عند سؤال فيلاكشينا الهادئ، شحب وجه ناتاشا و نفت بشدة:
“مستحيل! سيدتي! أقسم أنني لم أفعل شيئًا كهذا!”
“يجب أن يكون الأمر كذلك. لا أحد يحتفظ بلص بجانبه.”
“أرجوكِ، سيدتي، كيف يمكنني أن أجعلكِ تصدقينني؟”
من المفارقة أن موقفها المتوتر جعلها تبدو أكثر كلص، لكن يبدو أن ناتاشا لم تكن في حالة تسمح لها بملاحظة ذلك.
“بل أنا مَن يريد أن يسأل. كل ما لدي الآن هو حقيقة أنني سُرقت. لا يوجد دليل على أنكِ فعلتِ ذلك، و لا دليل على أنكِ لم تفعليه. لا أعرف إذا كان يجب أن أثق بكِ أو أشك فيكِ.”
عندما ذكرت فيلاكشينا إمكانية أنها قد لا تكون اللصة، بدا وجه ناتاشا يضيء قليلاً، لكن فيلاكشينا أضافت:
“لكن لا يوجد سبب لتحمل المخاطر أيضًا. يمكنكِ الرحيل الآن.”
“ماذا…؟ ماذا تعنين؟”
“أعني أن تأخذي إجازة مؤقتة. أليسيا يمكنها الاهتمام بالحمام بشكلٍ جيد. حتى نجد اللص الحقيقي، لا داعي لخدمتكِ.”
كان هذا يعني أنها ستُطرد إذا لم يتم العثور على اللص الحقيقي.
“سيدتي! أرجوكِ، ارحميني و ارفعي العقوبة! أنا بريئة حقًا!”
“توقفي عن إصدار الضجيج و اخرجي. إذا واصلتِ إزعاجي، ستعرفين ما هو العقاب الحقيقي.”
أرادت ناتاشا التشبث بحافة تنورة فيلاكشينا و إثارة ضجة لإلغاء هذا القرار، لكن أليسيا أمسكت معصمها بهدوء و هزت رأسها.
في النهاية، اضطرت ناتاشا إلى جمع أغراضها و هي تذرف الدموع.
* * *
“أتمنى أن تكون غرفة النوم الجديدة قد نالت إعجابك.”
سأل أفالكين بلامبالاة و هو يقطع بطة مشوية بالفطر كان قد اصطادها اليوم، و التي كانت ستكون عشاءه مع فيلاكشينا.
جلست فيلاكشينا على الجانب الآخر، مرتدية ملابس تناسبها بشكلٍ أفضل من الأمس، و هي تتذوق طعم الطعام اللذيذ الذي لم تتذوقه منذ فترة، و أومأت برأسها.
“كانت عادية.”
“هذا جيد.”
انتهى الحديث اليومي عند هذا الحد.
شعرت أن الأجواء ثقيلة بعض الشيء، لكنها اعتقدت أن ذلك بسبب أسلوب البناء الخاص بيشكين، الذي يركز على العزل أكثر من الإضاءة.
“هل حدث شيء يُذكر؟”
“لا شيء على وجه الهصوص.”
نظرت فيلاكشينا إلى الشمعة المتذبذبة و قطعت قطعة أخرى من اللحم و وضعتها في فمها.
“همم. لذيذ. حيوانات الشمال تحتوي على الكثير من الدهون، لذا فإن اللحم طري.”
لحم الرنة كان دهنيًا و له رائحة قوية، لذا لم يكن صالحًا للأكل إلا إذا تم تحويله إلى لحم مدخن.
لكن لحوم الطيور مثل البط المائي أو الإوز، أو لحم الخنزير البري، كانت لها نكهة برية مميزة.
“…هكذا إذن.”
واصل أفالكين تناول الطعام في صمت للحظات، ثم وضع السكين بقوة.
رن صوت السكين و هو يصطدم بالطبق بوضوح.
“ماذا؟”
“إذا لم تكوني تتظاهرين بالجهل، فربما أغلقتِ فمكِ لأنكِ تعتقدين أنني لا أعرف.”
“يبدو أنّكَ تجهل الكثير بالفعل.”
“كفى. لقد أعطيتكِ وقتًا كافيًا للتوضيح.”
نظر أفالكين إليها بعيون زرقاء باردة بحدة.
‘ما الذي يحدث معه هذه المرة؟’
كان من المزعج أن يخلق مثل هذه الأجواء غير المريحة في كل وجبة.
اشتبهت فيلاكشينا أنه ربّما يحاول منعها من تناول الكثير من الطعام بسبب نقص الموارد في المنطقة.
