3
كانت هناك فتاتان، ترتدي إحداهما ثوبًا ورديًّا وتلبس الأخرى ثوبًا أخضرَ غامق، تلوحان بيديهما بحماسٍ وهما تتحدثان بانفعال عن دوق وينستايني.
“يُحكى أنه في الأيام التي كانت تسوء فيها المعركة، كان يُعذِّب قادته لأيامٍ متتابعة”
“أتظنين هذا كل شيء؟ إنه يخطف الفتيان الوسيمين، ويحبسهم، ويُسيء معاملتهم، وإذا لم يُعجبه أحدهم، يقتله فورًا يُقال إن جثثًا ممزقةً تملأ قلعته، تتدلى منها الأحشاء”
“يا إلهي! كيف يمكن لإنسان أن يفعل شيئًا كهذا؟”
وضعت سارة كفيها على فمها.
“وهذا ليس أسوأ ما فيه إنه يجمع الدماء التي تُسفح منهم ويستحم فيها. إنه يعتقد أن ذلك يمنحه القوة”.
” آه، لا أستطيع سماع المزيد. هذا مُروِّع جدًّا”.
ارتعدت ديانا.
مالت الفتاة ذات الثوب الوردي رأسها.
“أنا مندهشة من مدى صدمتكِ. القصة مشهورة جدًّا. كيف لم تعرفيها؟”
“لم يخبرني أحدٌ بها قط ولا أحد في عائلتي يتحدث حقًّا عن هذه الأمور…”
“لقد سمعتُ عنها”
قطع بنيامين كلام سارة.
فانتفض حاجباها.
“ماذا؟ إذاً لماذا لم تقل أي شيء حتى الآن؟”
“وما الداعي لذلك؟”
تجاهل بكلِّ برود تعبير وجهها الجريح، وهو يهز كتفيه.
“متى سمعتَ عنه؟”
“زار دوق وينستايني العاصمة قبل بضع سنوات حينها أخبرني أصدقائي عنه. كان ذلك بعد انتهاء الحرب مع “هامد” مباشرة سمعتُ أنه كان يرتدي قناعًا. قيل إن وجهه مشوَّهٌ بشكلٍ فظيع، لذا يرتديه لإخفائه”.
“هذا صحيح! سمعتُ أن وجهه يشبه وجه وحش. لذلك لا يخلع قناعه أبدًا. إذا رأى أحدٌ ما تحته، يُقطِّعه إربًا”.
أيدته الفتاة ذات الثوب الأخضر الغامق بحماس.
” يا للسماء…”
“يُقال إن أحدًا في العاصمة لم يَرَ وجهه قط”.
دوق وينستايني…
هذا مُرعِب…
كانت غريس تستمع لحديثهم بذهول، عندما حركت قدمها دون قصد.
وطأت على غصينٍ ساقط على الأرض.
فانكسر بحَزَّة، وفقدت توازنها وسقطت، واصطدمت مؤخرتها بالأرض بقسوة.
آه…!
كانت الأرض ناعمة، لذا لم يؤلمها السقوط كثيرًا.
لكن صوت سقوطها كان لا بدَّ أن يكون عاليًا بما يكفي ليسمعوه.
ارتعدت غريس مُذعورة.
“من هناك؟”
كما توقعت، اخترق الهواء صوت بنيامين الجليدي.
“كُفَّ عن الاختباء كالفأر واخرج. الآن”.
“……”
“إذا لم تخرجي على الفور، سيتضاعف عقابك”.
تضاعف.
هذه الكلمة وحدها جمدت غريس خوفًا.
خرجت مرتعشة من بين الأدغال.
عندما رآها بنيامين، انثنى شفتيه في ابتسامة قاسية.
” حسنًا، حسنًا، انظروا من لدينا”.
“لم نكن نعلم أنكِ تعرفين كيف تتجسسين على الناس، هاه؟”
سخرت سارة.
نظرت الفتاتان صاحبتا الثوب الوردي والأخضر ذهابًا وإيابًا بين غريس وأطفال عائلة رينهاردت بعيون واسعة.
“شعرها وعيناها… إنهما بنفس اللون؟ كيف…”
كان معروفًا للعامة أن عائلة رينهاردت لديها أربعة أطفال.
لكن هذا الشعر الأحمر والعينان الحمراوان – السمتان المميزتان للعائلة – من أين أتت هي؟
“إنها ابنة غير شرعية. قمامة عائلتنا”.
بصق بنيامين الكلمات كما لو كانت شيئًا مقرفًا.
أصدرت الفتاتان معًا صوت شهقة جماعية.
” تعالي إلى هنا”.
أومأ بنيامين كما لو كان ينادي كلبًا.
اقتربت منه غريس وهي ترتعد.
فجذب شعرها دون تردد.
“آه… آآه!”
“من أمركِ أن تتسللي مثل الفأر؟ ألديكِ رغبة في الموت أو شيء من هذا القبيل؟”
أنت أنينًا من الألم، وكأن فروة رأسها ستُنتزع. لكن بنيامين لم يفلتها.
“أنا… أنا اعتذ…”
“……”
“اعتذر… أعتذر… آغ…”
“ألا تستطيعين الكلام بشكل صحيح؟”
نظرت الفتاة ذات الثوب الوردي إلى غريس بفضول بينما كانت تتلعثم.
