل يمكنني أن أنام إلى جانبك؟“
نقر إيلاي بلسانه في داخله، مستنكرًا كلام المرأة التي نطقت، بعفويّة، بما قد يثير فضيحة لو سمعه أحد.
“آه!”
“كفّي عن قول أشياء غريبة وانهضي. الصباح على وشك أن يطلع.”
نقر جبين ليريان بخفّة ونهض.
وفي البعيد، كان ظلام هائل يزحف نحوهم.
تنين الهاوية.
الكائن الذي ظهر ليجلب نهاية العالم.
انهمر المطر فجأة، مغرقًا كلّ ما حولهما.
وفي اللحظة التي انطفأ فيها نور آخر قنبلة، فتح ذلك الكائن الأسود الجارف فمه.
ساحة المعركة، التي كانت يومًا تضجّ بالانفجارات والصراخ، عمّها الصمت، ولم يبقَ سوى صوت المطر المتساقط.
وحين خفض إيلاي رأسه، انزلقت عصابة عينه المرتخية وسقطت في البركة أسفلها.
“لماذا…”
عينه اليسرى، التي كانت عمياء أصلًا، لم ترَ شيئًا.
لكن بعينه اليمنى المشوَّشة، رآها—مضرّجة بالدماء.
ضمّ إيلاي ليريان إلى صدره بيأس.
“لماذا… لماذا!”
صرخ.
لقد ماتت المرأة لتنقذ الرجل.
هذا كلّ ما في الأمر.
“أيّها المنقذ… هل تريد أن تعرف ما كنتُ أريده حقًّا لو لم ينتهِ العالم؟“
جسدها الغارق في المطر، البارد بلا حراك، بدا وكأنّه يواسيه في يأسه.
“كنتُ أريد أن أبني أكبر كوخ في العالم.”
وفي اللحظة الأخيرة من حياتها، ابتسمت ابتسامة أبهى من النجوم التي ملأت السماء.
“ثمّ، كنتُ أريد أن أعيش هناك مع كلّ من أحبّ.”
نطقت بأمنيتها غير المكتملة وأغلقت عينيها.
عضّ إيلاي على أسنانه حتّى تذوّق طعم الدم.
لم ينجح شيء في حياتي قطّ.
قضيّة ميؤوس منها—أو قطعة قمامة.
وُلد الابن الشرعي للإمبراطور والإمبراطورة في الإمبراطوريّة المقدّسة، مباركًا بقوّة إلهيّة—وكان ينبغي أن يحيا حياة مجيدة.
لكنّ حياته امتلأت بالعار.
فعلى الرغم من امتلاكه قوّة مقدّسة هائلة، لم يستطع السيطرة عليها.
ومع ذلك، كافح ونجا—إلى أن انفجرت ‘الهاوية‘، علامة نهاية العالم.
والآن، أتأخذها منه أيضًا؟
كانت هي السبب الوحيد الذي منعه من فقدان عقله طوال هذا الوقت.
براءتها الطفوليّة كانت تجعله ينسى، أحيانًا، أنّهما في ساحة معركة.
وعلى أقلّ تقدير، مكنته من ألّا يفرّ من هذا الواقع الكئيب.
أغلق عينيه بإحكام.
انحدر شيء على خدّيه—أكان مطرًا أم دمًا؟
كان الحاكم قاسيًا حقًّا.
لا أنّه آمن بوجوده يومًا.
فلو كان هناك حاكم، أكان العالم ليؤول إلى هذا المصير؟
“قَرْقَعَة!”
ضرب البرق. محا ضوءٌ أعمى كلّ ما أمامه، ففتح عينيه.
كان تنّين الهاوية يفتح فمه مرّة أخرى.
ومع شرارة بيضاء نقيّة، تجمّعت في جوفه قوّة لا تُقاوَم.
منذ أن مُحي قسرًا من السجلّ الإمبراطوري، لم يُصلِّ إيلاي إلى الحاكم—ولا مرّة واحدة.
ولا مرّة.
“…أيّها الحاكم اللعين…”
وهو يضمّ ليريان إلى صدره، بينما كان المشهد من حوله يُغرقه البياض التامّ، قال.
“إن كنتَ موجودًا حقًّا…”
نظر إليها، ساكنةً بين ذراعيه، فيما كان الضوء الأعمى يمحو العالم.
ومن دون أن يشعر، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، وهمس.
“أرجوك، حقّق أمنية هذه المرأة.”
آمل أن تكوني، في حياتك القادمة… أكثر سعادة بقليل.
التعليقات لهذا الفصل " 1"