“لا أعرف ما الذي يجب أن أوضحه.”
“سمعت أنكِ طردتِ ناتاشا. لم أعطكِ سلطة طرد الخدم.”
كان ذلك صحيحًا.
على الرّغم من أن فيلاكشينا تتصرف كما لو كانت سيدة القلعة بالفعل، إلا أنها رسميًا مجرد ضيفة.
و غير رسميًا، هي عبدة.
“إذن لا يجب أن تكون هناك مشكلة. كلام شخص بلا سلطة لا يعني شيئًا.”
و مع ذلك، فإن كلمة واحدة من فيلاكشينا جعلت الخدم يبكون و يضحكون، لأنها بدت ظاهريًا و كأنها تملك السلطة.
خطيبة السيد أفالكين، التي ستصبح قريبًا سيدة يشكين.
بالطبع، كلاهما كان يعلم أن هذا ليس صحيحًا.
“إذا كنتَ تشعر بالإزعاج، فقل ذلك أمام الجميع بوضوح. قُل إن هذه المرأة عبدة اشتريتها بالمال، فليس لديها سلطة طردكم. سيطمئن الجميع بالتأكيد.”
“فيلاكشينا أوتفيان!”
“مَن أنت لتصرخ في وجهي؟!”
عندما رفع أفالكين صوته، ردت فيلاكشينا بصوتٍ أعلى، و كأنها لا تطيق ذلك.
نظر أفالكين دون وعي نحو باب غرفة الطعام، قلقًا من أن يكون الصوت قد تسرب.
‘هل نسيت هذه المرأة أنها عبدة؟’
كان بإمكان أفالكين أن يخلع حزامه و يضرب فيلاكشينا على الفور كما يتم التعامل مع العبيد.
و إن لم يفعل ذلك، فهو خياره الخاص.
لكن في هذه اللحظة، لم يكن أمام أفالكين خيار سوى احترام فقدان الذاكرة الانتقائي لفيلاكشينا.
لأنه إذا تصرف بقسوة، فإنها سترد بقسوة أكبر.
“…أريد فقط معرفة سبب الطرد. لست هنا للقتال.”
أطلق أفالكين تنهيدة طويلة.
رفعت فيلاكشينا حاجبيها، و تأكدت من أن أفالكين لا يحمل نوايا عدائية، ثم أجابت على سؤاله:
“لقد سُرق مالي.”
“سُرق مالكِ؟”
“نعم، 24 قطعة ذهبية. ليس مبلغًا كبيرًا، لكن كيف يمكنني السماح لشخص قد يكون لصًا بالاعتناء بحمامي؟”
كان أفالكين يعلم أن مصدر الـ 24 ذهبية هو محفظة الحطاب، أراد أن يسأل كيف أصبح “مالها”، لكنه تجاوز الأمر.
“مستحيل أن تكون ناتاشا قد سرقت.”
“ربما. لكن لا يوجد دليل على أنها لم تفعل ذلك أيضًا.”
“في أوديفيرتي، هل يعاقبون الناس دون معرفة إذا كانوا مذنبين أم لا؟”
عبست فيلاكشينا.
في الحقيقة، لم تشارك قط في محاكمات قلعة أوديفيرتي.
منذُ أن بلغت سن الرشد، عاشت في قصر الدوق في العاصمة ليكريسا.
و مع ذلك، فإن الإساءة إلى مسقط رأسها كانت أمرًا مزعجًا.
“يبدو أنك تدافع عن تلكَ الخادمة بشدة.”
كان في نبرة فيلاكشينا الساخرة تلميح إلى “هل هي عشيقتك؟ هل هي مَنٔ ستنجب لك الوريث؟”، لكن أفالكين لم ينتبه لذلك على الإطلاق.
“إنها ليست خادمة، بل سيدة خادمة. و هي أيضًا ابنة عائلة خدمت قلعة يشكين لأجيال.”
إذن هذا سبب حساسيته.
كانت فيلاكشينا تعتقد أن يشكين لا تميز بين الخادمات و السيدات، لكن يبدو أن ناتاشا كانت من عائلة ذات مكانة.
“و حتّى لو كانت خادمة، فالأمر نفسه. في قلعة يشكين، لا نطرد الناس بسهولة. هل تعرفين لماذا؟”
“أظن لأنكم تعانون من نقص في العمالة.”
“لا. لأن الطرد هنا يعني الموت.”
ظهرت نظرة صدمة في عينيّ فيلاكشينا.