“هي ليست صماء تمامًا، لكنها قريبة من ذلك. هي في الأساس غبية”
أجاب جيفري.
“هي كلبنا. تفعل أي شيء نأمرها به. إذا قلنا “انبح”، تنبح. إذا قلنا “زحف”، تزحف”.
” أتريدان أن تجعلاها تفعل شيئًا؟ العبا معها كما تشاءان. نحن نسمح بذلك”.
“همم… ليس لدي حقًّا شيء في ذهني”.
قالت الفتاة ذات الثوب الأخضر بلا مبالاة.
” حقًّا؟ إذاً سنُريكِ شيئًا ممتعًا”
التوى شفتيه في ابتسامة ساخرة، نظر إلى الطاولة، ورمى قطعة خبز على الأرض.
تدحرجت على التراب وتوقفت.
“هيّا. زحفي والتقطيها بفمك”.
“……”
حدقت غريس في الخبز المغطى بالتراب.
تذكرت آخر مرة أجبروها فيها على أكل بسكويت دحرجوه في الوحل.
“ماذا تفعلين؟ ألم أقل لكِ أن تفعلي ذلك؟”
رفع بنيامين يده، واجهه متجهمًا غاضبًا، على استعداد للضرب.
“……”
كانت غريس تعلم بالفعل مدى قوة تلك اليد.
انهمرت الدموع في عينيها بينما بدأت تزحف ببطء.
لكن بعد خطوات قليلة فقط، تعثرت وسقطت إلى الأمام.
“آخ!”
“الكلاب لا تمشي على رجليها. ازحفي”.
لقد رفس بنيامين خلف ركبتيها، مما جعلها تنهار.
بينما حاولت النهوض بغريزتها، أوقفها صوته، فانخفضت مرة أخرى.
بدأت غريس تزحف كما أُمِرت.
” إنها حقًّا مثل كلب”.
“ما زالت تحتاج إلى بعض التدريب لتصبح مؤدبة كما ينبغي، رغم ذلك”.
ملأ الضحك الهواء خلفها.
صرَّت غريس أسنانها واستمرت في التقدم.
قبل أيام قليلة فقط، كانت ركبتاها تؤلمانها من الزحف، لكنها علمت أن عقاب التباطؤ الشديد كان أسوأ بكثير.
أخيرًا وصلت إلى الخبز، عضت عليه غريس.
علق التراب بلسانها.
أطبقت عينيها بإحكام من الملمس المقرف.
أرجوك، أرجوك لا تجعلني آكله.
لا تزال الرمال الجافة الخشنة تفرك داخل فمها لا تُطاق.
” ليس سيئًا. لقد أحضرته بشكل جيد”.
بينما زحفت عائدة بالقرب من الطاولة، انفجرت الفتاتان في الضحك.
كانت عيونهما تتلألأ كأنهما تشاهدان حيوانًا أليفًا مُطيعًا تمامًا.
“ابصقيه”.
أمر بنيامين.
فألقته غريس، مرتاحة، على الأرض.
“همم، ماذا عن هذا الآن؟”
التقط بنيامين تفاحة وبدأ يمشي مبتعدًا عن الطاولة.
توجه نحو بحيرة صغيرة – مكان مُعدّ لرحلات القوارب خلال الصيف.
ضاربًا وضعًا دراميًّا، رمى التفاحة في البحيرة.
انغمرت في الماء الهادئ، مخلِّفة دوّارات قبل أن تغرق.
“اذهبي أحضريها”.
أشار إلى البحيرة.
” أنا… لا أستطيع…”
هزَّت غريس رأسها.
لم تستطع السباحة.
إذا دخلت، لن تعود.
كانت قد سمعت قصص الخدم الذين غرقوا قرب البحيرة.
“ما هذا؟ ألا تريدين؟”
“لا… أرجوك…”
“أتتمردين عليَّ مرة أخرى؟ قلتُ أحضريها. عليكِ أن تدفعي ثمن تجسسكِ علينا كالفأر”.
” أنا… آسفة… لن أفعلها مرة أخرى!”
توسلت غريس يائسة طالبة الصفح.
حتى لو كان مراقبتهم سرًّا خطأ، إلا أنها لم ترد أن تموت.
كانت عيناها مليئتين بالخوف.
“أنتِ حقًّا لا تتعلمين أعتقد أنه يجب علينا إصلاح ذلك»”
دفع بنيامين فجأة جبهتها بقوة.
تجنبت غريس بصعوبة الاصطدام بالأرض.
“أولًا، تتسللين ثم تتجاهلين الأوامر. نعم… العقاب ضروري”.
” يا للأسف، أن نضطر لإظهار سوء سلوك حيواننا الأليف”.
انضمت سارة بنبرة مستهزئة.
فهمت غريس الآن.
بنيامين لم يفعل هذا ليجعلها تتصرف ككلب – هو فقط كان يريد عذرًا ليعذِّبها.
“جيفري. أمسكها”.
بمجرد ما نطق بنيامين، تقدم جيفري وكبَّل ذراعي غريس خلف ظهرها.
“……”
ارتعدت غريس، عاجزة حتى عن الاحتجاج.
أمسك بنيامين رجَّافة فلفل من طرف الطاولة.
تقدم، أمسك شعرها، وجذب رأسها للخلف.
“الكلام لا يجدي معكِ. لذا ليس لدينا خيار”.
فتح الرجَّافة ومالت بها نحو وجه غريس.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 3"