شعر أفالكين بالارتياح لهذا الرد فعليًا و واصل شرحه بهدوء:
“لا يملك سكان الإقليم الشمالي الكثير من الخيارات للعمل. لا يمكنهم العمل في الزراعة، و التجارة ليست متطورة. لا يزال هناك مَن يدفعون الضرائب عينيًا.”
“……”
“في مثل هذه الظروف، الطريقة الوحيدة لكسب راتب هي خدمة النبلاء. الرجال يصبحون جنودًا، و النساء يصبحن خادمات، يعيلن عائلاتهن بأكملها. فماذا سيحدث إذا طُردتِ؟ خاصة إذا كنتِ موسومة بالسرقة؟”
أمسكت فيلاكشينا أطراف أصابعها تحت الطاولة و ارتجفت قليلاً.
أدركت الآن خطورة الأمر.
قد تتحمل ناتاشا، ربما، ذنبًا لم ترتكبه، و ستصبح محط استياء عائلتها بأكملها. بل قد تجوع عائلتها.
“تذكري أن الأمور هنا مختلفة عن الإقليم الذي عشتِ فيه.”
“حسنًا.”
وافقت فيلاكشينا بهدوء.
اعتقد أفالكين أنه من حسن الحظ أنها امرأة يمكن التفاهم معها، فعاد إلى طعامه.
كان الطعام قد برد قليلاً لكنه لا يزال لذيذًا.
“لكن من المؤكد أن شخصًا ما سرق.”
لكن هذه المرة، قطعت فيلاكشينا طعامه.
قال أفالكين بنبرة تعبيرًا عن استيائه من استمرار الحديث عن هذا الموضوع:
“لنقل إنه احترق في النار التي تسببتِ بها.”
“ليس هذا هو الموضوع.”
“إذن ماذا تريدين مني أن أفعل؟ هل ستُحل المشكلة إذا أعطيتكِ 24 ذهبية؟”
“المال ليس المشكلة، هناك لص!”
“لا يوجد لص.”
ألقى أفالكين المنديل على الطبق أخيرًا.
كانت لحظة تحولت فيها البطة المشوية التي لم يأكل منها سوى النصف إلى وجبة خاصة لكلاب الصيد.
“في قلعتي، لا يوجد لصوص. لم يكن هناك من قبل، و لن يكون هناك في المستقبل. لذا لا تذكري مثل هذا الكلام مرة أخرى. هل فهمتِ؟”
شبكت فيلاكشينا ذراعيها و أصدرت همهمة ساخرة:
“إذا أغلقت عينيكَ و تجاهلت الأمر، فستقل الجرائم بالتأكيد. عندما يعلم الجميع أنهم لن يُعاقبوا على الأخطاء، سيقوم الجميع بالسرقة.”
“توقفي عن السخرية. لم تحدث مثل هذه المشاكل قبل أن تأتي.”
قبل أن آتي؟
نظرت فيلاكشينا إليه كما لو أنها تلقت إهانة فظيعة و سألت:
“هل تلومني الآن؟”
“…آه.”
أدرك أفالكين أنه ارتكب زلة لسان، لكن لم يكن بإمكانه استعادة الماء المسكوب.
نهضت فيلاكشينا فجأة و صرخت:
“الآن فهمت. تقول إنني استحق ذلك. لأن الخدم يحتقرونني و يكرهونني! كنت تريد أن تقول إنني أستحق أن أتعرض للمتاعب منذ وصولي!”
“لقد قلت الحقيقة فقط. لم تكن تلكَ نيتي.”
“آه، نعم. بالتأكيد. أشعر بالغثيان، سأذهب الآن!”
ألقت فيلاكشينا المنديل و غادرت غرفة الطعام، و كأنها لا تريد مواصلة الحديث.
أمسك أفالكين رأسه كما لو أنه يعاني من صداع.
“لا يوجد شيء سهل عندما تكون هذه المرأة متورطة.”
لم تكن تلك نية أفالكين الأصلية.
كان قد سمع من إنغريد أن سمعة فيلاكشينا في قلعة يشكين تتدهور بسرعة بسبب طرد ناتاشا ظلمًا.
كل ما أراده بصفته السيد هو تصحيح سوء الفهم و تحسين العلاقات.
التوافق مع الخدم هو من صفات السيدة الجيدة، و من أجل فيلاكشينا، كان من الأفضل أن تكون العلاقات جيدة لتسهيل الأمور مستقبلاً.
لكن على الرّغم من هذه النوايا الحسنة، كانت نتيجة تدخل أفالكين….
التعليقات لهذا الفصل " 16"